على مدى أكثر من أربعين عامًا رفعت دول الخليج شعارات الوحدة والتلاحم، وأنتجت أغاني تتغنى بالخليج الواحد والمصير المشترك، وعبارات تكرس صورة مثالية عن الأخوّة الخليجية، ممّا صنع وهمًا جماعيًّا بأنّ المنطقة تعيش حالة من الانسجام السياسي والاجتماعي، وأنّ مجلس التعاون الخليجي هو نموذجٌ للتكامل، لكن الواقع سرعان ما كشف هشاشة هذه الصورة عند أول اختبار حقيقي.
إذا كانت الحكومات قد عجزت عن تحقيق وحدة فعلية وحقيقية منذ عام 1981 فإنّ الأزمات الأخيرة - ومنها الحرب على إيران - أظهرت أنّ الشعوب نفسها لا تتبنّى هذه الوحدة إلا في الأغاني والاحتفالات، وظهر ذلك في منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى مرآة صادمة؛ حيث سيطر على النقاشات خطاب مليء بالسب والشتم والتخوين، ممّا يؤكد أنّ كلَّ ما قيل عن الوحدة والتكامل لم يكن سوى خطاب دعائي.
من المفترض أن تكون منصات التواصل الاجتماعي فضاءً للحرية وتبادل الآراء بشكل حضاري، لكنها تحولت – للأسف الشديد - إلى ساحة مفتوحة لكلِّ من هبّ ودبّ؛ حيث غابت الضوابط الأخلاقية على حساب خطاب الكراهية، وأصبحت هذه المنصات ساحة لتصفية الحسابات وإبراز الانقسامات، وهو ما يعكس أزمة أعمق في الثقافة السياسية والاجتماعية الخليجية.
من يتابع لغة السجالات على منصات التواصل يظن للوهلة الأولى أنّ هناك مذابح حقيقية بين شعوب المنطقة بينما هي مجرد انعكاس لهشاشة الجيل الجديد أمام ضغوط اللحظة. وهذا الانفلات اللفظي يؤكد أنّ الحاجة إلى خطاب عقلاني ضرورةٌ ملحةٌ الآن لحماية وحدة المجتمع وصون صورته أمام العالم؛ لأنّ الجيل الذي ينشأ وهو يرى تلك المهاترات أمامه يوميًّا سيتربى على ما نشأ عليه.
وما يهمنا هنا هو أنّ عُمان - التي حافظت على استقلالية قرارها السياسي - نالت نصيبًا كبيرًا من الهجوم في مواقع التواصل، وبلغ الأمر أن تُوصَف بأنها تغرد خارج السرب الخليجي. وظهرت بعض الحسابات المشبوهة التي تتعمد نشر صور لعُمانيين مرفقة بلائحة اتهامات حول مزاعم تأييد إيران، وكأنها محاكم تصدر أحكامًا على الناس مع تبنّي خطابٍ إقصائيّ في محاولة لتصوير أصحاب الآراء المختلفة وكأنهم خارج الصف الخليجي مع أنّ العُمانيين يقفون بثبات ضمن هذا الصف ولا يحيدون عنه. ولا أدري من الذي جعل مثل هؤلاء أوصياء على المجتمع العُماني، وكأنهم يملكون الحق في تقييد حرية الآخرين، ومنعهم من التعبير عن آرائهم.
إنّ السياسة العُمانية متوازنة وتنبع من الداخل؛ فهي تدرك أنّ إيران جار جغرافي وسيبقى جارًا؛ ولذلك لا ترى جدوى من الدخول في المهاترات أو الانجرار وراء الخطابات المتشنجة، بل تفضل نهج الحكمة والاعتدال الذي يحفظ مصالح الوطن والمنطقة.
