تحقيق - حسن عبد الموجود -

برغم أن كل كاتب عربي تقريبا يعرض مخطوطه على أصدقائه المبدعين إلا أنه يتحسَّس مسدسه بمجرد وصول المخطوط إلى دار النشر، ومن ثمَّ وقوعها في يد المحرر.

إلى الآن يُنظَر إلى المحرر الأدبي باعتباره مفتشا ثقيل الظل، لا مسؤولا يحاول تحسين النص على مستوى الصياغة والبناء وتطور الشخصيات والعلاقات. في هذا التحقيق نتعرَّف على دور ذلك المحرر ولماذا يخلط البعض بينه وبين المصحح اللغوي وما الخبرات الواجب تمتعه بها وما حدود سلطته ومتى يُعتبر تدخله سيئا ومرفوضا، وهل يمكن أن يشوِّه النص أحيانا؟

أسأل الكاتب المصري محمد ربيع، وهو محرر لديه خبرة كبيرة ومعروف على نطاق واسع ويُقدِّم ورشا لتدريب الكتَّاب على التحرير.. هل هناك مستوى معين لأي عمل لا تقبل العمل بدونه؟

يقول: «نعم، ثمة مستوى معين لا أتنازل عنه مهما كانت المغريات، وفي حال كان العمل أقل منه، أعتذر للمؤلف أو للناشر نفسه. هذا المستوى أو المعيار لا يتعلق باللغة أو البناء الروائي أو رسم الشخصيات، بل شعور ينتابني بأن المؤلف بذل جهدا حقيقيا واستنفذ كل طاقته وقدم أقصى ما لديه، ولن يصبح بإمكانه إضافة أي جديد. اكتسبت ذلك الإحساس بفضل الخبرة ومع مرور الوقت، لكنني لا أملك طريقة أو معادلة محددة للتقييم».

أسأله مجددا.. ما آلية عملك كمحرر؟

يجيب: «أتسلم الملف من الناشر أو المؤلف، وأوضح أن ملاحظاتي ليست ملزمة، فللكاتب مطلق الحرية في قبولها أو رفضها، ثم أبدأ التنفيذ، حيث تكون القراءة الأولى للنص كاملا دون تدوين أي ملحوظات، تليها قراءة ثانية أكثر تأنيا، أدوِّن خلالها ملحوظاتي، وهي تتعلق بإعادة صياغة بعض الجمل غير الواضحة، أو ملتبسة، أو مكتوبة بلغة لا تتسق مع السياق العام للرواية أو الفصل، أو ربما لا تتماشى مع طبيعة لغة الشخصية ذاتها».

ما مقدار تدخلاتك.. وما حدود سلطتك على النص؟

لا أتدخل في أسلوب الكاتب بل أترك له الحرية الكاملة في الكتابة بأي أسلوب يراه مناسبا، لكنني حين ألحظ انحرافا حادا في الأسلوب أو مستوى اللغة ألفت انتباهه لذلك وأسأله إن كان يقصد ذلك أم لا؟ أما فيما يخص البناء الروائي، فأنا لا أتدخل فيه كثيرا، خاصة وأنني ألاحظ حاليا غياب الاهتمام الكبير بالبناء لدى كثير من الكتَّاب، فربما لم يعد يمثل أولوية لديهم، لكني أتدخل حين أشعر أن لدى الكاتب طموحا لتقديم بناء مختلف، أو مركَّب، أو معقد بعض الشيء. هنا أقدم له نصائح محددة تعينه على تحقيق غايته، وإن كان هذا النوع من الكتاب الذين يسعون بوعي وطموح لتقديم بناء شديد التركيب قليلين جدا.

