حبيبة بنت علي الهنائي
«لم أكن أتخيل يومًا أني سأضطر لتصميم بنرات تعلنُ وفاة نبهان الحنشي»
وصلتني هذه الرسالة عبر تطبيق «واتساب» في صباح كئيب من الثامن عشر من أبريل 2026، من صديقتي في عُمان مريم البلوشي؛ تلك التي اعتادت طوال العقد الماضي، ودون تردد، أن تضع لمساتها الفنية على عشرات البنرات للفعاليات والأنشطة الحقوقية، لكنها اليوم تصمم وجعنا الخاص.
حين قرأتُ الكلمات، كنتُ لا أزال مستلقية على فراشي، شبه مشلولة وعاجزة عن الحركة من شدة الحزن الذي اجتاحني. وكأن الكوابيس التي تلازمني منذ سنوات، قد اختارت في الليلتين اللتين سبقتا رحيله أن تجعل من نبهان بطلها الأوحد.
في العادة، نادرا ما أتذكر تفاصيل أحلامي، لكن في تمام الساعة الرابعة فجرًا بتوقيت برلين (السادسة بتوقيت مسقط)، استيقظتُ فزعة بصدر ضيّق ومخنوق وضربات قلب متسارعة. ما استطعتُ تذكره بضبابية هو أننا كنا مجموعة من الأصدقاء، وكان نبهان بيننا، نحاول الاحتماء في ليل حالك السواد من خطرٍ وشيك يداهمنا تحت نفقٍ مظلم لشارع سريع. أذكر جدالا حادّا وعتابا دار بيننا بسبب تأخر أحدنا ورفضه مرافقتنا والالتزام بخطة الاختباء والهروب التي غابت تفاصيلها عن ذاكرتي.
بعد تلك الإفاقة المريرة، عجزتُ عن العودة للنوم. قررتُ مراسلة الصحفي المختار الهنائي للاستفسار عن حالة نبهان الصحية، فقد انقطع نبهان -على غير عادته- عن الرد على رسائلي لأكثر من شهر منذ عودته إلى عُمان. فقد كنا نتبادل الرسائل من وقت لآخر لتطمئني على صحته. كانت آخر رسالة صوتية استلمتها منه ردا على تهنئتي له بعيد الفطر؛ حينها، بدا صوته ضعيفا، ومنهكا، ومقلقا إلى حد لم أحتمله.
لهذا السبب، حاولتُ جاهدة التواصل مع شقيقه للاطمئنان عليه، لكن محاولاتي قوبلت هي الأخرى بصمت مطبق؛ إذ آثرَ الطرف الآخر عدم الرد، التزاما برغبة نبهان في العزلة والسكينة. ورغم القلق الذي كان ينهش قلبي، كنتُ أتفهم ذلك الصمت وأقدّره، وأدركُ أن نبهان ربما كان يريد مواجهة قدره الأخير بالانعزال، بعيدا عن نظرات الشفقة أو تساؤلات الأصدقاء وفضولهم. لكن في الوقت ذاته ضاعف من حدة قلقي، مما دفعني للجوء إلى زملائه في لندن، الذين حاولوا بث الأمل في نفسي مؤكدين أن صحته بدأت في التحسن، لكن لهذا المرض الخبيث تقلبات لعينة، غادرة، ولا يمكن الوثوق بها أبدا.
في تلك اللحظات، رحتُ أتصفح منصات التواصل الاجتماعي بآلية تخفي وراءها رعبا دفينا، حتى توقف قلبي فجأة عند منشور للكاتبة وفاء، شقيقة نبهان، كانت قد أعلنت فيه قبل نحو ساعة خبر رحيله المفجع.
إنه لمن الصعب على من لم يختبر هذه اللوعة أن يستوعب وطأة فقدِ رفيق المهجر والاغتراب؛ إنه ألمٌ من نوع آخر، ألمٌ يجعلك تعيش مع سكرات موته كل تفاصيل شتاته وتشرّده، وذلك التيه الذي لا يدرك مرارته إلا من تجرعها في منافٍ بعيدة.
