طلعت قديح -

ملأت سيرته الأسماع، وذاع صيته في الآفاق حتى وصل أثره العظيم لعالمنا المعاصر، وبات العوام يتغنون باسمه، في مثال قوي لامتداد تراث لفترة ليست بسيطة في التاريخ الإسلامي.

لقد كانت طريقة إعدام الحسين بن منصور الحلاج في بغداد الحبكة الحقيقية في ذروة نهاية حياته، ومن الغريب أن يكون الموت هو سمة فكرة الحياة عند الحلّاج!

لكن هناك أسئلة متوالية تطرح نفسها بقوة: أكلما أراد أحد أن يدعو إلى فكر تحلّق حوله المريدون؟ ما المختلف الذي قدّمه الحلّاج حتى وصل إلينا بهذه القيمة التاريخية والروحية، وبات فكره مؤثرا حتى يومنا هذا؟ ولماذا لا يطرح على البسيطة عمله «غزل القطن» ثم انكفاءه إلى نشر فكره؟

من خلال الترجمات العميقة للتصوف الإسلامي نرى أن الحلّاج أصاب لب «علم القلوب والخواطر» الذي أرسى قواعده الحسن البصري، وتأتي أهمية المنهج الحلّاجي في أنه يقوم على أساس التعرية، التعرية التي تحقق الانكشاف الحقيقي لكل شيء. ولهذا فإن التصور الحقيقي للفكرة التي طرحها في قوله المثير للجدل: «أنا الحق» لا يمكن ترجمته بالشكل التحليلي السببي المتداول بأنه الله!

إن الإجابة الراسخة التي منها صارت الدعوة الفكرية للحلّاج ذائعة الصيت، ولها تأصيل صوفي؛ هو الجذب المتعقّل في صهر الروح وتدفقه العقدي ضمن المحدود الإنساني، وهنا نعتقد أن التراث اللفظي الذي أتحف به أسماع مريديه أو مناوئيه كان في غالبه تدفقا يلامس احتمال العقل الظاهر، لكنه وفي الوقت نفسه كانت له شطحات استعلائية عن بسيط الفهم للناس، وإلا لكانت ألفاظه ترتقي لاحتمالات كبيرة قد لا يدركها مفهوم العلة، وإنما تتجه لآفاق أخرى، على أن التبسيط لم يرق للكثير من مناوئي الحلّاج بمختلف مشاربهم السياسية والدينية والفكرية.

أراد الحلّاج عبر فلسفته العميقة -كما أراها- إعادة تأهيل البناء الفكري عبر الرسم البياني الحاد القائم على التعرية اللفظية بصريح لم تعهده الدائرة الدينية التقليدية المهيمنة آنذاك. لكن المخاض الحلّاجي لم يحتمل أفهام مناوئيه في حصرها -عبر التفسير الديني المباشر لها- وخوفا من تماديها لخارج نطاق نفوذهم، فكان ما كان.

ما يميز الخريطة للفكرة الحلّاجية عدم وجود خط متدفق في محيط بحيرة راكدة؛ هو تجل لنموذج بعثي يحقق الارتقاء دون الحاجة لتخدير أفقي كما يحدث الآن من بعض الفرق الملتصقة زورا بالتصوف، القائمة على الحركات الجسدية دون الاكتشاف الروحي، لقد اختار الحلّاج أن يعبّ من البحر بمذاقه الملح، ويبلور أفكارا ومسارات أكثر ملوحة، ولهذا فإن من جاءوا بعده ليمارسوا القراءة الحقيقية لفكره، انتهجوا نهج التعرية طريقا للوصول للفكرة والطريقة.

إن الفكرة الكبرى التي جعلت من المسار الحلّاجي أنموذجا خاصا؛ التضحية بالنفس نتيجة الاستخدام العميق للكلام دون زخرفات بيانية مقحمة في طريقة العرض المتكاملة. فلنأخذ قوله: «حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف باتصافه»، وهذا القول يسير بنا نحو قوله الصارخ: «ما في الجبة غير الله»! فإن أردنا محاكمته بهذا القول، وأشرنا إليه بإصبع الاتهام والكفر، فكيف يمكن تبرير القول السابق غير المجرَم، ولأنه الحلّاج فلا يمكن أن نغفل عن أن معنى الحب عنده يختلف عن معنى العشق.

وهذا يدخلنا إلى مثلث فكري متصاعد:

1-مدى الانضباط الشعوري لحال العاشق المشتاق لما عرف في الأدبيات الصوفية «العشق الإلهي».