كيف يتقبَّل الكتاب ملاحظاتك؟

هناك تفاوت في تقبل الكتاب للملاحظات، ثمة كاتب يرفض مبدأ التدخل من الأساس، وهذا النوع يريحني لأن الأمر يُحسم منذ البداية ولا أجد نفسي مستنزفا في جدال طويل. أما الغالبية -فبمنتهى الأمانة- يتقبلون عملية التحرير، ولذلك حينما يقابلون بعض ملحوظاتي بالرفض، لا أتمسك بموقفي، وأنتقل مباشرة إلى الملحوظة التالية. الاستثناء الوحيد يكون حينما تتعلق الملحوظة بجانب جوهري أو بالبناء الروائي، كوجود خلل لا بد من إصلاحه، أو أخطاء ناتجة عن السهو والنسيان. هنا أطلب من الكاتب مراجعة الملحوظة مرة أخرى، فالمسالة لم تعد متعلقة برأيي الشخصي أو ذائقتي، بل بخطأ موضوعي يجب تداركه».

***

أتوجه بأسئلتي إلى الناشرين، باعتبار أنهم شركاء المحررين.

أسأل مدير دار «عرب» للنشر والترجمة العماني علي المجيني.. لماذا يرفض بعض الكتَّاب العرب المحرر إلى الآن؟

يقول: «في تقديري إن جزءا من التحفظ عليه يعود إلى تصور مُلتبِس لدوره، حيث يُختزل في كثير من الأحيان في كونه مجرد مدقق لغوي أو مصحح نحوي. هذا الفهم القاصر يُفرغ العملية التحريرية من بُعدها الحقيقي، بوصفها شراكة إبداعية تهدف إلى تطوير النص على مستوى البناء والأسلوب والإيقاع، لا الاكتفاء بسلامته اللغوية».

من وجهة نظر المجيني، أن خطورة هذا التصور تظهر بشكل أوضح في مجال الترجمة، إذ يؤدي التعامل مع النص المترجم بمنطق «التصحيح اللغوي» فقط إلى إنتاج تراكيب وجمل قد تبدو سليمة نحويا، لكنها غريبة في سياقها، أو غير منسجمة مع روح اللغة والهدف. وهنا يفقد النص سلاسته وحيويته، بل وقد يخون في بعض الأحيان الأثر الأدبي الذي يسعى إلى نقله.

من هذا المنطلق، يرى أن إعادة تعريف دور المحرر الأدبي في السياق العربي صار ضرورة ملحة، ليكون شريكا في صياغة العمل، لا مجرد مصحح لأخطائه.

وبحسب المجيني أيضا فإن هذا التصور الخاطئ لا يقتصر على بعض الكتَّاب فحسب، بل يمتد، ومع سبق الإصرار والترصد -للأسف- إلى عدد من دور النشر، التي تتعامل مع التحرير الأدبي بوصفه تكلفة إنتاجية إضافية يمكن الاستغناء عنها، لا استثمارا جوهريا في جودة العمل وقيمته على المدى الطويل.

أسأله.. ما حدود السلطة التي تمنحها للمحرر؟

يجيب: «في دار عرب، سواء في خط النشر العربي أو الإنجليزي، نتبع مقاربة تحريرية تقوم على الثقة والشراكة. نحرص على اختيار محررين يتمتعون بكفاءة لغوية عالية وخبرة تحريرية حقيقية، ثم نفتح قنوات تواصل مباشرة بينهم وبين المؤلف أو المترجم -أو كليهما- بما يتيح حوارا مهنيا متوازنا. دور المحرر، في تصورنا، ليس فرض رؤية بديلة على النص، بل مساعدته على الوصول إلى أفضل نسخة ممكنة منه، مع الحفاظ على صوته الأصلي وهويته».

أسأله أيضا.. هل الكلمة الأخيرة تكون لكم في الدار إذا اختلف المترجم والمحرر؟

يقول: «نادرا ما نصل إلى نقطة الخلاف الحاد بين المحرر وصاحب النص، إذ غالبا ما تكون خبرة المحرر كفيلة بإقناع المؤلف أو المترجم بجدوى ملاحظاته. ومع ذلك، وفي حال تعذر الوصول إلى توافق، تكون للدار الكلمة النهائية بوصفها الجهة المسؤولة عن العمل في صورته المنشورة. لكننا نميل بطبيعتنا إلى ترجيح كفة صاحب النص، مع موازنة ذلك بعناية مع الاعتبارات التحريرية والمهنية التي قد تؤثر في جودة العمل واستقباله بعد النشر».