في يناير من عام 2025، كان من المفترض أن يجمعنا لقاءٌ في مدينة «ملقا» الإسبانية؛ أنا، ونبهان، والمختار الهنائي. كانت ملقا قد تحولت إلى ملاذي المفضل للهرب مع ابني «حافظ» من صقيع شتاء برلين القارس، لذا كنتُ أحاول جاهدةً استدراج كل من أحب للقائي هناك.
في ذلك الشهر، قررتُ اغتنام هذا التجمع للاحتفال مبكرا بعيد ميلادي الستين، قبل موعده الفعلي في فبراير بثلاثة أسابيع. أنشأتُ مجموعة على «واتساب» لنخطط لبرنامجنا، وكان على رأس قائمة «الأمنيات» إعداد وجبة «العرسية الجعلانية». لكن، وبكل أسف، ما إن قرر المختار إلغاء رحلته، لظروف خاصة، حتى تراجع نبهان هو الآخر عن المجيء.
لا أنكر أن نبهان كان يرغب بشدة في العمل معي بالمجال الحقوقي، لكنني كنتُ أفضل دوما أن تقتصر علاقتنا على جانبها الإنساني؛ ليقيني بأن العمل في هذا الميدان تشوبه الكثير من الخلافات والمشادات التي قد تنعكس مباشرة على صداقتنا، تلك الصداقة التي وجدتها أكثر متانة واستقرارا من أي تأطير آخر.
ورغم ذلك، لم يكن اليأس يتسرب إليه، فكانت له محاولات كثيرة، «ملتوية» ومحببة، لجرّي نحو العمل المشترك بيننا. فمن وجهة نظري، كان غالبية الشباب الذين انطلق نشاطهم في عام 2011، تزامنا مع الثورات العربية، يتميزون بطابع الاندفاع، وأحيانا بتهور تفرضه اللحظة.
لكنني، من جانب آخر، لم أكن ألومهم؛ فقد كان سقف أحلامهم عاليا جدا، وكانوا يرون تلك الأحلام قاب قوسين أو أدنى من التحقق قبل أن تُختطف منهم. لم يُتح لهم تلقي التدريب الكافي أو التوجيه السليم الذي يمنحهم النضج المعرفي والحقوقي في سن مبكرة كما يحدث في دول أخرى.
أما نحن، أبناء جيل الستينيات والسبعينيات، فقد كانت طفولتنا ومراهقتنا بحد ذاتها عبارة عن سلسلة من التحديات والصعوبات، مما جعلنا -ربما- أكثر صبرا ونفسا طويلا في مواجهة العواصف.
لكل تلك الأسباب، كنتُ أحب نبهان الإنسان، لا نبهان الحقوقي أو السياسي. نبهان الذي كان سبّاقا في السؤال عنا، والحريص دوما على إبقاء حبال الوصل ممدودة ومستمرة. نبهان الذي بإمكانه أن يتصل ليتحدث عن وحيدته «صِبا» لساعات؛ عرفتُ منه كل تفاصيلها: متى استطاع رؤيتها لأول مرة بعد سنوات من الغربة، تخرجها من الدبلوم العام، دخولها الكلية، والتخصص الذي اختارته. حدثني بفخر عن حصولها على رخصة القيادة، وعن زيارتها الأخيرة له في ليفربول، وعن شغفهما المشترك بإعداد الوجبات الكورية معا.
كان نبهان دليلي في عالم السينما؛ يقترح عليّ الأفلام والمسلسلات التي تستحق المشاهدة. وفي الحقيقة، لم أعرف في حياتي شخصا يمتلك معرفة باهرة بالسينما مثله، لم تكن معرفته تقتصر على أبطال العمل فحسب، بل تمتد لتشمل المخرجين، وكُتّاب السيناريو، والمنتجين، وتاريخ شركات الإنتاج العربية والعالمية. كما لم يكن يتوانى أبدا عن إرسال نسخ إلكترونية من كتبه لأقرأها.
بعد وفاته، علمتُ أنه كان يدرك حقيقة مرضه منذ نحو سنتين، وكان يتلقى العلاج في إنجلترا. لكن نبهان، الذي دأب على زيارتي في برلين سنويا -باستثناء سنوات الجائحة- أخفى عني الأمر تماما. حين زارني قبل عامين، كانت صحته تبدو جيدة، لكنني لاحظتُ عليه بعض الأعراض وآلام المعدة. وعندما سألته بقلق عن السبب، كان يراوغ بابتسامة قائلا: «إنها مجرد جرثومة معدة»، أو «لدي حساسية من أكل الدجاج»، ثم ببراعته المعهودة، يغير مجرى الحديث.
