د. حكمت المصري
لم تعد الحرب في قطاع غزة تُقاس بعدد الشهداء والجرحى فقط، بل بما خلّفته من تصدعات عميقة في حياة النساء اللواتي وجدن أنفسهن في قلب المأساة، لا بوصفهن ضحايا مباشرات للقصف والنزوح فحسب، بل بوصفهن أيضاً من يتحملن العبء الأكبر لفقدان الأسرة، وانهيار البيت، وغياب الأمان، وتفكك الحياة اليومية بكل تفاصيلها.
بالأمس كانت الحاجة أم أيوب كرسوع، الستينية المنهكة بالفقد، تقف أمام جثامين ابنتها إسلام وحفيديها نايا وخالد، لا تبكيهم فقط، بل كانت تودّع ما تبقى لها من معنى الحياة.
تصرخ بصوت مكسور، كأنها لا تنادي أبناءها وحدهم، بل تنادي العالم كله: "هذه ابنتي وهؤلاء أحفادي، ابنتي كانت حاملاً بتوأم قتلوها بدم بارد لم تكن تحمل سلاحاً، كانت تحمل أطفالها في بطنها، وتحمل أبناءها بين يديها". تقول الحاجة أم أيوب إن ابنتها إسلام كانت في شمال قطاع غزة حين استهدفت دبابات الاحتلال المنطقة بقذائفها، فسقطت مع طفليها نايا وخالد، واستشهدت الأجنة التي لم تُولد بعد، في مشهد تختصر فيه الحرب أقسى وجوهها أمّ تُقتل، وأطفال يُقتلون، وحياة كاملة تُباد في لحظة واحدة.
وقفت الأم المكلومة أمام الجثامين كأنها تقف أمام عمرها كله، تلمس وجوههم للمرة الأخيرة، وتردد بصوت مخنوق: "هؤلاء أحفادي كنت أراهم سندي في كِبرِي كنت أقول سيبقون لي حين يأخذ العمر ما يأخذ، اليوم شيّعتهم شهداء فماذا تبقى لي من هذه الحياة؟" لم تكن أم أيوب ترثي ابنتها وأحفادها فقط، بل كانت ترثي عائلة كاملة أنهكتها الحرب، تقول إن هذه الخسارة ليست الأولى، وإن ابنتها وأحفادها لحقوا بإخوة وأبناء وأقارب سبق أن ابتلعتهم الحرب ذاتها، حتى بات الفقد في حياتها متراكماً كأعوام من الحداد المفتوح.
وترفع المرأة التي أثقلها العمر والفقد صوتها بنداء موجوع إلى العالم، مطالبة بوقف الجرائم التي تُرتكب يومياً بحق المدنيين في غزة، قائلة إن ما يجري لا يشبه "وقف إطلاق النار" الذي يتحدث عنه العالم، ولا يمتّ بأي صلة إلى التهدئة التي تُعلنها الشاشات.
"يقولون إن الحرب هدأت، لكن أبناءنا ما زالوا يُقتلون كل يوم. الشهداء يسقطون في كل لحظة. لا هدنة هنا، ولا أمان نحن فقط نموت ببطء أمام عالم مشغول بحروبه، وكأن غزة ليست على هذه الأرض". ليست أم ايوب حالة فردية. فوفق تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تعيش نساء غزة واحدة من أقسى صور الانهيار الإنساني في العصر الحديث، حيث لم تعد النساء فقط في مرمى الموت المباشر، بل أصبحن في مواجهة يومية مع الفقد، والجوع، والنزوح، والحرمان، وتحولات قاسية فرضتها الحرب على أدوارهن وحياتهن.
التقرير يسلّط الضوء على التدهور غير المسبوق في أوضاع النساء والفتيات في قطاع غزة، موثقاً بالأرقام والتحليل كيف تحولت الحرب إلى عبء مضاعف على النساء، من حيث الخسائر البشرية والانهيار الاجتماعي والاقتصادي والصحي، في بيئة فقدت الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وبحسب التقرير، ارتفعت نسبة الضحايا من النساء والفتيات بشكل غير مسبوق، لتقترب من نصف إجمالي الشهداء، في مؤشر يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي طالت النساء على نحو مباشر. لكن الخسارة، كما تقول نساء غزة، لا تُختصر في أعداد القتلى، بل في المساحات التي تركها الغياب داخل كل خيمة، وكل بيت مهدّم، وكل أم فقدت أبناءها أو زوجها أو إخوتها دفعة واحدة.