ما الشروط التي يجب أن تتوفر بالنسبة لدور النشر في المحرر؟

يرى المجيني أن الكفاءة اللغوية تأتي في المقدمة، يليها وعي أدبي وفني يمكِّنه من قراءة النص قراءة عميقة تتجاوز السطح. كما أن هناك أهمية خاصة للخبرة العملية في التعامل مع النصوص الإبداعية، وفي سياق الأعمال المترجمة تبرز القدرة على مقارنة النص المترجم بالأصل كعنصر مهم، ويُفضل توفره كلما دعت الحاجة، لضمان دقة النقل وسلامة الروح والأسلوب.

***

أبدأ مع الكاتبة والناشرة اللبنانية، مديرة شركة المطبوعات، عزة طويل من حيث انتهى كلام علي المجيني. أعني الخبرة الواجب توفرها في المحرر، لنرى إن كان ثمة تشابه في النظرة بينهما.

تقول: «التحرير يتطلب الكثير صراحة. أولا، الإحساس باللغة، والقدرة على التعاطف (والتعاطف مختلف عن الغيرية طبعا)، وأرشيف من القراءات المتنوعة والثقافة العامة التي تمكنه من التقاط أي خلل في النص، لناحية ترابط الأحداث مثلا أو قابلية تصديقها، والقدرة على التركيز (أصعب ما في الكتابة الروائية هو التركيز طويل الأمد على جميع التفاصيل بحيث لا تتناقض فيما بينها). عليه أيضا التمتع بقدرة عالية على التحليل، والانفتاح على التجريب. قد يقول البعض إن على المحرر أيضا امتلاك قدرة على الإقناع، لكني أتخلى عن هذا الشرط وأستبدل به القدرة على التواصل والتعبير؛ لأن الكاتب الذكي يعرف ما يفيد نصه ويُفتَرض ألا يحتاج إلى الكثير من الإقناع، وأيضا لأنني أحزن كثيرا عندما يتمكن شخص من تخريب شيء جميل، بسبب قدرته العالية على الإقناع».

أسألها.. هل ترين أن المحرر شريك في كتابة العمل؟

تجيب: «سؤالك يؤرجحني بين مشاعري كناشرة ومحررة ومشاعري ككاتبة، لكنني أستطيع أن أؤكد شيئا ينبغي أن يكون واضحا للجميع: المحرر شريكٌ حتما، حين يشارك فعليا وليس فقط صوريا. والمشاركة نوعان على الأقل، الأولى تجري أثناء مرحلة الكتابة، والأخرى تليها. يمكن للمحرر أن يكون شريكا في الحالتين (هذا نادر جدا في العالم العربي، وغالبا ما يقوم بها صديق مقرَّب للكاتب، أو شخص لا يملك بالضرورة معرفة تخوِّله بأداء دور المحرر، ما يفسِّر كم المشاكل في الروايات المنشورة عربيا)، لكن طبعا بحسب النص ومتانته ومدى اكتماله على يد كاتبه. هناك محررون لا يشاركون، بل بالعكس يسدون نصائح تخرب النص بدل أن تفيده، ومع ذلك يطلقون على أنفسهم لقب محررين».

المحرر الجيد، بحسب عزة، لا يحفظ مجموعة قواعد إكلشيهية يواجه الكاتب بها، بل يشعر بالنص ويحاول رفعه أو إعانة كاتبه على رفعه. لا يدَّعي المحرر ذائقة مكررة يطبقها على كل النصوص، بل يعيش حالة كل نص. هناك محررون وإن ندروا، يقولون كلمة واحدة فقط يكون لها تأثير عميق في مسار القصة أو السرد، وفي حالة كهذه يكون الكاتب مخطئا إن لم يعترف بهذا التأثير.