في زيارته الأخيرة قضى ليلتين في برلين في الفندق ذاته الذي اعتاد حجزه كل مرة قبالة محطة القطارات الرئيسية. في يوم رحيله توجه إلى المطار ليكتشف أن موعد سفره في اليوم التالي. ولأنه لم يجد غرفة شاغرة في الفندق إلا في الثالثة عصرا دعوته للمجيء إلى شقتي. أعددتُ لنا وجبة غداء عُمانية بامتياز: الأرز مع السمك و«المهراجي» (الفاصوليا الحمراء) بالطريقة الزنجبارية. تناول غداءه بشهية، وقبل أن يغادر عائدا للفندق استأذنني بابتسامة في أخذ أكياس صغيرة من «شيبس عُمان» وكيس شاي إيراني بالزعفران كان قد وصلني حديثا من عُمان.
لاحقا أرسلتُ له أسأل إن كان سيأتي لتناول العشاء، فأجابني بأنه غرق في نوم عميق لساعات معلقا: «يبدو أنني نمتُ بعمق بعد تلك الوجبة الدسمة، فأنا في العادة يخاصمني النوم كثيرا. سأكتفي بالمشي حول الفندق لاستكشاف المنطقة».
لم تمضِ ساعة حتى أرسل لي مجددا ضاحكا يقول: «لقد مشيتُ لمدة ساعة، واعتقدتُ أنني ابتعدتُ كثيرا، وإذا بي أكتشف أنني كنتُ أدور في الحلقة ذاتها، لأجد نفسي فجأة واقفا أمام باب الفندق!».
كنتُ قد ألححتُ عليه بضرورة مراجعة الطبيب، فأخبرني أنه قرر التوقف عن ارتياد المطاعم، والبدء بإعداد وجباته بنفسه في شقته بمدينة ليفربول الإنجليزية تلك الشقة المطلة على نهر «ميرزي» حيث يلتقي بالبحر الأيرلندي تمامًا كما كانت تظهره صور الغروب التي دأب على إرسالها لي عبر «واتساب» شاهدًا على عزلة المحارب الذي قرر أن يداوي جراحه بالوحدة والصمت.
عرسية الوداع:
منذ ذلك الحين انحرفتْ بوصلة حواراتنا في الأشهر التالية نحو الطبخ؛ نعم، الطبخ لا حقوق الإنسان. ربما لأننا حين ندرك دنوّ الأجل أو انكماش سنوات العمر نبدأ بالالتفات إلى الأشياء الصغيرة والبسيطة التي قد تبدو تافهة للآخرين، لكنها تمنحنا سعادة غامرة.
في إحدى المرات أرسل لي صورة لوجبة «قبولي بالدجاج» أعدّها بنفسه معلقا بأنها كانت لذيذة جدا. استوقفته قائلة: «مهلا.. ألم تقل لي إن لديك حساسية من الدجاج؟»، فأجابني ببراعة المراوغ: «آه صحيح، نسيتُ أن أخبركِ أنني تعالجتُ منها!».
صرنا نتبادل مقاطع الفيديو لوصفات مختلفة، وكان يغمرني بعشرات الوصلات التي تشرح كيفية إعداد «العرسية» في قريته «جعلان» بالمنطقة الشرقية في عُمان. كان نبهان مخلصًا، بل متعصبًا لإرثه؛ فكان يصرّ على «العرسية الجعلانية» دون غيرها.
وأمام هذا الوفاء والانتماء الذي جعل من «العرسية الجعلانية» أيقونةً للوصل والوفاء قررتُ خوض التجربة وطبخها. لقد كان نبهان متحمسًا أكثر مني؛ استفسر من أهله في عُمان، ثم أرسل لي قائمة المكونات بدقة: صورة لنوع الأرز الأمريكي السميك -الذي لم أكن قد سمعت به من قبل- وأنواع البهارات والسمن الطبيعي. خرجتُ للتسوق يرافقني حماسه وصورة ذاك الأرز أبحث عنه في متاجر برلين حتى وجدته.
