كشفت ندوة «منخفض المسرّات.. الاستجابة والأثر»، التي نظمتها هيئة الدفاع المدني والإسعاف، عن سؤال أعمق من حصيلة حالة جوية عابرة. فعدد البلاغات وحالات الاحتجاز والمجازفة في عبور الأودية الجارفة، تضعنا أمام سؤال حول فكرة الوعي ذاتها؛ ماذا يعني أن يعرف الإنسان الخطر، وأن يراه أمام عينيه، ثم يتصرف كما لو أن معرفته لا تخصه؟
لا يتعلق الأمر بنقص المعلومات؛ فلا أحد يحتاج إلى درس طويل كي يدرك أن الوادي الجارف قوة عمياء لا طاقة للفرد بمواجهتها. والماء حين يندفع لا يميّز بين مركبة قوية وأخرى ضعيفة، ولا بين سائق متمرس وآخر قليل الخبرة. والمجتمع العُماني يعرف الوادي منذ قرون؛ حفظ خوفه منه في اللغة وفي النصوص الفقهية وفي الذاكرة اليومية. وتختزل الأمثال العمانية العلاقة الطويلة بين الإنسان والجغرافيا، وفي القلب منها الأودية، في هدوئها الطويل وفي لحظات جريانها الجارف.
ومع ذلك، ينسى بعض الناس كل ذلك في لحظة الخطر الحقيقية، إذ تظهر هنا الفجوة الكبيرة بين الثقافة المحفوظة والثقافة العاملة. الأولى تسكن الذاكرة وتستعيد الحكمة، أمّا الثانية فتحكم السلوك في لحظة اتخاذ القرار. ويعرف العمانيون الذاكرة الثقافية والفقهية ويعرفون الأمثال المنبثقة من تجارب المجتمع، ويؤمنون بها، ويستعيدونها في مجالسهم ولحظات حواراتهم الصافية، ثم يسمع بعضهم صوتا داخليا يهمس: سأعبر.. أستطيع. هذا الانفصال بين ما نعرفه وما نفعله هو جوهر أزمة الوعي.
الوعي، بهذا المعنى، معرفة وإدراك وسلوك. المعرفة أن أعرف أن الوادي خطر. الإدراك أن أرى الخطر في لحظته، أما الوعي فهو أن أغيّر سلوكي بناء على ما أعرف وما أرى. يصل الكثيرون إلى المستويين الأول والثاني، ثم يتعثرون عند الثالث. يعرفون، ويدركون، ثم لا يتوقفون.
لذلك تبدو المسألة أعمق من التهور الفردي. التهور موجود، ومسؤولية الفرد مهمة، لكن السؤال الأهم: ما الذي يجعل إنسانا عاقلا يعطل عقله في لحظة يعرف خطورتها؟ أحيانا يعمل داخله صوت آخر يقول: لقد عبرت من قبل ونجوت.. سيارتي قوية.. المسافة قصيرة ولن يحدث مكروه. هذه الجمل الصغيرة تصنع وعيا زائفا أقوى من التحذير الرسمي، وأقوى من المثل القديم، وأقوى أحيانا من رؤية الماء أمام العين.
النجاة السابقة دون عقاب قد تصبح أخطر من التجربة الفاشلة. من ينجو مرة يظن أن النجاة قاعدة. ومن يعتَد المخاطرة يبدأ في التعامل مع الحظ كأنه مهارة. ثم تأتي لحظة واحدة تكشف قسوة الحقيقة حينما تُعاش التجربة ويكتشف أن الطبيعة لا تمنح ضمانات، ولا تعقد اتفاقا مع غرور الإنسان.
وتزداد المسألة تعقيدا في زمن الصورة. بعض الأفعال الخطرة لم تعد تجري في عزلة تامة، هناك جمهور حاضر أو متخيل، وهناك هاتف يمكن أن يحول المغامرة إلى مشهد بطولي، وهناك رغبة مكتومة في إثبات الذات أمام الآخرين. هكذا تصبح المجازفة أحيانا عرضا اجتماعيا، ويصبح التراجع في المخيلة الخاطئة ضعفا، مع أنه أعلى درجات النضج. يحتاج المجتمع الذي يريد حماية أفراده إلى قلب هذه المعادلة فتصبح الحكمة موضع احترام، ويصبح التهور موضع خجل عام.
من هنا تأتي أهمية ما طرحته الندوة من حديث عن المسؤولية المشتركة والالتزام بتوجيهات الجهات المختصة والحاجة إلى منظومة قانونية رادعة. والقانون هنا يحمي الحياة في اللحظة التي يعجز فيها الوعي الفردي عن حماية نفسه.
ويظل القانون سندا للتربية، لا بديلا منها. فبناء الوعي يحتاج إلى عمل طويل في كل مؤسسات المجتمع، ونحتاج إلى إعادة تعريف الشجاعة في المجتمع. الشجاع يعرف متى يتوقف، والناضج يحترم حدود مهاراته. والمسؤول يحمي الآخرين من خطر معركة كان يمكن تجنبها.
إن المهمة الأصعب تتمثل في تحويل الحكمة القديمة في نصوصها الدينية والأدبية وفي ثقافة المجتمع إلى سلوك معاصر. فالمثل الشعبي، مهما كان عميقا، يبقى شاهدا بعد وقوع المأساة إذا لم يتحول إلى عادة يومية، وإلى قانون اجتماعي، وإلى انضباط داخلي. لدينا ذاكرة كافية وتجارب واسعة حتى نستطيع النجاة، ولدينا مؤسسات قادرة على التحذير والاستجابة. وما نحتاج إليه الآن هو وصل المعرفة بالسلوك، والذاكرة بالقرار، والتحذير بالفعل.
والحالات المدارية والأمطار العابرة باتت مرآة نرى فيها بناء الشخصية المدنية في المجتمع. وتختبر قدرتنا على ضبط الاندفاع، واحترام العاقبة، ورؤية الحياة بوصفها مسؤولية مشتركة. وبين مجتمع يعرف ومجتمع يعي تقف لحظة قصيرة جدا، لحظة يقترب فيها الإنسان من الخطر، ثم يقرر أن ينتظر.