يتميز النموذج العُماني في منظومة الحماية الاجتماعية بكونه نظاما تأمينيا قائما على المساهمة المشتركة وتوزيع المخاطر، بما يضمن له الاستدامة المالية والعدالة. لكن أعمق ما في هذا النظام ليس لغة الأرقام، بل تلك الرسالة الإنسانية المتصلة بتوجهات رؤية عُمان 2040، التي تضع الإنسان في قلب التنمية لا على هامشها. ويتجلى ذلك بوضوح حتى في اختيار المسميات؛ إذ فضلت سلطنة عمان مصطلح «الأمان الوظيفي» على «التأمين ضد البطالة»، وهو فرق يتجاوز اللغة إلى الفلسفة؛ فبينما تُعرِف «البطالة» الإنسان بما فقده، يحيطه «الأمان» بما تبقى له من كرامة واستقرار.

هذا التوجه يعني أن الأمان الوظيفي لا يضمن ألا تفقد عملك، بل يضمن ألا تُترك وحيدا بعد فقدانه. ففي النماذج التقليدية، كان انتهاء الخدمة يعني انقطاعا مفاجئا في الدخل، والدخول في نفق من القلق النفسي والمادي؛ أما اليوم فقد أُعيد تعريفها لتصبح مرحلة انتقال مدعومة، بدلا من أن تكون «نهاية».

يوفر النظام دخلا مؤقتا للعامل الذي فقد وظيفته لأسباب خارجة عن إرادته، وهو مصمم بذكاء يحقق توازنا بين الاستقرار والحافز؛ إذ يُصرف للمستحق 60% من متوسط أجره خلال الأشهر الستة الأولى، ثم 50% لثلاثة أشهر، ثم 40% لثلاثة أشهر أخيرة، مع حد أدنى لا يقل عن (115) ريالا. هذا التصميم المتناقص ليس عشوائيا، بل هو أداة لإدارة مخاطر سوق العمل؛ فهو يؤمن الاستقرار الفوري، وفي الوقت ذاته يحفز الفرد تدريجيا على العودة والمساهمة في الاقتصاد المحلي.

ولا يتوقف الأمر عند الدخل، بل يستمر النظام في سداد الاشتراكات التأمينية واحتساب هذه الفترة ضمن الخدمة الفعلية، لضمان تجميع مدد مؤهلة للتقاعد. ذلك أن فقدان العمل في الاقتصاد الحديث أصبح جزءا من طبيعة المتغيرات؛ فكل يوم تقريبا نرى شركات تُغلق وقطاعات تتبدل، وهنا يظهر دور النظام ليس في منع فقدان العمل، بل في امتصاص الصدمة وتحويلها إلى فرصة للتمكين.

في النهاية، لا تُقاس قوة الأنظمة بما تقدمه من تعويضات، بل بما تعكسه من رؤية لبناء إنسان مطمئن. وهنا تحديدا، لا يصبح الأمان الوظيفي مجرد نظام صرف، بل تعبير عن توجه أوسع لاقتصاد ينمو دون أن يُهمل كرامة الإنسان. وبذلك يتوافق الهدف الاستراتيجي لرؤية عُمان 2040 (مجتمع مغطى تأمينيا بشبكة أمان اجتماعية فاعلة ومستدامة وعادلة) مع هدف (قوانين وتشريعات ناظمة لسوق العمل وفق معايير مهنية، وبيئة عمل محفزة ومستجيبة للمتغيرات).

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية