توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ حجم الاقتصاد العُماني 44.5 مليار ريال عُماني (115.5) مليار دولار خلال العام الجاري 2026م، وأن يحقق نموًّا بنسبة 3.7%، وأن يسجّل فائضا في الميزان التجاري بنسبة 7.5%، مع نسبة تضخم أقل من 2%.

نمو الاقتصاد العُماني مدفوع بنمو القطاع غير النفطي واستثمارات القطاعات المرتبطة به وهو في الحقيقة يعد المحرك الأساسي لقاطرة الاقتصاد، كالاستثمارات في قطاعات اللوجستيات والصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والسياحة؛ وهو ما يعكس تحوّلا هيكليا في الاقتصاد من منظومة تعتمد على القطاع النفطي بنحو 80% إلى نحو 65%، وبالتالي ما يزيد عن 65 دولارا أمريكيا في سعر نفط عُمان يعد فائضا ماليا مسجلا في الميزانية العامة للدولة.

ورغم التزام سلطنة عُمان بتخفيض الإنتاج وفقا لاتفاق أوبك بلس وتذبذب أسعار النفط عالميا، إلا أن القطاع النفطي مستمر في النمو بالناتج المحلي الإجمالي، ما يشير إلى أن الاقتصاد العُماني يسجّل نموا حتى مع تراجع الإيرادات المالية الناتجة عن انخفاض كميات إنتاج النفط وأسعارها، ما يعني أن التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي، أصبح قابلا للتحقق في ظل المعطيات الحالية للاقتصاد العُماني.

النمو المستدام للاقتصاد العُماني لم يعد مرتبطا بأسعار النفط، بل بالاستثمار في القطاعات غير النفطية والضبط المالي الذي أثمر عن الجدارة الاستثمارية وديمومة النمو، وهو ما يدل على أن الثقة في الاقتصاد العُماني عادت التي بدورها تحرك كل ما في الميزانية العامة للدولة من إيرادات وإنفاق استثماري وغيره، وبالتالي الاقتصاد العُماني أصبح نموذجا للاقتصادات الأخرى في تحقيق النمو في ظل تراجع الإيرادات النفطية، اقتصادٌ لا يعتمد على سعر النفط بقدر ما يعتمد على القطاعات غير النفطية في نموّه واستدامته.

أيضا من اللافت بأن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن الاقتصاد العُماني أصبح اقتصادا منتجا من خلال تحقيق فائض بـ 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الحساب الجاري، ويعني ذلك أن عُمان تبيع للعالم أكثر مما تشتري منه.

الاقتصاد العُماني مر بتحديات قبل عام 2020، تمثّل في ارتفاع حجم المديونية العامة للدولة، ومستوى متدن في التصنيف الائتماني وعجز مالي بلغ ذروته مع جائحة كوفيد19، لكن جهود سلطنة عُمان بعد عام 2020 وسياساتها العامة أثمرت عن تحسن جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية، وساعدها للتغلب على معظم التحديات عبر سياسات اقتصادية ومالية متزنة والتزام في تنفيذها وحوكمة فاعلة لمبادراتها وآلية تنفيذها.

واليوم تجني سلطنة عُمان ثمار تلك الجهود المبذولة من خلال العودة إلى مرحلة الجدارة الاستثمارية وفقا لوكالات التصنيف الائتماني العالمية، وانخفاض الدين العام إلى قرب المستويات الآمنة التي حددتها السياسة المالية وقانون الدين العام، وتحوّل العجز في الميزانية العامة للدولة إلى فوائض مالية، مع استمرار سياسة ضبط الإنفاق العام وتوجيهه نحو المشاريع ذات العائد الاستثماري، مع ذلك نلحظ التحوط في الإنفاق العام وفقا لحجم الإيرادات العامة، تحديدا النفطية التي تتأثر وفقا للمتغيرات الجيوسياسية.

إن التوقعات الإيجابية لصندوق النقد الدولي للاقتصاد العُماني، تجعل سلطنة عُمان تمضي بثقة أكبر نحو تنفيذ خططها وسياساتها الاقتصادية من خلال تسريع المشاريع الاستثمارية، وتنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتمكين القطاع الخاص، ومعالجة بعض التحديات التي تواجه الاقتصاد الكلي مثل السيطرة على معدل تضخم يتناسب مع القدرة الشرائية، وربط الباحثين عن عمل بتخصصات المستقبل وفرص الاقتصاد الحديث كتخصصات الاقتصاد الرقمي والاقتصاد السلوكي، وبالتالي من المهم أن تتضافر الجهود لمواءمة بعض تخصصات الخريجين مع متطلبات سوق العمل وتطوّره.

أرى من الجيد بذل جهود أكبر لاستمرار النشاط الاقتصادي الإيجابي للاقتصاد العُماني الذي يؤكده صندوق النقد الدولي في توقعاته باستمرار، وتؤكده وكالات التصنيف الائتماني في توقعاتها المستقبلية للاقتصاد العُماني، والاستفادة منه في زيادة حجم الإنفاق الاستثماري سواء بالاستفادة من الفوائض المالية التي تحققها الإيرادات العامة للدولة أو الاقتراض الخارجي بهدف الاستثمار في القطاعات الاقتصادية الواعدة ودعم القطاع الخاص؛ خاصة مع تراجع الدين العام للدولة إلى المستويات الآمنة التي حددتها الحكومة، وتحسن التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان والنظرة الإيجابية للاقتصاد العُماني، أيضا من الجيد الاستفادة من النتائج الإيجابية للاقتصاد ونموّه المستمر في الانفتاح على الاستثمار في الأسواق العالمية وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع الدول ذات التصنيف الائتماني العالمي المرتفع، والتي لديها اتفاقيات إعفاء جمركي مع الأسواق العالمية الأخرى؛ بهدف الوصول إلى أكبر عدد من الأسواق ووصول أسرع للمنتجات العُمانية والمحلية، والاستفادة من خبرات تلك الدول في زيادة حجم الأصول الاستثمارية في سلطنة عُمان وتعظيم إيراداتها في مختلف المجالات.