يعرّف محرّك الذكاء جوجل أكلة المنشب بأنها وجبة ظفارية أصيلة من صلالة، تجمع بين السمك (خاصة التونة) وحليب جوز الهند (النارجيل) والأرز في طبق ذي نكهة غنية. تُعدّ من أشهر الأطباق الساحلية، وتتميز بطهيها، وغالبا ما تُعرف بأكلة الضرة؛ لقصة طريفة تعود لابتكارها.
ينشغل عقل الإنسان بتأليف الأساطير حول المجهول. "وجاءت الأساطير لتفسير بعض مظاهر الكون وخلق الإنسان ومشكلات البشر"؛ ولأن العقل البشري ميّال إلى النسيان، نشأت وسائل تحفظ الحكاية. فجاء الشعر والأمثال ليسهلا تناقل الأسطورة. ترويها الجدات، ويتأملها الأبناء، ويفككها الأدباء، ويغني بها الفنانون.
تقول القصة الطريفة التي ابتكرها العقل الحديث حول أكلة المنشب، كما يرويها علي سالم عكعاك (جريدة أثير) قائلا: في أحد الأيام القديمة في صلالة، كان هناك رجل ثري يعيش حياة مرفهة مع زوجتيه، وبينما كانت الزوجة الأولى تُعدّ الطعام بأسلوبها التقليدي، قررت الزوجة الثانية-أو ما يُعرف بالضرة في وقتنا الحالي- أن تضيف لمسة مبتكرة إلى وجبة الغداء المعتادة.
قررت الضرة أن تُخل جوز الهند كعنصر جديد في الوصفة، حيث أخذت كمية كبيرة من جوز الهند المبشور وأضافتها إلى الأرز الأبيض، وعندما بدأ جوز الهند يتفاعل مع ماء الأرز، تحولت النكهة إلى شيء غير عادي، وعند تقديم الطعام، كانت النتيجة مذهلة، فقد أصبحت نكهة الأرز أكثر حلاوة وطعما لذيذا، مما جعل الضيوف يندهشون منها".
هكذا يضيف المخيال الشعبي الصراع بين المرأتين، وإلى هنا تنتهي حكاية أكلة الضرة... وكلما سمعت حكاية "أكلة الضرة"، تذكرت نهلات، التي صنعت لنا منشّبًا لا يشبه ما ترويه الحكايات.
تُصنف بعض الكتب (الأكلات الشعبية العُمانية في ظفار) و(اعرف ظفار من خلال 530 سؤالا وإجابة) أكلة المنشب من الأكلات التقليدية العريقة ذات الطعم الفريد الغني بالدسامة. لا شك، في أن السائح إذا زار ظفار وتذوقها وعرف أسطوريتها لهاله الإعجاب، دون أن يصدق الأسطورة أو يكترث لأسبابها.
ولكل بيت مذاقه الخاص في تناول وطبخ الأكلات العُمانية التراثية، فأغلب الذين يطبخون المنشّب يحضّرون السمك بالبهارات ليؤكل مع الأرز الأبيض، وقد رأيت ذلك في أغلب المطاعم المُعدة للأكلات التقليدية، وكذلك جربته لدى بعض الأسر المنتجة للمنتجات المنزلية مثل المأكولات والحلويات. ومهما يكن من أمر، فإن معنى الأسطورة الذي وضعه المحدثون لحكاية أكلة الضرة العُمانية، لم يمنحني لا على وجه المجاز ولا الحقيقة ذلك الشعور بالهالة أو النظر إليها بالإعجاب والإكبار، ربما لأن لديّ رؤية إبداعية خاصّة من التراث المحلي، ومخيال الشعوب تتبلور حول المفردة التراثية وكيفية تطويرها وبناء نسيج حولها.
في سياق أكلة الضرة العُمانية، هناك اعتقاد تقليدي بأن المرأة هي المسؤول الأول عن العبث في العناصر، الطبيعية وغيرها، كما لعبت الأسطورة دورها في حياة الشعوب في عصور ما قبل الميلاد وبعدها.
ففي الثقافة الإسلامية المترسبة بالموروث الشعبي في أذهان العامة من الناس وكذلك لدى كثير من المثقفين، أن السبب وراء خروج سيدنا آدم عليه السلام من الجنة هو حواء، وهي مفاهيم ثقافية تعكس قراءة سطحية للنصوص وتكرّس تصورات قديمة عن المرأة. فلم تقف المرأة أبدًا وراء خروج آدم، لكنه التأثر بالروايات الإسرائيلية (الإسرائيليات) التي نسجت في الأدبيات والسرد فكرة تفاحة الفتنة، أو تفاحة آدم، وتقف وراءها أفكار متوارثة واتهامات قاتلة والاعتقادات المزيفة.. ففي سفر التكوين يقول النص التوراتي: "فرأت المرأةُ أن الشجرةَ جيدٌة للأكل، وأنّها بهيةٌ للعيون، وأن الشجرة شهيةٌ للنظر. فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجُلها أيضا معها فأكل [...] المرأةُ التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرةِ فأكلتُ".