الكاتب المسؤول يرحب بالمحرر المسؤول ويُشركه، فالتحرير فيه نقدٌ عميق وإن لم يُكتَب هذا النقد على سطورٍ منفصلة، فهو يحيا داخل النص ويحييه. لكن حذار ممن يدعي أنه محرر ويعجز عن منح النص أي إضافة (قيمية)، فهؤلاء كثرة في بلداننا دون الانتقاص، والكلام على لسان عزة، من جهود أحد.

أسألها كذلك.. هل مهنة التحرير تتطلب شخصا غيريا يقبل أن يظل دائما خلف الكواليس؟

تجيب: «لا أعتقد أن المحرر يبقى خلف الكواليس، لكن فلنعرِّف التحرير أولا، ذاك أنه أنواع ومراحل. بالإنجليزية، حين تقول editor قد يعني ذلك: محرر تطويري، أو محرر أسلوبي، أو حتى، بل بداية، المحرر الذي يبحث عن نصوص جيدة غير منشورة، أو عن مشاريع نصوص، للتعاقد مع أصحابها ونشر أعمالهم (وهؤلاء المحررون يعملون عادة تحت جناح ناشر محدد). وكل محرر من هؤلاء يُطبَع اسمه داخل الكتاب، كما يُكتب لهم شكرٌ إلى جانب طبعا ما يتقاضون مقابل مساهمتهم في الكتاب».

أما في العالم العربي، تستدرك عزة، فيخلط الناس بين المدقق والمحرر، بل تخلط أحيانا بين الأدوار كلها (يكون ذلك أحيانا اضطراريا لأسباب مادية أو بسبب ضيق الوقت، فيما يكون في أحيان أخرى عن جهل تام بالفروقات بين الأدوار).

وتنهي كلامها قائلة: «إن يكتب أحد كتابك عنك ليس تحريرا. المحرر التطويري يناقش خياراتك في الحبكة والشخصيات والمكان والزمان وتتابع الفصول إلى ما هنالك، والمحرر الأسلوبي يشتغل معك على اللغة ومتانة السرد، فيما المدقق اللغوي يصحح الأخطاء المطبعية، واللغوية، والشكلية والتنقيط. ويمكن لشخص واحد أن يكون ملما بجميع هذه الأعمال، لكن إذا كان العمل يستلزم كل ذلك، فهذا يعني أنه ليس جاهزا لإرساله للنشر أساسا إلا إذا كان الكاتب شخصية معروفة يريد الناس معرفة المزيد عنها مثلا، أو لديها شيء مهم تقوله، لكنها لا تملك القدرة على الكتابة بشكلٍ جيد».

***

جاء الدور على الكتَّاب أنفسهم.

الكاتب العماني هلال البادي يطرح وجهة نظر مغايرة فهو يرى أننا سنحتاج وقتا لفهم طبيعة عمل المحرر، فحتى العاملون في مجال التحرير الأدبي قد يجهلون طبيعة ما يقومون به، ويظنون أن سلطتهم محورية وأساسية، وليسوا مساعدين لا تظهر أسماؤهم في سياق النص والإبداع.

يؤكد هلال أن المحرر الجيد يخدم النص والكاتب معا، ولا يفرض رؤيته الخاصة، بل يبرز رؤية الكاتب، وينظر في بنية العمل العميقة، ويقترح تعديلات من شأنها تقويته، هو من يفتح عيني الكاتب على النواقص والعلل والمشكلات، ويقترح له الحلول الممكنة، ويحرر الأسلوب من الجمود والضعف وعدم الابتكار، ويضع النص على طريق النجاح والاكتمال، ذلك أن كاتب النص لا يرى الطريق كاملا أو لا يراه واضحا، ويحتاج إلى مساعدته.