في العيد خضتُ تجربة إعداد «العرسية الجعلانية» بالدجاج، لكنني بالغتُ في كمية الأرز، فأصبح قوامها سميكًا استعصى هرسها حتى باستخدام الخلاطة اليدوية الكهربائية. أرسلتُ له الصور والمقاطع معترفةً بأن طعمها كان أجمل من مظهرها النهائي، فوعدتُه بتجربة ثانية؛ تلك التجربة التي أعدتها لاحقًا، وجاءت ناجحة تمامًا، وكأنني أردتُ أن أثبت له أنني حفظتُ الدرس الجعلاني جيدًا.
بجانب الصور والمقاطع التي أرسلتها له لخبز المندازي الزنجباري بانتفاخه المثالي، وكعك التمر المنسق بعناية؛ في أحد الأيام أرسلت له مقطع فيديو للخبز العربي (اللبناني) وهو ينتفخ ببطء داخل الفرن. سألني باستغراب ودهشة: «هل اشتريتِ هذا الخبز جاهزًا؟» أنا (بكل ثقة): «لا.. بل عجنته من الصفر، من الدقيق والماء حتى الفرن». هو (مستسلمًا أمام الإبداع): «لا.. خلاص! أنتِ هزمتِني ووصلتِ لمرحلة الاحتراف! أنتِ الآن جاهزة تمامًا لافتتاح مطعمك الخاص في قلب برلين!».
في مرحلة ما قبل رحيله المبكر بسنتين كان نبهان يخطط بجدية لدراسة الماجستير في مجال حقوق الإنسان، لكنه كفّ فجأة عن الحديث في الأمر دون أن أفهم السبب وقتها. في المقابل؛ انطلق في رحلات مكوكية جاب فيها العالم. كانت رسائله تنهال عليّ من تايلاند يخبرني عن رخص المعيشة فيها مقارنةً بإنجلترا، ثم انتقل إلى مصر والمغرب وتركيا. حتى لبنان حاول دخولها لوداع أصدقاءٍ له هناك، لكنه مُنع من الدخول. وقال لي: بقيت دول أمريكا اللاتينية التي لم أزرها بعد.
كان يتنقّل من بلدٍ لآخر بلهفة غريبة، وكأنه يطوف الأرض في سباق مع الزمن، يودّع الأماكن ومَن يُحب، ويترك بصمته الأخيرة في زوايا العالم قبل أن يغادرنا صامتًا دون أن يمنحنا فرصة لوداعه كما فعل هو.
زيارته الأخيرة لبرلين جاءت مباغتة، لا أعلم -ولن أعلم الآن- دوافعها الحقيقية. كانت في أغسطس 2025 قبل ثمانية أشهر من رحيله حين فاجأني برسالة عبر «واتساب»: «مرحبًا حبيبة، هل أنتِ في برلين؟ وددتُ أن آتي للسلام عليكِ وعلى حافظ». وما أن أجبتُه بالإيجاب، حتى ردّ مباشرة: «لقد حجزتُ تذكرتي الآن، سأصل غدًا في التاسعة صباحًا». تعجّبتُ من قراره المفاجئ؛ فالتذاكر في اللحظات الأخيرة تكون باهظة الثمن، سألتُه: «هل لديك عمل أو مهمة هنا؟»، فأجاب ببساطة: «لا.. فقط أنا بس جاي أسلم عليكم».
في اليوم التالي عند الحادية عشرة صباحًا وجدته واقفًا أمام باب شقتي. وكعادته في كل زيارة كان يحمل كيسًا فيه بعض الفاكهة والحلويات؛ تلك العادة العُمانية الأصيلة التي لم يتخلّ عنها حتى في الغربة، لكنني تأملته أنا وحافظ في حالة من الذهول والصدمة. بدا نحيلًا بشكلٍ يبعث على الرعب؛ غارت وجنتاه تمامًا حتى لم يتبقَّ من وجهه سوى فكّيه البارزين، وكأننا نقف أمام هيكل عظمي يكسوه الجلد!
