لا يضيق مضيق هرمز بالماء وحده؛ يضيق، في لحظات الحرب، بكل ما عجز الشرق الأوسط عن ترتيبه في السياسة. تعبره ناقلات النفط والغاز، وتراقبه الأساطيل، وتنتظره الأسواق. وفي كل مرة يتهدد فيها هذا الممر، تظهر هشاشة أعمق من هشاشة التجارة العالمية، هشاشة الخيال الأمني في منطقة اعتادت إطالة عمر الخوف، وأبطأت كثيرا في بناء شروط الطمأنينة.
تبدأ الأزمة من هنا. راكم الشرق الأوسط، خلال عقود طويلة، أدوات كثيرة للقوة: قواعد عسكرية، صواريخ، مسيّرات، منظومات دفاع جوي، تحالفات، عقوبات، ودوريات بحرية. بقيت هذه الأدوات، على كثرتها، متجاورة من دون أن تتحول إلى نظام. والقوة حين لا تنتظم داخل رؤية سياسية مشتركة تصبح وسيلة لتأجيل الانفجار، وطريقا قصيرا إلى قلق أطول. فالشرق الأوسط لم يفتقر يوما إلى القوة؛ افتقر إلى الخيال الذي يحوّل القوة إلى نظام.
يعود مضيق هرمز هنا بوصفه المرآة الأكثر وضوحا لهذا الفشل، ففي مياهه تتقاطع خرائط خوف متباينة. تنظر إليه إيران من زاوية الحصار والتطويق وحق الرد. وتنظر إليه دول الخليج من زاوية المدن المكشوفة، ومحطات التحلية، والمنشآت الحيوية، والموانئ المفتوحة على البحر. أما واشنطن فتقرأه بوصفه اختبارا لحرية الملاحة ومصداقية القوة، فيما تراه آسيا شريانا للطاقة، وتراه الأسواق مساحة للذعر. هكذا تتعدد الروايات، وتغيب البنية الإقليمية القادرة على منعها من التحول إلى صدام.
من هذا الغياب يظهر الفرق بين الردع والنظام. الردع يقول للخصم: إن اقتربت ستدفع الثمن، أما النظام فيبحث عن طريقة تجعل الخصوم يعيشون من دون إقامة دائمة على حافة الذعر، الأول يشتري وقتا، والثاني يصنع أفقا. تستطيع بارجة حربية أن ترافق ناقلة نفط حتى تخرج من المضيق، لكنها لا تستطيع أن ترافق الثقة. وتستطيع منظومة دفاعية حماية ميناء أو مطار، لكنها لا تمنح الجغرافيا معنى سياسيا مستقرا.
وقد حجبت الحماية الخارجية هذا الخلل زمنا طويلا. ووفرت المظلات الدولية ردعا ضروريا، وطمأنت دولا مكشوفة أمام بحر مضطرب. غير أنها جعلت جزءا من مصير المنطقة معلقا بخيال استراتيجي يصاغ خارجها. فالحماية حين تأتي من الخارج تحمل معها أدوات الردع وحسابات القوة التي صممتها. وفي ساعة التصعيد، قد يتحول الدرع القادم من بعيد إلى مدخل في حرب لم تكتب شعوب المنطقة مقدماتها، وقد لا تملك التحكم في نهاياتها.
ومن هنا تفشل الإجابة القديمة القائمة على إضافة مزيد من القوة إلى قوة قائمة. فمزيد من القواعد لا ينتج بالضرورة أمنا أوسع، ومزيد من الدوريات لا يخلق ثقة، ومزيد من الضغط قد يدفع الطرف المحاصر إلى تحويل الجغرافيا إلى ورقة ابتزاز. كل طرف يظن أنه يزيد أمنه عبر تضييق هامش الآخر، ثم يكتشف أن الخوف لا يبقى في مكان واحد. الخوف يدور في البحر، ثم يعود في صورة أسعار، وممرات قلقة، ومسيّرات، وذاكرة سياسية أكثر قسوة.
يفرض مضيق هرمز حقيقة قاسية: الأمن الخليجي الدائم لا يقوم على شعور إيران بالاختناق، والأمن الإيراني لا يقوم على قلق دائم لدى جيرانها. فالدول التي تتقاسم بحرا واحدا لا تستطيع أن تجعل انعدام الأمن صادرات باتجاه واحد. والبحر المشترك يفرض قدرا من العقل المشترك. وكل محاولة لتحويله إلى رهينة تنتهي بإبقاء الجميع داخل دائرة الخطر؛ لذلك تبدأ المهمة من الفكر قبل أن تبدأ من الدبلوماسية. تحتاج المنطقة إلى فهم الأمن بوصفه هندسة للضبط المتبادل، لا غيابا مؤقتا للهجوم. وهذه الهندسة لا تنتظر ثقة كاملة عند البداية؛ فالثقة غالبا ثمرة متأخرة للنظام. البداية تكون بقواعد اتصال دائمة في الأزمات، وتفاهمات بحرية، وحدود واضحة حول استهداف منشآت الطاقة، وآليات لحماية الشحن، وتعريف أوسع للأمن يشمل الغذاء والمياه والتأمين والتجارة والطاقة.
تحتاج المنطقة إلى لغة تعايش يستطيع الخصوم أنفسهم استخدامها. فقد عرفت ما يكفي من نظريات الغلبة وما تتركه من خراب. في الشرق الأوسط، لا تنقصنا القوة التي تفتح المضائق؛ تنقصنا السياسة التي تمنع البحر من أن يصبح رهينة كل حرب.
لم يصنع هرمز أزمة الشرق الأوسط الأمنية؛ أزاح عنها الغطاء. كشف أن المنطقة تعرف الحرب معرفة حميمة، وتعرف الوساطات معرفة متقطعة، لكنها لم تتخيل بعد سلاما يملك مؤسساته. لذلك سيبقى كل هدوء بحري قابلا للانكسار، وكل هدنة استراحة قصيرة، ما لم تتحول الجغرافيا من أداة ضغط إلى أساس لنظام، وما لم تدرك المنطقة أن الأمن الذي يُبنى على خوف الآخرين يعود دائما حاملا خوفا أكبر.