يستدرك هلال: «لكن بعضنا يرى أن مهمات المحرر تقتصر على عملية التحرير اللغوي أو التدقيق اللغوي والإملائي، إذ يؤمن أصحاب تلك الرؤية أن الكاتب صاحب النص والإبداع إنما قُدَّ عمله من غيب! فلا يمكن ساعتها المساس به أو خوض نقاش يعدل أو يقترح مجرد تعديل عليه! وهذا ما يظنه بعض الكتاب، يظنون أنهم كتبوا شيئا عظيما غير قابل للتعديل والتبديل، ولذلك تجد رفضا هائلا لمسألة التحرير الأدبية، فما بالك بوجود محرر أدبي؟!».

يستدرك مرة أخرى: «لكني أعتقد أن هذه المسألة بدأت تخفت في السنوات الأخيرة، وبات هناك حضور مهم للمحرر الأدبي، وإن كان خافتا أو ينحصر دوره مجددا في عمليات التدقيق اللغوي والاقتراح المعجمي للكلمات والألفاظ المستخدمة أو التأكد من دقة التواريخ والأحداث التاريخية».

***

أسأل الكاتبة السورية غنوة فضة.. هل يوجد صديق لديك يقوم بمهمة التحرير قبل أن تسلمي العمل للدار؟

تقول: «معظم الأعمال الأدبية العظيمة هي نتاج إعادة كتابة ومراجعة وتدقيق مميز بين محرر حيادي وكاتب لا ينظر إلى عمله بوصفه عصيا على النقد ومتعاليا على ذائقة القراء. لذا لا بد لكل كاتب من «عراب»، سواء كان صديقا أو ناقدا مقربا، وبالنسبة لي أفضل أن يكون محرر النص أكثر قسوة من محرر الدار ذاته، لكن علينا أن نتفق أن دور المحرر في العالم العربي ما زال يقتصر على الدائرة المقربة من الكاتب، إذ غالبا ما نضطر لنخلق لأنفسنا محررنا الخاص في غياب محررين محترفين لبعض دور النشر. لذا من الأجدى قراءة النص من قبل ناقد محايد - قبل إرسال النص للدار - ليس صديقا وفي الوقت عينه يُقدِّر عمل الكاتب على نصه، وهو بدوره عليهِ ألا يرتبط عاطفيا بنصه، ويتعلم التفريق بين الانتقاد الشخصي والفني».

هل يمكنك تقبُّل آراء قاسية من أصدقاء في وقت تكون لديك حساسية مفرطة من ملاحظات محرر الدار؟

تجيب: «الكاتب الأكثر احترافا هو الأكثر تقبلا للانتقاد، ومن لا يقبل ملاحظات القراء الأوائل لنصه هو الأقل خبرة. إنما علينا أن نعترف أن المشكلة ليست في الآراء القاسية إنما في طريقة تقديمها وتوقيتها، والمحرر الجيد يدرك متى يوجه النقد وفي أي مواضع من النص عليه أن يفرض سلطته. وهذا ما يدفعنا للحديث عما يمكن تقبله من ملاحظاته، فكل ما يتعلق من تعديلات تتعلق بالبناء والتسلسل الزمني والسمات الفنية للنص، إلى جانب الملاحظات اللغوية والنحوية، أجدها مقبولة، بل وضرورية حتى يخرج النص بصورة أمينة، ومن غير أن يتم التلاعب بأسلوب الكاتب، أو فرض منطق خارجي على النص بما يحوله إلى منتج غريب أو سلعة تجارية».

ما الملاحظات التي يمكن أن تقبلي بها وتلك التي ترفضينها؟

بحسب غنوة فضة لا بد للمحرر من الاعتراف بحق الكاتب في رفض تلك الملاحظات أو قبولها، ذلك أن الزمن الذي قضاه رفقة نصهِ يمنحه شعورا مزعجا بأن ثمة من يريد المشاركة في تأليف حكايته، لذا فإن حدود المحرر تقف عند إدراكهِ بأنه لا يوجد سوى كاتبٍ وحيد للنص، ولا يمكن، من ثمَّ، أن يمارس من خلف الستارة، دور الكاتب البديل.