صرختُ بذهول: «نبهان.. يا إلهي! ماذا حدث لك؟ لماذا تبدو هكذا؟ هل تعاني من وعكة صحية؟». وأيّد حافظ دهشتي بنظراته القلقة، لكن نبهان -بذات الهدوء المراوغ- أجاب: «لا.. أنا بخير، كل ما في الأمر أنني أنسى تناول الطعام بسبب كثرة السفر والتنقل».
«أعددتُ وجبة الإفطار وأنا في حالة من الشرود والذهول مما أراه بينما جلس هو مع حافظ يتحدثان لساعات طوال غاصا في تفاصيل الحياة السياسية في بريطانيا، خصوصا بعد «البريكست»، وصراعات الأحزاب والانتخابات مقارنةً بالنظام الألماني، ثم انطلق يسرد لنا مغامراته الأخيرة في أسفاره.
سألتُه عن برنامجه في برلين، فأجاب بهدوء غريب: «ليس لدي برنامج محدد، ولم أقرر بعد إلى أين سأتجه من هنا».
نهض يتجول في صالة المنزل المتصلة بالمطبخ. بدأ يتأمل الأشياء بتمعنٍ شديد، وكأنه يودع الزوايا أو يسترجع ذكرياتٍ قديمة. في لحظة هدوء وقعت عيناه مجددًا على تلك اللوحة المعلقة على جداري. توقف طويلًا أمامها وهو يحدّق فيها، وكأنه يراها لأول مرة. بدت وكأنها استوقفت روحه قبل عينه. سألني عنها رغم أنها كانت هناك دائمًا شاهدة على كل أحاديثنا السابقة: «من أين لكِ هذه اللوحة؟». أجبتُه: «لقد اشتريتها بنفسي. أنظرُ إليها كلما غلبني الحنين لزُرقة البحر، وغمرني الشوق لسكينته». همس بصوتٍ خفيض: «جميلة ومعبرة جدًا..
هذه الصورة!». قلتُ له: «لقد التقطتها بنفسي خلال رحلة بحرية في ولاية مصيرة، وقررتُ تكبيرها وتعليقها؛ فمنظر البحر يمنحني سكينة لا أجدها في مكان آخر».
في اليوم التالي أخبرتُه أن لدى حافظ اختبارًا جامعيًّا ويحتاج للتركيز، وبما أن شقتي صغيرة اقترحتُ أن نلتقي في مطعم فيتنامي بوسط المدينة القريب من المنزل.
حين التقينا في ذلك المطعم الفيتنامي كان نبهان على غير عادته هادئًا بشكلٍ موحش وحزينًا. كان ذلك المشهد يتجسد في مأساة التزامنا بـ«الصمت» في الغربة؛ حيث نحترم خصوصية الآخرين لدرجة أننا قد لا ننتبه إلى صرخاتهم المكتومة؛ إنها تلك اللحظة التي يتأرجح فيها الصديق بين الرغبة في البوح وبين آلامه الخاصة. ولأننا في مجتمع المهجر بتنا نتجنب التدخل في شؤون الآخرين. اعتقدتُ حينها أنه يمر بنوبة اكتئاب حادة، فآثرتُ تركه براحته دون إلحاحٍ في السؤال.
لكنني لم أستطع كبح قلقي على صحته، فقلتُ له بنبرةٍ حانية: «نبهان يجب أن تجد لنفسك سبيلًا لحياة مستقرة.. إلى متى ستظل هكذا في ترحالٍ دائم؟ انظر إلى حالك الآن. أنت لا تتغذى جيدًا، ووزنك نقص بشكلٍ يدعو للقلق!».
أجابني وعيناه تشردان بعيدا: أفكّر في الاستقرار بآسيا.. ربما تايلاند.
وكالعادة؛ حين يضيق بنا الكلام هربنا إلى الحديث عن ابنته «صِبا»؛ ذلك الحديث الوحيد الذي كان يضيء وجهه، ويُعيد إليه الحياة.
في صباح اليوم التالي أرسل لي رسالة نصية قصيرة كانت بمثابة وداعه الأخير لي ولبرلين:
«قررتُ السفر من برلين إلى براغ بالقطار. أنا الآن في العربة، والطبيعة حولي بديعة جدا. لا بد أن تزوريها يوما. سأقضي هناك ليلتين، ومنها سأعود إلى لندن».
