إن قلت إنني أستمتع بكسلي، فعلى الأرجح سينبري الكثيرون لمهاجمتي على فعلي هذا؛ فالكسل في ثقافتنا مذموم، وصاحبه منبوذ، وقد ضُربت في ذمه أقذع الأمثال في تراثنا العربي، بل وفي ثقافات عالمية أخرى، حتى قيل: "من جدّ وجد، ومن زرع حصد"، في إعلاء لقيمة النشاط والهمة، وإدانة صريحة للركون إلى الدعة والسكون.
غير أنه، وبمقابل ذم الكسل والتبرؤ منه، إلا أن هنالك بعض الثقافات والشعوب نجدها تمجّد وتعلي من شأنه بوصفه حاجة إنسانية لا نقيصة، يلقي في النفس شيئًا من الطمأنينة والهدوء، ويُسيغ عليها كثيرًا من الطمأنينة والسكينة، حيث لا يُنظر إلى الكسل باعتباره فعلًا مذمومًا، بل بوصفه استراحة واعية تعيد للإنسان توازنه وتمنحه قدرًا من الصفاء.
عندما أعلي من شأن الكسل والكسالى، فإنني لا أفعل ذلك عبثًا، بل أستشهد هنا بثقافات وشعوب، لعل أبرزها الشعب الإيطالي، وكذلك جارتها اليونان على سبيل المثال لا الحصر؛ حيث لا تعنيهم سرعة الحياة ولا إيقاعها المتسارع كثيرًا.
في تلك البلدان يمكنك أن تقضي الساعات الطويلة في المقاهي والمطاعم، أو في البيوت، في صحبة فنجان قهوة أو وجبة تؤكل على مهل، دون انشغال بعقارب الساعة. فهم يجدون في هذا البطء سلامًا، وفي التمهل طمأنينة، وفي هذه المساحة الممتدة من الوقت راحة نفسية لا تنال إلا عبر شيء من الكسل المحمود.
وكما هم الإيطاليون واليونان في إعلائهم لمجد الكسل، فإن بعض الفلاسفة والكتاب أيضًا نهجوا ذات المنهج في مديح الكسل والبطء للاستمتاع بإيقاع الحياة البطيء، ومن المنافحين عن الكسل والممجدين له ما كتبه الفيلسوف برتراند راسل في كتابه "في مدح الكسل"، وفيه يؤكد على الحاجة إلى الكف عن إرهاق الناس في أعمال مضنية وتحويلهم إلى آلات إنتاج، والاعتماد أكثر على تحفيز قدراتهم الذهنية والفكرية. ففي كتابه، يروي راسل حكاية مسافر في نابولي بإيطاليا، رأى اثني عشر شحاذًا مستلقين تحت أشعة الشمس، فعرض ليرة لمن يكون أكثرهم كسلًا.
فما إن نطق حتى نهض أحد عشر منهم مسرعين لالتقاطها، بينما ظل الثاني عشر في مكانه غير مكترث حتى عناء الحركة. عندها منحه راسل الليرة، لأنه في نظره الأجدر بها، فهو الأكثر كسلًا.
يطرح راسل من خلال قصة كتابه رؤية نقدية للنظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يمجّد العمل المفرط، معتبرًا أن تقليص ساعات العمل والفسحة في الوقت يفتح المجال أمام الإنسان للقراءة والتأمل والإبداع والمشاركة في الحياة العامة. ويرى أن التقدم الحقيقي لا يتحقق بكثرة العمل، بل بحسن استثمار أوقات الفراغ، حيث تتشكل الثقافة وتنمو القيم الإنسانية، ويستعيد الفرد إنسانيته بعيدًا عن ضغط الإنتاج والاستهلاك.
ولعلي هنا أزيد مساحة مداحي الكسل والساخرين من قيم الدعوة إلى العمل من الفلاسفة، فنيتشه الفيلسوف الألماني سخر مرة من قيم العمل المضنية، قائلًا إن العمل الشاق من الصباح إلى الليل يلجم الفرد ويساهم بشكل قوي في إعاقة تطور العقل والرغبات وحسن الاستقلال.
لم يكن مقصدي من هذا المقال تمجيد الكسل بوصفه غاية في ذاته، بقدر ما سعيت إلى إعادة النظر في إيقاع الحياة الحديثة المتسارع، والدعوة إلى شيء من التمهل الذي يرد للإنسان توازنه المفقود. فالهدوء والسكينة، والكسل إن صح أن أسميه هنا كسلًا حميدًا أو جميلًا، هو ما يعيد للنفس طمأنينتها، وللقلب صفاءه، وللعقل تفتحه، وللجوارح الأخرى هدوءها واتزانها.
هو ذلك التوقف الواعي، لا عن العمل، بل عن الاستعجال؛ وذلك الانسحاب المؤقت، لا من الحياة، بل من صخبها الزائد. ففي لحظات البطء تلك، يستعيد الإنسان علاقته بنفسه، ويصغي إلى ما يغفله في زحمة الأيام، ويرى الأشياء على حقيقتها بعيدًا عن ضجيج السرعة وضغط الإنجاز.
أتوقف هنا عند نقطة جوهرية تصب في صلب مديح التأني، فأقول إن من أعظم ما أنتجه الإنسان في الفلسفة والمنطق والفنون لم يكن ثمرة عجلة أو صخب، بل وُلد في لحظات سكون طويلة، حيث تتلاقى الأفكار في هدوء وتنمو بعيدًا عن ضغط اللحظة واستعجال النتائج. فالتأمل والتفكير بوصفه فعلًا إنسانيًا لا يزدهر إلا في بيئة تسمح للعقل أن يتأنى، وللروح أن تنصت إلى ذاتها.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى "الكسل الجميل" ليست دعوة إلى التراخي، بل إلى خلق مساحات من الهدوء داخل حياتنا المزدحمة، نعيد فيها ترتيب أفكارنا، ونستعيد قدرتنا على التذوق العميق للحياة.