هنالك روايتان مهيمنتان على التصورات عن الشرق الأوسط، الأولى: تصور المنطقة كيانا مسكونا بالطائفية الأزلية، والعداوات الدينية الموروثة، وتاريخا متواصلا من الاقتتال الطائفي، وتؤصل الطائفية في الجينات الحضارية للمنطقة، وتجعلها قدرا محتوما لا فرار منه.


والثانية: تضخم الصور المثالية للتعايش، وتحولها إلى نوستالجيا ذهبية خالية من التوترات والصراعات، وتقدم التعايش بوصفه انسجاما مثاليا.
وبهاتين الروايتين يتم إسكات أسئلة السلطة والتمييز والتراتبية المحفورة داخل المنطقة.


يستغل أسامة مقدسي كتابه "عصر التعايش الإطار المسكوني وصناعة العالم العربي الحديث" الصادر ٢٠١٩، والمترجم للعربية عبر مركز دراسات الوحدة العربية ٢٠٢٣، للطعن في أصالتيهما معا، ويقترح مكانهما إطاراً تحليلياً جديداً يسميه "الإطار المسكوني" (The Ecumenical Frame) لفهم تاريخ التعايش بين مكونات المشرق العربي المتعددة دينيا وعرقيا، وتأريخ المفهومين معا "الطائفية" و"التعايش" بوصفهما ظاهرتين حديثتين نشأتا في سياق تحولات اجتماعية وتاريخية هائلة شهدتها الإمبراطورية العثمانية وما تلاها.


يُعدّ هذا الكتاب امتداداً طبيعياً لمسيرة مقدسي الفكرية التي بدأت بكتابه "ثقافة الطائفية" (The Culture of Sectarianism) والذي انطلق فيه من نقد للمنظور اﻻستشراقي للطائفية بوصفها نتاجا لكراهيات قديمة متجذرة في النفوس أولاً و ثانياً فهو المنظور القومي الذي يراها مؤامرة أو فشلا في مسيرة التحديث.


يتجاوز هذا الكتاب الكتاب الأول فبدلا من الاقتصار على التشريح الموضعي للطائفية اللبنانية مثلاً، يحاول هذا العمل صياغة تأطير نظري تاريخي شامل حول طبيعة العلاقة بين التنوع الديني وفعل التعايش في العالم العربي الحديث (العراق والشام ومصر) خصوصاً على مدار قرن كامل تقريبا يمتد من 1860 إلى 1948.


يعلن مقدسي في مقدمته أنه يعارض نمطا معرفيا كاملا يعامل الشرق الأوسط والعالم العربي بالتحديد باعتباره مكانا مبتلى بداء الطائفية ويؤكد بوضوح: "يوجد بون شاسع بين التناول الاستشراقي للشرق الأوسط -أي تصوره مكانا غريبا شاذا وخطيرا- والتناول التاريخي له - أي وضعه ضمن سياق، وفي حوار مع تجارب مماثلة في أماكن أخرى من العالم".


يحدد مقدسي نطاقه الجغرافي ببلاد المشرق العربي أي المنطقة التي تضم اليوم العراق ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن ومصر، ويرى أن هذه المنطقة بالذات تختلف عن سائر أجزاء الإمبراطورية العثمانية لسبب جوهري: بينما مضت تركيا وأجزاء البلقان نحو تجانس عرقي قائم على التطهير والإبادة، بقي المشرق العربي فضاء لتجربة استثنائية في التاريخ الحديث تحاول صياغة وعي وطني يعترف بالتنوع الديني، ويتخذه أساسا للبناء السياسي لا عائقا أمامه.


مقدسي واعٍ أن الخليج مثلاً لم يُدرس في هذي الحالة، مما يجعل دراسته هذه فرصة لدراسات حديثة حول هذا الموضوع.
يرتكز الكتاب على مفهوم "الإطار المسكوني" يستعير مقدسي المصطلح من الإغريقية والإرث اللاهوتي المسيحي؛ إذ تعني الكلمة oikoumene "كل الأرض المسكونة" وتستخدم في السياق الكنسي للدلالة على التعاون بين الطوائف المسيحية المختلفة سعيا نحو وحدة الكنيسة الجامعة.


لكن مقدسي يعيد توظيفه ليدل على شيء مختلف: الفهم المشترك للمجتمع السياسي المثالي حيث يحول فيه التمايز الديني الصريح من علامة على ثقافة وتراتبية إمبراطورية إلى كونها جزءاً أساسياً من النسيج الثقافي الوطني للأمة.
ويوضح مقدسي أن استخدامه لمصطلح الإطار المسكوني يتضمن ثلاثة أبعاد متداخلة لا يمكن فصلها، أولها: منظومة فكرية سعت إلى التوفيق بين مبدأ المساواة السياسية العلمانية الوليد وبين واقع النظام الإمبراطوري العثماني الذي كان يرسخ تاريخيا تفوق المسلم على غير المسلم، لكنه كان يحاول آنئذ دمج غير المسلمين بوصفهم مواطنين. وثانيها: نظام حكم احتفظ ببقايا السيادة الإسلامية في الوقت الذي أعلن فيه مساواة المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية. وثالثها: نظام سياسي وقانوني جديد يكرس العلمانية الدستورية للمواطنين في الفضاء العام، بينما يبقي على قوانين الأحوال الشخصية الدينية -التي تحكم الزواج والطلاق والإرث- المنفصلة لكل طائفة مما يقوّض عمليا المساواة التي يعلنها.