استوقفتني فكرة القطار، فتذكرتُ فوبيا الأماكن المغلقة التي أعاني منها. سألتُه بقلق: «ولكن هل يدخل القطار في أنفاق مظلمة؟ أنت تعلم أن الأنفاق تسبب لي الرهاب».
جاء رده وهو يطمئنني: «ربما مرة أو مرتين، لكن لفترة وجيزة. لا تخافي. المهم أن تزوريها».
لم أكن أعلم حينها أن «النفق المظلم» الذي خفت منه في رحلة براغ هو ذاته النفق الذي رأيتُه فيه في كابوسي قبل رحيله بأيام؛ ذاك النفق الذي دخله نبهان وحيدًا هذه المرة، لكنه لم يكن «لفترة وجيزة»، بل كان عبورا نهائيا نحو الضوء الآخر تاركا لنا وحشة الطريق، وذكرى «عرسية» لم تكتمل، وصباحات كئيبة لن يشرق فيها صوته مجددًا.
في الثلاثين من نوفمبر 2025 وصلتني منه رسالة عبر «واتساب» بدأت بسؤاله المعتاد: «حبيبة كيفك؟».
أجبته بعفوية: «أهلين وسهلين».
في العادة أرسل له سؤالي التقليدي: «أين أراضيكم؟»، أو أن يبادر هو كعادته: «هل أنتم في برلين؟ وددتُ المجيء للسلام عليكِ وعلى حافظ». لكن تعقيبه هذه المرة جاء مختلفًا، بل كان صادمًا لدرجة الذهول:
«حياكِ.. حبيت أبلغك أنه للأسف تم تشخيصي بالسرطان منذ فترة، وعليه قررتُ اعتزال العالم الخارجي والعودة إلى عُمان لأكون بين عائلتي.. أعتذر عن أي خطأ صدر مني، وأتمنى منكِ الدعاء لي. تحياتي».
تسمّرت عيناي على الشاشة. تلعثمت الكلمات في ذهني، وارتبكت أصابعي، فلم أجد ما أردّ به سوى «إيموجي» باكٍ وقلب مكسور. كانت الرموز أصدق من لغةٍ خذلتني.
بعد أن حاولتُ استجماع شتات نفسي وتنفست الصعداء أجريتُ مكالمة هاتفية به، لكنه آثر عدم الرد. فأرسلتُ له رسالة صوتية طويلة غلبتني فيها الدموع وأنا أدعم قراره بالعودة إلى الوطن، ليكون بجوار وحيدته «صِبا» ووالديه وأسرته داعيةً له بالشفاء الذي كنتُ أتمناه بكل جوارحي رغم غصة اليقين التي بدأت تتسلل إليّ.
جاءني رده في رسالة نصية أخيرة محمّلة بآداب الصديق الذي يصارع ألمه: «معلش أم حافظ، أكيد راح أتصل وأكلمك إن شاء الله لما النفسية تكون أحسن.. أشكر لك كثير نبلك وحسن أمنيتك».
حينها سألتُ نفسي بذهول: «رباه ما الذي يحدث؟». لم يكن هذا السيناريو الذي رسمتُه في مخيلتي أبدا. كنتُ أتوقع دوما أن أعود إلى عُمان قبله، وحين أبلغه بقراري سيسخر مني بضحكته المعهودة قائلًا: «ستعودين لتصبحي مطبّلة!»، لكن القدر قرر أن يقلب صفحات الرواية؛ تغيّر السرد، واختلفت الأدوار، ولن يسخر البطل من البطلة هذه المرة، بل سيسخر منا القدر جميعًا حين يرحل البطل في منتصف الطريق.