وهكذا كانت سياسة سلطنة عُمان عندما قاطع العرب مصر ولم تقاطعها، وعندما قاطعت دولُ الخليج العراقَ ولم تقاطعه، وعندما حوصرت قطر ولم تنضم عُمان إلى الحصار، وعندما شكلت دول الخليج تحالفًا ضد اليمن ولم تنضم إليه، وعندما قاطع العرب سوريا ولم تقاطعها، وحتى في ذروة الحرب العراقية الإيرانية ظلت عُمان تحتفظ بعلاقات مع الدولتين دون أن تغضب أيًّا منهما؛ فالسياسة العُمانية ثابتة، تنبع من احترام الذات، ومن خلفية حضارية وجغرافية راسخة جعلت من سلطنة عمان صوتًا متزنًا؛ لذا تؤمن بأنّ الانجرار وراء لغة الانفعال لا يليق بتاريخها ولا بمكانتها.
ولأنّ سلطنة عُمان قد أصابها من هذا التراشق نصيبٌ وافر؛ فإنّ الواجب يحتّم الابتعاد عن المهاترات التي لا تزيد المشهد إلا تعقيدًا؛ فقد ظهرت ردود فعل من بعض العُمانيين لا تقل حدّة تكشف عن انحدار في مستوى الخطاب؛ فإذا كانت السياسة العُمانية حكيمة تنبع من إلمام تام بتاريخ وجغرافية المنطقة ومستقبلها فأنا أرى أنّ تجاهل تلك الأصوات الشاذة هو الرد الأمثل، ولا ينبغي أن نخوض مع الخائضين.
ومما أعجبني ما قاله الصديق علي بن مسعود المعشني في أحد مقاطعه على يوتيوب: «إنهم يريدون أن نحب ما يحبون ونكره ما يكرهون»، وهو توصيفٌ بليغٌ من المعشني الذي ينال من هجوم الخصوم ما ينال، لكنه لحسن الحظ لا يبالي.
الجميل أنّ هناك مراكز تهتم الآن بالتحولات الحادثة في المجتمعات الخليجية، ومنها مركز «أسبار للبحوث والدراسات» الذي أصدر دراسة بعنوان “خطاب الكراهية: مستواه ودوافعه في منصات التواصل الاجتماعي من وجهة نظر الخبراء” تناولت واحدًا من أبرز التحديات الرقمية في العصر الحديث. اعتمدت الدراسة التي أعدّها د. حمد بن سليمان بن عثمان التركي على استبانة موجهة إلى عينة من الأكاديميين والخبراء السعوديين المتخصصين في الإعلام، وهدفت إلى قياس مستوى خطاب الكراهية المنتشر في منصات التواصل، وتحليل أسبابه ودوافعه وآثاره الاجتماعية والثقافية، وأظهرت النتائج أنّ منصتي «تويتر» و«يوتيوب» تصدرتا قائمة المنصات التي يُمارَس فيها هذا النوع من الخطاب.
وأكدت الدراسة الحاجة إلى بناء وعي رقمي وطني، وتعزيز سياسات الحوكمة الرقمية إلى جانب تطوير تشريعات تردع الانتهاكات الخطابية مع إشراك الإعلام والمؤسسات التعليمية في جهود التصدي لهذه الظاهرة، وهو ما يتفق مع تقارير إعلامية حديثة أكدت أنّ الأزمات السياسية تحوّل هذه المنصات إلى ساحات صراع؛ حيث تتراجع الهوية الوطنية الجامعة أمام الهويات الطائفية والقبلية.
ولكي نحمي شبابنا أظن أنّه ينبغي تعليم النشء مبادئ التعامل مع هذه الوسائل؛ لأنها من الأمور المحدثة، ولكن لها فاعلية كبيرة في التنئشة.
وأود أن أشير هنا إلى أنّ العُمانيين يتمسكون بوحدة الصف الخليجي؛ فمن الفطرة أن يقف المرء مع طرفٍ معتدى عليه كإيران ضد طرف معتدٍ ومستكبر هو إسرائيل وأمريكا، ولا يعني ذلك أنه ضد إخوته في دول الخليج، وكذلك فإنّ نهج السياسة المتوازنة الذي اختطته الحكومة هو ضمانة لمكانة عُمان ودورها البنّاء في المنطقة. فالحكمة والاعتدال هما جزء من هوية هذا الوطن الذي يرفض الانجرار وراء المهاترات، ويصرّ على أن يكون صوت العقل والاتزان في محيطه الإقليمي.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.