بينما جاء الخطاب في القرآن الكريم بقوله تعالى "فأزلهما الشيطان عنها"- سورة البقرة"، وفي موضع آخر "وعصى آدم ربه فغوى"- سورة طه". لماذا يشيع في المخيال الشعبي الميل إلى تبسيط القصص؟ ولماذا يفرغها من حمولتها المعرفية؟ ثم لماذا يحولها إلى صراع بين طرفين، لينتهي إلى تحميل المرأة مسؤولية المشكلات قديمًا وحديثًا؟
أعود إلى أسطورة طروادة المعروفة في الأدبيات الكلاسيكية، وهي من أشهر الأساطير المفسرة للحرب التي أشعلتها امرأة تُدعى هيلين وقعت في غرام باريس فاختطفها إلى مدينة طروادة، مما أجج أتون الحرب بين اليونانيين والطرواديين. استمرت الحرب عشر سنين تخللها الحصار والكر والفر، وفي الأخير نجحت الخدعة، حيث نصب اليونانيون فخًا محكمًا عندما صنعوا حصانا مجوّفا اختبأ فيه جنودهم فدخلوا به إلى طروادة وقضيَّ الأمر باقتحامهم للمدينة وإحراقها وقتل نسائها ورجالها، فسقطت طروادة سقوطا عظيما، وهكذا انتصر اليونانيون بواسطة الدهاء والمُكر.
وفي صفحات من تاريخنا العربي ميراث ثقيل من التصورات غير الدقيقة. أتذكر أشهر حرب عرفها العرب في عصر الجاهلية الأولى، هي حرب البسوس التي يقف وراء اندلاعها ناقة اسمها سراب تعود ملكيتها لامرأة شمطاء تدعى البسوس، فاستمرت الحرب بين أبناء العم من قبيلتي بكر وتغلب أربعين عامًا.
للمؤرخين آراء أخرى في هذه الأحداث. فهم لا يرونها مجرد قصص نساء أشعلن الحروب، بل منعطفات كبرى غيّرت مصائر الدول والشعوب. لكن نهلات، ببساطتها، كانت ستضحك من كل هذا التنظير.
فأغلب الآراء كما قرأتها لا توجه اتهاما صريحا أو مباشرًا إلى عدّ المرأة السبب بجعلها تقف وراء اشتعال الحروب، لكنها المطامع والاستبداد بالسلطة، ففي حرب طروادة يرى المؤرخون والأسطوريون أن جمال هيلين كان المحرك الظاهري لأعظم صراع في العصور القديمة، لكنه في العمق كان صراعا على النفوذ والتجارة بين اليونان ومدن آسيا الصغرى، بينما يذهبون إلى أن مطامع كليب بن ربيعة سيد قبيلة تغلب وسيطرته المُطلقة على موارد الماء والمراعي وحمى الجرو، مما أدى إلى احتقان قبيلة بكر التي كانت تعيش تحت نفوذه، وقد قيل في جبروته المثل السائر: "أعزُّ من كُليب وائل".
في هذا السياق، كتب الشاعر والمسرحي الراحل ممدوح عدوان ملحمة تاريخية مهمة في مسلسل الزير سالم وأخرجه المخرج الراحل حاتم علي، ومن المقاطع الحوارية التي كتبها ممدوح ما وصفه لحال الزير سالم وتحوّله من زير نساء إلى منقم لا يرحم، حيث يقول الزير في إحدى اللحظات الفارقة: "لقد اعتزلتُ الخمر والنساء، ليس تقوىّ، ولكن دماء كليب غسلت كل شيء، ولم تترك لي إلا طعم الموت في فمي".
هكذا تنتشر الحكايات التي تروي حضور المرأة في المخيال الشعبي والثقافي، ومنشّب نهلات يدخل من هذا الباب. بينما كانت تُهم التاريخ تُلقى على النساء، كانت النساء في البيوت يصنعن الحياة. عندما سألتها: ما سرّ هذه النكهة في المنشّب؟ سكتت قليلًا ثم قالت: تعلمته من عند أمهاتي. سألتها: كيف علمنّك ذلك؟ إنّ له نكهة خاصة ليست المطاعم تعرفها، ولونه يختلف جذريًا عما جربته وشاهدته. سألتني باستغراب: "ليش، كيف يطبخونه؟". قلت: أبيضَ ناصعًا! ضحكت وأدارت رأسها وعلّقت بجبالية لا تستخدمها كثيرًا: "تكيد بوكم حلت، أي تفاجأت" نحنُ من خلقنا ربنا ما عرفنا عن شيء منشب أبيض". حسنًا... ما سر المنشّب؟
قالت: من بين ما تعلمته في "البيت الجديدة- هكذا ينطقونها-" من أمهاتي رحمهن الله وورثته منهن أن المنشّب يُطبخ هكذا. وهنّ تعلمنه أيضا بتلك الطريقة. لم نكن نعرف هذه الطبخة، وليس لها جذور عندنا، عندما تدخل المرأة إلى المطبخ وتريد أن تتعلم أصول الطبخ فسيكون لها ذلك، في بيت أحاط به الحب من جميع أطرافه.
حسنًا... يا نهلات، تصوري هناك حكاية تروى عن المنشّب تعرف بأكلة الضرة العمانية. ما رأيك فيها؟
قالت وهي تشوّح بكف يدها اليمني: "مع نفوسهم".
غادرنا المائدة ونحن مستمتعون بالمنشّب الذي طبخته نهلات بنفسها، بمساعدة حفيدتها الصغيرة آية. وإلى جانبه كان صحن السمك المقلي ببهارات أختي نايفة، وصحن "الشتني" الحار اللذيذ، كأنه شاهد آخر على ذاكرة المطبخ القديم.
منشّب نهلات لم يكن من قبيل الترف، لكنه يتضمن أسطورته الخاصّة، حول نساء حرّكن التاريخ، ويظهر في الخلف أن الأم موجودة في التفاصيل أيضا.