تحولت جملة «بغيت أجي أسلم عليكم» من مفتاح للبهجة واللقاء إلى جرس يقرع في ذاكرتي بلوعة وحزن، بل أصبح الآن يثير في قلبي الشجون. الأنقياء غالبًا ما يرحلون هكذا بسلام هادئ لا يريدون إثقال كاهل من يحبون بمرارة التوديع الصريح، فيكتفون بـ”السلام“؛ لأنه في زيارته الأخيرة لنا دون أن ندرك لم يكن يقصد أن يسلم علينا، بل أن يودعنا. لقد كان سلامه ذاك عبارة عن الوداع الأخير! رباه كم هذا موجع! ربما نظر البعض إلى نبهان كشخص ثائر غاضب، أو حتى متهور، وركزوا على عثراته التي ارتكبها في بداياته، بل نرتكبها جميعًا كبشر. لكن الحقيقة التي عرفتُها هي أنه أصبح لاحقا رجلًا موجوعًا محطمًا بسبب ابتعاد الكثيرين من رفاق الحراك الثقافي والحقوقي عنه؛ أولئك الذين مارسوا ضده ‹قطيعة› غير معلنة رغم أنه لم يحمل يومًا ضغينة تجاههم.
يصعب على شخص مرّ في ظروف كتلك أن يحتفظ بعلاقات متوازنة، ومع ذلك ظلّ يرمم ما انقطع، ويُبقي على حبال الوصل الإنسانية حيةً ببادرة منه. لقد صهرته سنوات الغربة واللوعة، حتى تشكلت شخصية نبهان الجديدة أكثر نضجًا، وأعمق معرفةً، وأغزر عطاءً. والمفارقة الحزينة أنه رحل في اللحظة التي وصل فيها إلى ذروة وعيه ونضجه، وكأن الغربة كانت مدرسته القاسية التي تعلم فيها، وكبر، وتغير.. ليعود في النهاية ويغادرنا في أجمل نسخة منه.
ربما حين علم نبهان بحقيقة مرضه قرر أن يمضي ما تبقى له من أشهر في الطواف حول العالم، لا سيما في تايلاند التي وجد فيها ملاذًا رخيص الكلفة مقارنة ببريطانيا. زاد من شعوره بالوحدة في ليفربول بعد قرار رفيقه الخليجي في السكن الزواج. قال لي بنبرة تخالطها سخرية مرّة: «تصدقين؟ أنا من عرّفته بزوجته العُمانية حين كانت طالبة هنا، والآن أنا من يدفع الثمن وحيدًا».
بلا أدنى شك فقدت عُمان شابًا كان جديرًا بالاحتواء، وكان يمكن الاستفادة من طاقاته المبدعة وحماسه المتقد. نبهان لم يتغرب ليعيش عاطلًا أو عالةً على أحد، بل تعلم اللغة الإنجليزية حتى أتقنها جيدًا، ودخل الجامعة، وتخرّج بامتياز، وكان يتهيأ لنيل الماجستير في حقوق الإنسان. أسّس منظمة حقوقية غدت مصدرًا موثوقًا لتوثيق الانتهاكات في بلاده، وألّف عدة كتب من مهجره، وهذا في نظري هو النجاح بعينه؛ أن تصنع أثرًا رغم كل التحديات. ستبقى ذكراه حية في قلوب محبيه، وكل من يقدر حجم تلك التضحيات.
بالنسبة لي؛ لن أدّعي أن علاقتي بنبهان كانت دائما سهلة أو سلسة، بل كانت في أحيان كثيرة مضطربة تماما كاضطراب مشاعرنا ومصائرنا وأقدارنا التي ساقتنا إلى الغربة قسرية كانت أم اختيارية. لكننا في نهاية المطاف كنا أسرته البديلة في هذا المنفى الشاسع؛ نواسي بعضنا بعضًا، ونخفف عن أرواحنا وطأة الاغتراب، حتى حين تفرقنا المسافات أو تختلف بيننا الرؤى.
لا يمكنني أن أنسى وقفة نبهان معي في أقسى لحظات حياتي؛ فخلال ذروة جائحة كورونا حين جاءني خبر وفاة والدي وأنا في الغربة كان نبهان أول من اتصل بي. لا يزال صوته يتردد في أذني وهو يحاول مواساتي محاولًا انتشالي من وسط اختناق دموعي وعجزي. كان يدرك تمامًا معنى أن تفقد عزيزًا وأنت بعيد خلف حدودٍ مغلقة ومسافاتٍ لا تطوى.
