ترجمة: بدر بن خميس الظفري
كيف ستنتهي إذن الحرب الأمريكية مع إيران تلك التي صرّح دونالد ترامب قبل نحو ثمانية أسابيع بأنها ستنتهي على الأرجح في غضون أيام، أو من أربعة إلى ستة أسابيع؟
بما أن ترامب لم ينجح حتى الآن في التوصل إلى اتفاق سلام كان يتوقع هو - والأسواق المالية العالمية - أن يُبرم بنهاية فترة وقف إطلاق النار التي استمرت أسبوعين مع النظام الإيراني؛ فقد دخل الصراع في حالة ضبابية وصفها جدعون راشمان من صحيفة فايننشال تايمز بأنها «ضباب السلام».
إنها حالة من الغموض تليق برئيس أدار هذا الصراع في الشرق الأوسط كآلة دخان تُخفي الحقيقة وراء سحابة من الأكاذيب والتضليل لدرجة يصعب معها تخيّل أن ترامب نفسه قادر على التمييز بين الواقع والخيال.
يوم الاثنين صرّح لصحيفة نيويورك بوست بأن نائب الرئيس جيه. دي. فانس كان مسافرًا بالطائرة متوجهاً إلى باكستان؛ لإبرام اتفاق مع إيران. لكن فانس لم يغادر قط، وبعد أيام لم يغادر بعد. بحلول يوم الثلاثاء بعد أن هدد ترامب مرارًا وتكرارًا بقصف إيران بأكملها حتى يسويها بالأرض، وزعم أنه على وشك التوصل إلى اتفاق «أفضل بكثير» لوقف البرنامج النووي الإيراني من أي اتفاق سابق؛ أعلن من جانب واحد وقفًا غير محدد لإطلاق النار.
وحتى صباح الخميس كان ترامب يطالب علنًا البحرية الأمريكية بـ«إطلاق النار على أي زورق إيراني يلقي ألغامًا في مضيق هرمز وتدميره»، ثم بعد نصف ساعة أصرّ على أن «لدينا سيطرة كاملة» على المضيق «المغلق بإحكام».
كما أراد الرئيس أن يُعلم القيادة الإيرانية أنه ليس بحاجة إلى اتفاق، لكنه قد يقتل أي مفاوض إيراني لا يلبي مطالبه.
ويبدو أن الخلاصة هي أن المزيد من المفاوضات قد تُعقد أو لا تُعقد في باكستان قريبًا، وأن هناك مهلة غير رسمية جديدة حددها ترامب لإيران للعودة إلى طاولة المفاوضات في نهاية هذا الأسبوع، وقد لا تُحدد. هل هذا واضح؟
وسط هذا الارتباك بعد عقد من ظهور ترامب على الساحة السياسيّة الأمريكيّة لا يزال من الصعب للغاية التمييز بين ترامب عندما يتصرف بعقلية رجل الصفقات، وترامب عندما يفقد توازنه، ويندفع بشكل غير محسوب. هل كان الرئيس يكذب عندما قال: إن فانس كان على متن طائرة متجهة إلى إسلام آباد؟ هل كان غافلاً عن الحقيقة، أم أنه كان يمارس لعبة تضليل ذكية مع خصومه؟ في وقت سابق من هذا الأسبوع أدلى ترامب بتصريحات لأربع صحف مختلفة أشار فيها إلى أنه توصل إلى اتفاق مع إيران، وذكر تفاصيل محددة، منها أن النظام وافق على تعليق «غير محدود» لبرنامجه النووي، وتسليم جميع اليورانيوم المخصب.
لم يكن هذا صحيحاً فحسب، بل كان من شبه المستحيل تصديقه مع هذه الحكومة الإيرانية، كما أوضح الخبراء سريعاً. وقالت سوزان مالوني من معهد بروكينغز لصحيفة واشنطن بوست: « الأمريكيون يواجهون العقبة الأساسية نفسها التي شكلت المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد» والتي أدت إلى الاتفاق النووي بين باراك أوباما وإيران، «وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة التخصيب».
في أوساط السياسة الخارجية يكثر النقاش الأكاديمي حول كيفية التمييز بين الإشارة والضجيج في مثل هذه اللحظات الجيوسياسية المتوترة. لكن على حد علمي التزم الخبراء الصمت تاريخيًا حيال كيفية التعامل مع وضع يكون فيه الرئيس نفسه مسؤولًا عن جزء كبير من الضجيج بينما يبدو في الوقت نفسه غافلًا عن أي إشارة.
إن عدم استقرار ترامب وعجزه عن قراءة خصومه بشكل صحيح ليسا السببين الوحيدين للتساؤل: لماذا قد يعقد أي شخص صفقة مع هذا الرجل؟
لا شك أن الشغل الشاغل للمفاوضين الإيرانيين هو صعوبة الاعتماد على ترامب في الوفاء بوعوده حتى في حال التوصل إلى اتفاق. كما أن هناك احتمالاً وارداً جداً بأن يرفض رئيس أمريكي مستقبلي اتفاق ترامب -تماماً كما رفض ترامب خلال ولايتيه الرئاسيتين- العديد من الاتفاقات التي أبرمها أسلافه.