فقدان لا ينتهي
في خيمة مهترئة جنوب قطاع غزة، تجلس أم محمد ياسين(55 عامًا) على قطعة قماش رقيقة، تضم إلى صدرها صورة لابنتها التي استشهدت تحت أنقاض منزلهم في بيت لاهيا. لا تبكي كثيراً، كأن الدموع استُنزفت منذ زمن، لكنها تعيد سرد الحكاية كلما سألها أحد، كما لو أن الكلام وحده يبقي ابنتها حيّة.
تقول بصوت خافت: "خرجتُ للحظات أبحث عن الماء، وحين عدت لم أجد البيت. لم أجد شيئاً. فقط الركام وصوت الناس. بقيت أصرخ باسمها حتى المساء. قالوا لي: ابنتك استشهدت. لم أودعها، حتى الوداع سرقته الحرب". وتؤكد الأرقام الأممية أن ما تتعرض له نساء غزة لم يعد يُقرأ بوصفه أثراً جانبياً للحرب، بل بوصفه استهدافاً واسعاً ومباشراً ترك النساء والفتيات في صدارة المشهد الإنساني الأكثر فتكاً.
فقد قالت المتحدثة باسم هيئة الأمم المتحدة للمرأة صوفيا كالتروب، خلال إحاطة صحافية في جنيف، إن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة كنّ ضحايا للغارات الجوية والعمليات العسكرية الإسرائيلية بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2025، موضحة أن من بينهن أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يُقتلن يومياً.
ولم تتوقف الخسائر عند حدود القتل، إذ أوضحت كالتروب أن نحو 11 ألف امرأة وفتاة أُصبن بجروح بالغة، لكنهن نجون بإعاقات دائمة ستلازمهن مدى الحياة، في واقع يكشف أن النجاة في غزة لا تعني الخلاص، بل كثيراً ما تعني العيش بجسد مثقل بالألم، وذاكرة لا تتوقف عن النزف.
وفي غزة، لا تُقاس الحرب بعدد من استشهدوا فقط، بل أيضاً بعدد النساء اللواتي نجون بأجساد مبتورة، أو قلوب مكسورة، أو أعمار معلقة بين الفقد والبقاء.
في أحد مراكز النزوح بدير البلح، تجلس أم علاء حسين (34 عامًا) بين أطفالها الثلاثة، تحاول إطعامهم ما تيسر من العدس المسلوق. قبل أشهر فقط، كانت تعيش حياة بسيطة مع زوجها وأطفالها في حي الشجاعية. اليوم، لا بيت، ولا زوج، ولا شيء يشبه الحياة السابقة.
تقول: "استشهد زوجي وهو يحاول إخراج أمي من تحت القصف. في يوم واحد فقدت زوجي وأمي وأخي ، لم يكن لدي وقت للحزن ، وجدت نفسي في اليوم التالي أمّاً وأباً، ومعيلة، ومسؤولة عن كل شيء." تتوقف قليلاً، ثم تضيف:" الحرب لا تقتلنا مرة واحدة. هي تقتلنا كل يوم، حين يسألني ابني: متى سيعود أبي؟ وحين لا أملك جواباً." هذه التحولات القسرية في حياة النساء لم تعد استثناء، بل واقعاً عاماً فرضته الحرب. آلاف النساء فقدن الأزواج أو المعيلين، وانتقلن قسراً من موقع الرعاية المشتركة إلى مسؤولية الإعالة الكاملة، في ظل انعدام الدخل، وارتفاع الأسعار، وغياب فرص العمل، وانهيار شبه كامل في سبل الحياة.
تقول ريما نزال، عضو الأمانة العامة في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، إن خطورة التقرير تكمن في أنه لا يكتفي بإحصاء الضحايا، بل يكشف التحولات البنيوية التي ضربت حياة النساء في غزة.
وتوضح في حديثها أن النساء لم يعدن فقط ضحايا حرب، بل أصبحن في قلب استهداف مركّب يشمل أجسادهن، وأدوارهن الاجتماعية، وقدرتهن على النجاة والاستمرار.
وتشير إلى أن الانتقال من الحديث عن ربع الضحايا إلى ما يقارب النصف من النساء والفتيات يكشف تحوّلاً خطيراً في طبيعة الاستهداف، ويؤكد أن النساء أصبحن يدفعن كلفة الحرب على نحو مباشر وغير مسبوق.
النساء في مواجهة "الإبادة الإنجابية"
في خيمة صغيرة قرب خان يونس، كانت آلاء، وهي أم شابة في شهرها التاسع، تستعد للولادة على ضوء مصباح يعمل بالبطارية. لا سرير، لا طبيبة، لا ماء ساخن، ولا حتى خصوصية. إلى جوارها جلست امرأة مسنّة تساعدها بما تملك من خبرة بدائية.
تقول آلاء، بعد أيام من ولادتها لطفلتها:"كنت أخاف أن أموت أنا أو تموت طفلتي، لم يكن هناك مستشفى أذهب إليه، ولا سيارة تنقلني ، أنجبت طفلتي على الأرض، فوق بطانية، وأنا أسمع أصوات القصف." وتضيف وهي تنظر إلى رضيعتها: "حتى الولادة هنا صارت معركة نجاة". ما تقوله آلاء ليس مشهداً استثنائياً. فقد أدى تدمير المرافق الصحية، لا سيما خدمات الرعاية الإنجابية وصحة النساء، إلى كارثة مضاعفة. آلاف النساء الحوامل يواجهن خطر الولادة دون رعاية، ودون غذاء، ودون حد أدنى من الخدمات الطبية، في ظروف تصفها منظمات حقوقية ونسوية بأنها شكل من أشكال "الإبادة الإنجابية”، حيث لا يُستهدف الجسد فقط، بل القدرة على الحياة والإنجاب والاستمرار.
النزوح حين تفقد المرأة بيتها ودورها معاً
لا يقتصر الفقد على الأرواح وحدها، بل يمتد إلى البيوت والخصوصية والهوية الاجتماعية. في الخيام، تفقد النساء كل ما كان يمنحهن شعوراً بالحياة الطبيعية: مطبخهن، أسرّتهن، أبوابهن المغلقة، صور العائلة، ومساحتهن الخاصة.
تقول أم يزن اياد (33 عامًا)، وهي نازحة من جباليا: "أصعب ما في النزوح ليس الجوع ، الجوع يمكن احتماله، الأصعب أن تعيشي مكشوفة طوال الوقت، لا باب تغلقينه، لا زاوية تبكين فيها وحدك، لا مكان تحمين فيه بناتك.” ثم تهمس: "حتى الحزن في الخيمة ليس خاصاً.” هذا الانكشاف القسري جعل النساء أكثر عرضة للهشاشة النفسية والاجتماعية، وأكثر عرضة أيضاً للعنف والاستغلال، في ظل غياب الحماية، وانعدام المساحات الآمنة، وتفكك شبكات الدعم التقليدية التي كانت توفرها الأسرة والمجتمع.
الفقر بصيغة المؤنث
قبل الحرب، كانت النساء في غزة يواجهن مستويات مرتفعة من التهميش الاقتصادي، لكن الحرب دفعت هذا الواقع إلى حافة الانهيار الكامل. فمع فقدان مصادر الدخل، وتدمير الأسواق، وارتفاع الأسعار، أصبحت النساء في مقدمة من يواجهن الجوع والعوز، لا لأنهن الأضعف، بل لأنهن غالباً آخر من يأكل، وأول من يقتطع من حصته لأطفاله.
تقول أم لؤي، وهي أرملة نازحة من رفح: " أقسم الطعام بين أطفالي، وأقول لهم إنني أكلت، لم أذق الخبز منذ يومين، لكن المهم أن يناموا دون بكاء". تسكت قليلاً، ثم تضيف: "الجوع ليس أن تشتهي الطعام. الجوع أن تشاهد طفلك جائعاً ولا تملك له شيئاً." هذا الفقر، كما تشير تقديرات المؤسسات النسوية، لم يعد مجرد نتيجة للحرب، بل تحوّل إلى بنية يومية تعيد تشكيل حياة النساء على نحو قاسٍ، وتضعهن في مواجهة مستمرة مع الجوع، والعجز، والإنهاك، دون حماية أو سند.
النساء لا يحتجن الشفقة بل العدالة ما يوثقه تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وما ترويه النساء في خيام النزوح، لا يكشف فقط حجم الكارثة، بل يضع العالم أمام اختبار أخلاقي وسياسي طال تأجيله. فنساء غزة لا يحتجن إلى مزيد من توصيف الألم، بقدر ما يحتجن إلى حماية حقيقية، ومحاسبة، وعدالة، واستجابة دولية تتجاوز حدود البيانات والتضامن اللفظي.
ورغم كل ما فُقد، لا تزال النساء في غزة يحملن ما تبقى من الحياة يلدن تحت القصف، يدفنّ أبناءهن، يطعمن أطفالهن من الجوع، ويواصلن النجاة بأجساد منهكة وقلوب مثقلة بالفقد.
لكن صمودهن، كما تقول نساء كثيرات هنا، لا يجب أن يُقرأ بوصفه قدرة خارقة على الاحتمال، بل بوصفه دليلاً على حجم ما يُفرض عليهن من قسوة. في غزة، لا تنجو النساء من الحرب ، هنّ فقط يتقنّ تأجيل الانهيار.