لم يكن أبو كمال حمادة يتخيل أن يعود إلى شمال قطاع غزة ليقيم عزاءً جديدًا لأحبّته بعد عامٍ ونصف العام من رحيلهم. يقف الرجل أمام قبورٍ فُتحت من جديد، لا ليودّع شهداءه للمرة الأولى، بل ليعيد دفنهم بكرامة حُرموا منها زمن الحرب. ملامحه المتعبة لا تخفي ثقل الفقد، ولا ارتجاف صوته وهو يهمس بأسماء أبنائه ووالدته وأخته، الذين غيّبتهم ضربة واحدة، ثم غيّبتهم ظروف النزوح والقصف عن دفنٍ يليق بهم.
فقدٌ يتجدد
يقول أبو كمال إن لحظة استشهاد عائلته جاءت وهو نازح في جنوب القطاع، عاجزًا عن العودة، وعاجزًا عن وداعهم. بقي هناك عامًا ونصف العام، بينما كانت جثامين أحبته تُوارى على عجل في مقابر عشوائية، أو في أراضٍ فضاء، بلا شواهد، بلا أسماء. «حين استشهدوا ودُفنوا، كنتُ نازحًا في الجنوب، ولم أتمكن من دفنهم، واليوم كأنني أدفنهم من جديد»، يقول، فيما تبدو إعادة الدفن وكأنها طعنة أخرى في ذاكرة لم تلتئم.


يستعيد الرجل أسماء من فقدهم، وكأن تعدادهم محاولة أخيرة للإمساك بهم قبل أن يغيبوا نهائيًا في التراب. فقد ثلاثة من أبنائه، ووالدته، وأخته، وثلاثة عشر فردًا معها، وزوجة أخيه، وتسعة من أبناء إخوته، جميعهم في ضربة واحدة. يضيف بصوت مثقل لـ«عُمان»: «تمنيتُ أن أدفن ابني البكر كمال، وأن أدفن والدتي، لكنني لم أستطع، واليوم أعيد الدفن، وكأن مصابي يتجدد».


في حديثه، يتوقف أبو كمال عند الأطفال، عند الطفلة الرضيعة التي لم تفارق حضن أمها، متسائلًا عن ذنبها، وعن صمت العالم. «أين الأمم المتحدة؟ وأين حقوق الإنسان؟»، يسأل، ثم يضيف بحسرة أن الموت في غزة صار عاديًا، وأن الإنسان فقد قيمته وسط هذا الركام. «هم ارتاحوا، ونحن المتعبون هنا، لا نعرف ما مصيرنا»، يقول، قبل أن يختتم شهادته باعتراف موجع: «نحن في قاع البئر، ونحتاج إلى أصحاب ضمير لينقذونا».


قبور مؤقتة
تتكرر قصة أبو كمال في أحياء كثيرة من قطاع غزة، حيث ما تزال عائلات تنقل جثامين شهدائها من مقابر عشوائية إلى مقابر رسمية، بعد مرور أشهر على توقف نسبي للقتال. خلال الإبادة، اضطرت مئات العائلات إلى دفن موتاها في الشوارع، أو الساحات، أو أراضٍ فضاء، تحت القصف والخطر، دون أن تتمكن من الوصول إلى المقابر المعروفة التي طالها الاستهداف أيضًا.


اليوم، وبعد نحو ستة أشهر من التهدئة، تتحول عملية نقل الجثامين إلى مشهد يومي، تشارك فيه طواقم الدفاع المدني والهلال الأحمر، وبمساندة الأهالي. هي عملية إنسانية معقدة، لا تتعلق فقط بالإجراءات، بل بإعادة فتح الجراح، واستحضار لحظات الفقد الأولى. فكل قبر يُفتح، يعيد إلى أهله مشهد الاستشهاد، ويوقظ حزنًا لم يهدأ منذ شهور.


هذه العمليات لا تعني نهاية الحكاية، بل فصلًا جديدًا منها. كثير من العائلات ما تزال نازحة، تعود إلى مناطقها المدمرة لتبحث عن قبور مؤقتة، أو عن جثامين لم تُدفن أصلًا. وبين الركام، تختلط رائحة التراب برائحة الذكريات، ويغدو الدفن اللائق حلمًا مؤجلًا، لا يقل ألمًا عن الفقد نفسه.


إجراءات شاقة
يوضح محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في مدينة غزة، أن طواقم الدفاع المدني ما تزال تعمل على انتشال جثامين الشهداء من المقابر العشوائية، وتسليمهم إلى مستشفى الشفاء. ويشير إلى أن العملية تشمل شهداء معلومين ومجهولي الهوية، في ظل ظروف إنسانية وطبية بالغة التعقيد.