وتشمل هذه القائمة الطويلة أوامر ترامب للولايات المتحدة بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ (مرتين)، والشراكة عبر المحيط الهادئ، ومنظمة الصحة العالمية، ومعاهدة القوات النووية متوسطة المدى، ومعاهدة السماوات المفتوحة، وبالطبع الاتفاق النووي الإيراني الأصلي الذي تم التفاوض عليه في عهد أوباما.
وفي يناير أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بالانسحاب من ست وستين منظمة مختلفة وافقت الولايات المتحدة على المشاركة فيها خلال إدارات سابقة بما في ذلك منظمات تتراوح من تحالف الأمم المتحدة للحضارات إلى اتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا.
تثير هذه القائمة العديد من التساؤلات لعل أبرزها احتمال أن تكون الولايات المتحدة الآن مؤيدة للقرصنة في أعالي البحار، لكنّ هذه النقطة العامة لا تقتصر أهميتها على الحكومة الإيرانية التي تعاني بدورها من مشكلات مصداقية كبيرة بعد عقود من السعي وراء برنامج نووي مع إنكارها العلني لأي اهتمام بهذا الأمر، بل تمتد لتشمل على نطاق أوسع مسألة ما إذا كانت أي ضمانات أمريكية - لأي جهة كانت - ستظل سارية المفعول بعد انتهاء فترة رئاسة ترامب المتقلبة.
لسوء الحظ أبرزت أحداث الأشهر القليلة الماضية حقيقةً مُرّةً عن شخصية ترامب؛ فهو لا يثبت إلا على عدم وفائه سواءً لأصدقائه وشركائه المزعومين أو للشعب الأمريكي. اسألوا النساء اللواتي شغلن مناصب في حكومته، واللاتي أُقيلت ثلاث منهن في الأسابيع الأخيرة رغم تظاهرهن بالتواضع أمام ترامب بما في ذلك وصفه بأنه «أعظم رئيس في التاريخ الأمريكي»، وهو قول بام بوندي، و«أعظم رئيس في حياتي» وهو قول لوري تشافيز-ديريمر، فضلاً عن تمجيد صلاحيات ترامب الهائلة التي شملت على ما يبدو القدرة على إيقاف الأعاصير شخصياً، وهو قول كريستي نويم.
اسألوا الأعضاء الـ 31 الآخرين في حلف الناتو الذين لم يعودوا متأكدين من أن الضمانة الأساسية للحلف للدفاع المشترك المنصوص عليها في المادة 5 من المعاهدة التي أُبرمت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لا تزال سارية على الولايات المتحدة بقيادة ترامب.
وردت قريبا أنباء تفيد بأن ترامب بعد أن علّق برنامج إعادة توطين الأفغان الذين ساعدوا الولايات المتحدة خلال حربها التي دامت عشرين عامًا في بلادهم يسعى الآن إلى إرسال أكثر من ألف لاجئ - الذين ظل مصيرهم معلقًا منذ فرارهم من كابول - إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.
هؤلاء هم أناس أُجبروا على مغادرة وطنهم بسبب عملهم مع الولايات المتحدة. عندما عجّل انسحاب القوات الأمريكية عام 2021 بعودة طالبان إلى السلطة قطع جو بايدن وعدًا لأمريكا تجاه أولئك الذين ساعدوها، أما ترامب فلا يتردد في نقض هذا الوعد؛ فهو في نهاية المطاف رئيس علّق بالفعل برنامج أمريكا بأكمله لاستقبال اللاجئين في الولايات المتحدة - باستثناء بضعة آلاف من الأفارقة البيض الذين يدّعي أنهم ضحايا إبادة جماعية وهمية.
إنّ اقتراح إرسال هؤلاء الأفغان إلى الكونجو في وقتٍ تعاني فيه البلاد من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المستمرة في العالم لهو دليلٌ على القسوة المفرطة التي يبدو أن ترامب وإدارته يخصصونها لأشدّ الناس فقراً في العالم. إنّ الدول- مثلها مثل الشركات والأفراد- تعتمد على المصداقية لإنجاز الأمور. يصرّ ترامب وحلفاؤه على أنه شنّ الحرب لأن إيران «لا يمكن الوثوق بها» لامتلاكها سلاحاً نووياً. ولكن هل يمكن لأحدٍ أن يثق به أيضاً؟ لا عجب في هذا المأزق. توقعوا ارتفاعاً في أسعار الوقود، وانخفاضاً حاداً في شعبية ترامب.
سوزان ب. جلاسر: كاتبة في مجلة ذا نيويوركر، وهي مقدمة بودكاست «المشهد السياسي». كما شاركت في تأليف كتاب «المُفرِّق: ترامب في البيت الأبيض، 2017-2021»
الترجمة عن مجلّة ذَ نيويوركَر