***

في إجابتها عن سؤال.. هل توافقين على تحرير أعمالك؟ تقول الشاعرة والمترجمة التونسية وئام غداس إنها لا تظن أن ثمة كتابا لم يحتج إلى التحرير الأدبي، ولو بقدر بسيط، وأي كاتب امتلك المرونة ليمر نصه عبر محرر أدبي لابد وأنه شعر بالفرق. المحرر الأدبي ليس خصما للنص، حسب وئام. إنه عين ثانية، لم تتأثر بالألفة التي تنشأ - مع مرور وقت الكتابة الطويل - بين الكاتب ونصه، ما يجعلها قادرة على رؤية ما يعجز عن رؤيته صاحب النص، من تعثُّر، أو غموض، أو زوائد، أو ركاكة في التراكيب وغيرها. كأنك تعطي كتابك لصديق مؤهل لإعطاء رأيه، وتأخذ بالاعتبار ملاحظاته وتعمل على تصحيح مسارك.

تعترف وئام أن كثيرا من الكتَّاب العرب لا يزالون يتحفَّظون على المحرر، وينظرون إلى تدخله بريبة وخوف، كأن شخصا آخر سيشاركهم سيادتهم لنصوصهم ويعبث بفرديتهم، وهذه ثقافة كاملة لا تزال تميل إلى تقديس النص بوصفه امتدادا للذات، لا مشروعا قابلا للصقل، إضافة إلى أن كثيرا من الكتَّاب يؤمنون أن ما يكتبونه غير قابل للتعديل.

تستدرك: «خوف الكاتب أحيانا قد يكون مبررا بالنظر لما تفعله بعض دور النشر، حيث يصبح النص نصا آخر، يتلاءم مع ذائقة صاحب الدار ومحرريها وهذه جريمة في كل الأحوال، سواء كان النص جيدا لكن تم طمس ملامحه ومحو صوت كاتبه أو هزيلا ثم صار جيدا، وهو أمر يحدث كثيرا».

كيف تتلقين ملاحظات محرر الدار؟

تجيب: «شخصيا لم أتعرض لأي نوع من التحريف لكتاباتي أو ترجماتي عند التحرير، لو حدث ذلك في أي وقت بالطبع سأعترض. لذلك أنا شخص يتقبل ما يفعله المحرر دائما، طالما لم يتعدَ حدود دوره في النص، أتلقى ملاحظاته بصدر رحب، ولديَّ القناعة الكافية بأن نصي ليس مقدسا وأنه قابل للتعديل والإصلاح، لكن ليس للتفسخ أو التبديل، وهذه حدودي وخطي الأحمر. أقدِّر مهنة التحرير الأدبي، أراها ضرورية في أغلب الحالات، وأعتبر أنه لولاها ما كانت نصوص كثيرة قد ظهرت بهذا الإحكام وتلك الجودة».

***

تعطينا الكاتبة المصرية عزة رشاد نظرة مختلفة إلى علاقة الكاتب والمحرر وتربطها بعالم صناعة الكتاب، والتباين بين البلدان والثقافات فيها، ففي أوروبا مثلا حيث القراءة نشاط إنساني راسخ ومتعة لقطاع ملموس من المواطنين، يتم التعامل مع صناعة الكتاب كـ «بيزنس» تنهض به مؤسسات كبرى ويشارك فيه المئات من العاملين، وتبرز خلاله أهمية دور المحرر، حيث يقترح ما يعزز توجيه العمل الأدبي باتجاه الفئة العمرية المستهدفة، ونوع الأدب، هل هو الأدب الرصين الموجَّه لفئة صغيرة، أو الأدب الشعبوي مثل كتب الألغاز والكوميكس وغيرهما، أما في بلداننا العربية، حيث القراءة ليست نشاطا أصيلا، فبالكاد برز دور المحرر الأدبي، بعد عقود كانت دور النشر تتعامل خلالها مع الاسم لا مع النص، فإذا كان لكاتب مغمور رفضته، وإذا حاز الكاتب الشهرة تنشره بدون أي تعديل.

