يحتلّ الماء مكانة في الأديان، والآداب، والفنون، والفكر، فقد عدّه الفلاسفة القدماء المادة الأولى لأصل الكون، وحسب طاليس: "كل شيء في الكون يتألف في جوهره من الماء"، فهو عصب الحياة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، ولا يتمّ التعميد لدى المسيحية واليهودية والصابئة المندائيين إلّا بالماء باعتباره مطهّرا، وبركة نازلة من السماء "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ" وفي الأساطير اليونانية يشرب الموتى الماء، من (نهر النسيان) في العالم السفلي لنسيان الآلام، وفي المخيال الشعبي، لا تقتصر الحاجة للماء لدى الأحياء؛ فحتى الموتى لا يستغنون عنه، فالماء آخر ما يلامس جثمان الميّت، عند تغسيله قبل تكفينه،
وفي زيارات القبور يرشّ الزائرون الماء على ترابها، وحجارتها، وكأنّه حلقة وصل بين الأحياء، والأموات، وقد عرفت (بلاد ما بين النهرين) منذ القِدَم حروب المياه، فقد نشبت الصراعات على ضفاف الأنهار، وقنوات الري، ومجاري المياه، ويذكر لنا التاريخ أنّ غزوة بدر الكبرى (624م) جرت عند ماء (بدر) غرب المدينة المنورة، حين أشار الصحابي الحباب بن المنذر(رضي الله عنه) على الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل ماء بدر خلفه فقبل مشورته، وجعل الماء نقطة ارتكاز، فنجحت خطّته، ومن يسيطر على الماء يمتلك دفّة الصراع، ويصبح هو المتحكّم في إدارته، وفي الفيلم المصري (شيء من الخوف) للمخرج حسين كمال الذي أنتج عام 1969م، وهو من بطولة محمود مرسي وشادية ويحيى شاهين، يبلغ الحدث ذروته عندما يعاقب (عتريس) أهل القرية بغلق البوّابة التي تنظّم جريان ماء جدول يسقي أراضيها ومزارعها، فيمنعه من التدفق عقابا لهم بعد أن قُتل أحد رجاله،
فجفّت الأرض، وعمّ العطش، وهلكت المزروعات، ونفقت الحيوانات، ولم يجرؤ أحد رجال القرية على فتح تلك البوّابة، لكن (فؤادة) التي كان (عتريس) يحبّها في طفولته، تتصدّى لهذه المهمّة، وتعصي أوامره، وتفتح البوّابة، وتجري المياه، فيغلي دم (عتريس)، ويغضب عليها أشدّ الغضب، وفي فيلم (الظامئون) للمخرج العراقي محمد شكري جميل (إنتاج 1972م) تعاني قرية نائية من العطش، ويفكّر أبناؤها بالهجرة بعد أن فشلوا بالبحث عن الماء، لكنّ (الزاير) يرفض مغادرتها، ويقرّر حفر بئر، وبعد محاولات فاشلة، ينجح بمساعدة ولده.
استحضرت حكايتي الفيلمين، وأنا أتابع أحداث مسرحية (اللمد) التي قدّمتها جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بعبري في المهرجان المسرحي الجامعي الثامن الذي احتضنته جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى؛ فالشرّير، والظالم ليس مَنْ يقتل ويسفك الدماء، بل القاتل هو الذي يقطع شريان الحياة في فلج القرية، ويمنع الماء عن التدفّق، ويحرم المزروعات من السقي، ولنا أن نتخيّل حال القرية بعد توقّف الماء الذي يغذّي بساتينها، ويروي أرضها، وناسها وسائر الكائنات الحيّة فيها.
وسط هذه الأجواء المتوتّرة، تدور أحداث العرض الذي كتبته (مرام بنت علي المقبالي)، وأخرجه: (أحمد بن سالم الهنائي) وأدّته فرقة الجامعة، ففي قرية عمانية يسيطر (سالم) على ماء الفلج، ويتحكّم بـ(اللمد)، وهو مقياس الفلج، ولم تنفع محاولات شيخ القرية وأبنائها، وزوجته (سلومة) في ثني(سالم) عن ذلك، وبعد صدام ابن الشيخ معه يغادر (بدر) القرية قاصدا البحر، لكنه لم يفلح في مسعاه، فيعود إلى قريته، ويرى أن الأوضاع ازدادت سوءا في غيابه، وتعرّض والده للإهانة،
عندما صفع شيخ القرية؛ لإخافة رجالها، فهو يرى "الصفعة ما تذبح الخيل، بس تخليه يلهث تعبان من الركض؛ لأنه ما يشوف قدامه غير من يقوده "، وفشلت محاولات شقيقته (سلومة) في ردع زوجها ( سالم) عن غيّه، ويرى (بدر) أن الحل يكمن في مواجهة المشكلة، وليس في الهروب منها، وتساعده في ذلك خطيبته
(زمزم) التي تقوم بتحريض رجال القرية على إيقاف (سالم) عند حدّه، فيتتبعون أثر الفلج، حتى يعثروا على جثّة شاة نافقة قطع بها (سالم) جريان الماء، وبالفعل يعثرون على الشاة، ويرفعونها، وفي الختام تنتصر إرادة سكّان القرية بقيادة (بدر) على (سالم) ويتدفّق الماء ليروي الأرض العطشى، وكما هو واضح من سياق الأحداث، فإنّ الحكاية تقليديّة، لكنّ الكاتبة نجحت في صياغة خطوطها، وزاد من جماليته أنّ النص كُتب بالدارجة العُمانيّة لتعطي الكاتبة بعدا محليّا، ويكون أقرب للواقع،
وقام المخرج بترجمة هذه المفردات، وتحويلها إلى مشاهد بصرية ناطقة، فشدّت أنظار الجمهور، ولعبت السينوغرافيا دورا في ذلك، فقدّم المخرج قراءة تجريبية في نص ينتمي للبيئة العمانية، فوضع في خلفيّة المسرح لوحات تتحرك برشاقة حسب تبدّل المشاهد، واستخدم الأقنعة، ووضع السارية لتكون استعارة بصريّة تختصر رحلة (بدر) للبحر، وقد أثّث هذا المشهد بمقاطع غنائيّة من الموروث البحري الخليجي وأغاني( اليامال) للبحّارة، ونجح في تحريك المجاميع، بسلاسة، ملأت المسرح حيويّة وحركة، وساهمت الطبول والإيقاعات الحيّة في صنع مشهدية بصرية، وسمعية، فقدّم فرجة مسرحية جعلت الجمهور يتفاعل مع العرض الذي نال جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، ففيه "ماء كثير" كما يطلق أهل البلاغة على النصّ الشعري الجيّد، من باب المجاز، وهو يختلف عن الماء الذي يطفئ نيران الحروب.