وداعا يا رفيق الغربة والعرسية الجعلانية.. وداعا يا نبهان.
لقد انطفأ نبهان، لكنه ترك خلفه قصة احتراقٍ نبيل، وترك لي غصة رفيقٍ فقد رفيقه في منتصف الطريق الوعر.
لا أعلم يقينًا لماذا اختار نبهان الصمت، ولماذا أخفى عني وجعه حتى لحظة قراره الأخير بالعودة إلى عُمان. ربما خشي أن يرى انهياري أمامه، وهو مشهدٌ لا يطيقه إنسان في مثل وضعه؛ خاصة أنه يدرك مرارة تجربتي السابقة مع المرض ذاته الذي غيّب أخي «حافظ» وهو في ربيع العمر الحادي والعشرين. ربما أراد حمايتنا من مضاعفة أوجاعنا في الغربة، أو ربما كان يتشبث ببقايا أملٍ في علاجٍ يمنحه سنواتٍ أخرى.. لكنني لن أجد الإجابة الآن، ولن يتبقى لي سوى التكهنات.
الأمر المؤكد الوحيد هو أن نبهان قد رحل، غادر هذه الحياة بكل ما فيها من خيباتٍ وانكسارات. وأجدني أتساءل بمرارة: مع من سأتجادل بعد اليوم؟ وعلى من سأغضب؟ ومَن ذا الذي سأعلن في قرارة نفسي مقاطعته للأبد، ثم لا ألبث أن أستقبل منه رسالة تقول: «أنا قادم إلى برلين للسلام عليكِ وعلى حافظ»، فأجيبه بلهفة نسيَت كل خصام: «متى؟ وهل ترغب في طبخة محددة؟».
بعد رحيله بدأتُ أسترجع كل التفاصيل الغائبة، وأعيد قراءة الجمل التي كان يلقيها عابرةً دون أن أدرك مغزاها الثقيل حينها. يحضرني الآن قوله بزهُدٍ غريب: «لقد فقدتُ الإحساس بالدهشة عند رؤية الأماكن..» الآن فقط فهمتُ أن نبهان لم يفقد الدهشة، بل كان قد بدأ يرى ما لا نراه، ويتأهب لرحلةٍ لا تشبهها كل أسفاره السابقة.
يحضرني الآن تعليقي على أحد منشوراته في «فيسبوك» حين نشر صورة لوالديه خلال زيارتهما له في إنجلترا. كتب حينها عن لذة طعم المانجو الطازج الذي جلباه له من مزرعتهم في «جعلان». علقتُ يومها بقلبٍ مخلص: «أتمنى أن تقطفها بنفسك يومًا ما!». لم أكن أرى هذا الأمر ممكنًا في المنظور القريب، ولم أتخيل أبدًا أن قطافها سيكون هو المشهد الأخير في حياته، لكن قدّر الله وما شاء فعل.
اليوم أجد نفسي أستعير صرخة مريم البلوشي، وأعيد صياغتها بمرارة: أنا أيضًا لم أكن أتخيل يومًا أنني سأكتب كلمات نعي لرحيل نبهان الحنشي، بل كنتُ أتوقع العكس تمامًا. كنتُ أنتظر أن يرثيني هو بكلماته الثائرة.
ومجددًا بعد فجيعتي القديمة المتجددة برحيل أخي «حافظ» بالمرض ذاته وفي عمر الزهور أقولها بملء وجعي: تبًّا لدورة الحياة التي تغدر بنا دائمًا وأبدًا، وتخطف منا أصغرنا وأنقانا!
أعدك بزيارة براغ في أقرب وقت ممكن.
إلهي.. الطف بقلوب والديه المفجوعين، والطف بابنته الوحيدة «صِبا» تلك التي تشبه القمر، وكان يحبها بلا حدود، والطف بنا نحن الذين اعتبرنا أنفسنا أسرته البديلة في المهجر. أدعو الخالق أن نلتقي مجددًا في عالمٍ لا وجع فيه ولا منافٍ، ولا خذلان تجمعنا فيه «وجبة العرسية الجعلانية» على مائدة الخلود.
نَم قرير العين يا نبهان.. سنفتقدك كثيرًا.
حبيبة بنت علي الهنائي
برلين