تمنَّت عزة رشاد دائما الإصغاء إلى رأي موثوق بأعمالها قبل نشرها، لكن نظرا لافتقادها أصدقاء حقيقيين من الكُتَّاب، مستعدين لتعطيل أعمالهم حتى يقرأوا مخطوطها، باتت تعتمد على رأي صديقة عادية أو صديق، وتستدرك: «لكني كنت محظوظة بالتعامل مع دور نشر كبرى مثل ميريت، وشرقيات، وهنَّ، والكتب خان، وقد اقترح مديروها عليَّ تعديلات تخص العنوان مرة، أو الإهداء، كما اقترح أحدهم تقديم فصل على آخر، ومرة أشاروا إلى استطراد يحتاج مراجعة. وقد تقبَّلت بعض المقترحات بأريحية، حتى أنني تمنيت لو اهتموا أكثر».

***

أسأل المترجم المصري هاني السعيد.. هل توافق على تحرير ترجماتك؟

فيجيب: «الموافقة هنا ليست مطلقة، بل هي مشروطة بنوع التحرير والرؤية التي يتأسَّس عليها، فبما أن الترجمة الأدبية، والشعرية خصوصا في أعلى تجلياتها، هي «إعادة خلق» لنصٍ لمس روحي وحل محل تجربة شخصية، فإنني أرحب بكل جهد يهدف إلى استكمال دورة العمل واختبار جودة النص وتجويده قبل تقديمه للقارئ. المحرر المتمكن هو «عين فاحصة» تساعد في ضبط «المسافة الجمالية» بين الأصل والترجمة. أما إذا كان الهدف هو «تحريف» النص ليناسب سياسات نشر معينة، أو كان المحرر يفتقر للحساسية اللازمة لفهم طبيعة النص، فعندئذ أُفضِل الاعتذار، فعدم نشر النص، أفضل من نشره مشوَّها».

كيف تتلقى ملاحظات محرر الدار؟

يقول: «أتلقاها بوصفها «حوارا نقديا» يختبر مدى نجاحي في نقل تلك الحالة الوجدانية التي عشتها مع النص الأصلي. إذا كانت الملاحظات تنم عن خبرة وفهم للدور الدقيق للمحرر، فإنني أستقبلها بمرونة حرصا على أن تنجح عملية نقل «روح النص» من جسد لغوي إلى جسد لغوي آخر تماما، ولكي ينساب بسلاسة في لغته الجديدة يتطلب أحيانا عينا خارجية تخلصه من «تصلُّب» المترجم تجاه صياغاته. هي باختصار عملية «تلقٍ واعٍ» تسبق وصول العمل لجمهوره».

هل يحدث اختلافات بينكما في وجهات النظر؟ ولمن يكون الرأي النهائي؟

يجيب: «الاختلاف وارد جدا، خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص ذات طبيعة خاصة، حيث يميل المترجم أحيانا للحفاظ على «غربة» النص بينما يميل المحرر للتبسيط. أما عن مرجعية الفصل، فهي محكومة عندي بـ «تخصص السلطة»، فللمترجم الكلمة الفصل في كل ما يمسُّ «دقة المعنى» وروح النص المصدر، فهو مَن عاش تجربة النص الأصلية وتفاعل مع سياقاتها الثقافية. وللمحرر الرأي المعتبر في جماليات الصياغة العربية وانسيابية التعبير. وفي النهاية، الرأي النهائي يولد من رحم «التفاوض الإبداعي» الذي يضمن ألا تضيع «روح» النص في زحام الكلمات، وألا يخرج العمل إلا وهو في أبهى صورة فنية ممكنة».

***

التباين في آراء المحررين والكتَّاب والناشرين يُظهِر أن وظيفة المحرر لم ترسخ بعدُ في الثقافة العربية، فرغم الاعتراف بأهميته إلا أن هناك حدودا لسلطته وتدخلاته والنظرة إليه، لكن التحقيق يفتح المجال لمناقشة أوسع حول دوره ومتى يصبح مرحبا به كصديق لا غنى عنه..

حسن عبدالموجود صحفي وقاص مصري