2-ميزان العلاقة بين الفعل الإنساني (العملي أو النظري) وبين الشرع وحقيقة الشعور الإنساني، مما جعل مسألة التخيير والتسيير محل تصاعد فكري عميق.

3-التحكم في الذات بين التنظير وبين التطبيق العملي في سياق الممارسة الحياتية.

حين يدخل المتابع إلى كينونة المنطق الحلّاجي، فلنا في أقواله ملاذ للفهم المستنير، لأن فكر الإنسان يؤخذ من أقواله، ولعل أكثر ما استوقفني قوله: «قتلي في حياتي حياتي، وحياتي في مماتي مماتي».

لا يمكن النظر لقول الحلّاج بالصفة الكلامية التفسيرية الفطرية، لأنه سيجعلنا نفسره بنوع من السذاجة، لذا فإنه من اللازم أن نعيد السياق إلى المعتقد الحلاجي أو منهجه في الكلام، ولعلنا حين نجزئ القول، سيمكن الاقتراب من الفهم الصحيح لمراد الحلاج.

إن دلالات هذا النص تذهب إلى أبعد من مجرد تأويل، لقد حط الفكر الحلّاجي في هذا القول الازدواجية القدرية في حياته، ونستذكر في هذا المقام الجدل الدائر ضمن ابتكارات من الأدبيات الإسلامية قول: «الموت في سبيل الله» و«الحياة في سبيل الله».

إن الإدراك الحقيقي لإنتاج الحلّاج يضعنا أمام تساؤل حقيقي: أكان الحلّاج يحكي عن نفسه بكينونته أم أنه يمثل حالة العشق الإلهي التي تتحول لحالة الاتحاد الذاتي التي يراها هو منبثقة عن الاتصال بالله، وبذلك يكون ليس شخصا ماديا بل أنموذجا لحالة، وعلى هذا يمكن ملاطفة المعنى السابق بقوله الشعري التعبيري عن الذات الإنسانية في صورة الحلّاج الحقيقية:

لبيك لبيك يا سري ونجوائي

لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي

أدعوك، بل أنت تدعوني إليك فهل

ناديت إياك أم ناجيت إيائي

يا عين عين وجودي يا مدى هممي

يا منطقي وعباراتي وإعيائي

يا كل كلي يا سمعي ويا بصري

يا جملتي وتباعيضي وأجزائي

يا كل كلي، وكل الكل ملتبس

وكل كلك ملبوس بمعنائي

يا من به علقت روحي فقد تلفت

وجدا فصرت رهينا تحت أهوائي

يا غاية السؤال والمأمول يا سكني

يا عيش روحي، يا ديني ودنيائي

قل لي فديتك يا سمعي ويا بصري

لم ذا اللجاجة في بعدي وإقصائي

إن كنت بالغيب عن عيني محتجبا

فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي

هذا التكلم الحلّاجي جاء مع كشف يكاد يفصل ويفسر العلاقة الجلية بين الخالق والمخلوق، ولكي ندرك النمط الحلّاجي لا بد أن نخرجه من الشخصنة ونغلفه بالسمو الإنساني المتمثل في حقيقة خلق الخالق للمخلوق في قوله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، وما تلك العبادة إلا طريق يلتمس به (عمارة الأرض) التي لا يعلمها إلا الله واختصها لآدم، قال تعالى: «وَعَلّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( 31 ) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (32 )، فارتقت الذات الإنسانية إلى الدرجة التي جعلته أعلى من الملائكة تكريما له، فأصبح الإنسان بعلم الله خارجا عن القياس الذاتي، اقترانا بعلم الله وذاته وإشارته، تقدّما في المكانة بإخفاء العلم بقوله: «أنبئوني» فجُعل الإخفاء تقربا للإنسان، ومكرا من الله للملائكة بالإخفاء على أن قدر الملائكة عال، قبل هذا النص وقبل خلق آدم.

وإذا كان القتل هو الإحياء والإحياء هو الموت وفق المنطق الحلّاجي، فإن التصور اللفظي يخرج عن نطاق التأويل الظاهر العام وهو اقتران وإحالة لفكرة التنزه في عالم الكلام والتنزيه في فعل الاعتقاد.

لم أجد أصدق من تأصيل الفكرة الحلاجية من قول أبو الحسن الششتري في موشحه:

شويّخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني

أش عليا من الناس وأش على الناس مني

أش عليا يا صاحب من جميع الخلايق

الذي هو نهواه هو هالق ورازق

لا تقل يا بني كلمة إلا إن كنت صادق

خذ كلامي في قرطاس واكتبو حرز عني

أش عليا من الناس وأش على الناس مني.

طلعت قديح شاعر فلسطيني من غزة ‏