يقول بصل، خلال حديثه لـ«عُمان»، إن الشهداء معلومو الهوية يتم تسليمهم لذويهم بعد انتشالهم، ليُعاد دفنهم في المقابر الرسمية المعروفة في قطاع غزة. أما الشهداء مجهولو الهوية، فيُسلمون إلى مستشفى الشفاء لإجراء التشريح والتصوير، وفق الأصول المتعارف عليها، بهدف تمكين الأهالي من التعرف عليهم. «نحن نتعامل مع كل جثمان باعتباره أمانة، ونسعى للحفاظ على كرامة الشهداء رغم كل الصعوبات»، يضيف.


ويتابع أن الجثامين التي لا يتم التعرف عليها تبقى لمدة 48 ساعة داخل مشرحة مستشفى الشفاء، قبل أن تُنقل إلى مستشفى الهلال الأحمر في دير البلح، تمهيدًا لدفنها. هذه الإجراءات، بحسب بصل، تعكس حجم الكارثة التي خلّفتها الحرب، وتكشف أن آثارها الإنسانية ما تزال مستمرة، حتى بعد توقف القصف.


نبش الذاكرة
بالنسبة لمصطفى حمادة، فإن إعادة دفن إخوته تعني العودة إلى يوم استشهادهم، وكأن الزمن لم يتحرك منذ عامين. يقف الرجل في أرضٍ فضاء بمدينة غزة، حيث دفن إخوته وأبناءهم على عجل، بعد أن تعذّر الوصول إلى المقابر. «كأنهم استُشهدوا اليوم»، يقول، مؤكدًا خلال حديثه لـ«عُمان» أن العيش في غزة بات مرادفًا للتعايش مع القتل والفقد.


يشرح مصطفى أن الأرض التي دفنوا فيها الشهداء تعود ملكيتها لجيرانهم، الذين طالبوا بها لاحقًا، ما اضطر العائلة إلى نبش الجثامين ونقلها إلى مقبرة رسمية. هذه الخطوة، رغم قسوتها، كانت حتمية، لكنها أعادت فتح جرح لم يندمل. «اليوم أنقل جثامين ثلاثة من إخوتي مع أبنائهم بعد عامين من استشهادهم»، يقول، متسائلًا بمرارة عن المصير القادم.


يوجه مصطفى رسالة إلى العرب، يطالبهم فيها بوقف الخذلان. «لم يبقَ لنا أحد»، يقول، مضيفًا أن الخوف لا ينتهي حتى بعد الدفن الرسمي، إذ يخشى أن يقوم الاحتلال بتجريف المقابر في أي وقت، ويُطلب منهم نقل الشهداء مرة أخرى. في غزة، حتى القبر لا يُعد نهاية آمنة للحكاية.


وداع أخير
تصل سالي كمال الدرة إلى المكان الذي دُفن فيه زوجها، مدحت سامي إسماعيل، في منطقة الجلاء بمدينة غزة. تتحقق من القبر بعينين مثقلتين بالدمع، قبل أن تبدأ إجراءات نقل الجثمان إلى مقبرة رسمية في مخيم البريج، مسقط رأسه. «اليوم جئتُ لأستلم جثمان زوجي بعد عامٍ وشهر من دفنه في أرضٍ ليست مقبرة»، تقول.


تستعيد سالي لحظة استشهاده في الخامس من ديسمبر 2023، بعد أن استُهدفت المنطقة بشكل مكثف، بما في ذلك المقابر. تؤكد لـ«عُمان» أن الظروف آنذاك كانت قاسية إلى حدّ لم يسمح بالدفن اللائق. «دفناه في أرض تبرعت بها إحدى العائلات، لأن الاستهداف كان يطال كل شيء»، تضيف، مشيرة إلى أن نقل الجثمان اليوم يمنحها شعورًا متناقضًا بين الراحة والحزن.


بالنسبة لها، فإن إعادة الدفن ليست مجرد إجراء، بل محاولة أخيرة لمنح زوجها كرامة حُرم منها زمن الإبادة. «الحمد لله أنني استطعتُ التأكد من قبره، وأنقله إلى البريج»، تقول، وكأنها تغلق فصلًا مؤلمًا، وإن كانت تعلم أن الفقد سيظل حاضرًا في تفاصيل حياتها.


حزن مستمر
تعكس عمليات نقل الجثامين في قطاع غزة وجهًا آخر لمعاناة ما بعد الحرب، حيث لا ينتهي الألم بتوقف القصف. فإعادة الدفن تعني إعادة استحضار الفقد، ومواجهة الذاكرة من جديد، في ظل واقع إنساني هش، ونزوح مستمر، ودمار واسع.


في كل جنازة مؤجلة، قصة عائلة لم تُتح لها فرصة الوداع، ولم تجد وقتًا للحزن. وبين طواقم الإسعاف والأهالي، تتقاطع الجهود لإغلاق قبور مفتوحة، لكنها لا تنجح في إغلاق الجراح. هكذا، يبقى الحزن في غزة مستمرًا، لا يُدفن، ولا يُنسى، بل يُعاد دفنه مرة بعد أخرى، بانتظار عدالة غائبة، وكرامة مؤجلة.