جريس سبولاك / ترجمة: أحمد شافعي
في الرابع من يونيو سنة 2015، تعرضت لاعتداء جنسي وأوشكت أن ألقى حتفي. كنت قد أويت إلى سريري ذات مساء، كعادتي دائمًا، فقرأت، ثم أطفأت المصباح، ثم سمعت في العتمة صوت القطار البعيد، الذي يقعقع في مروره عند العاشرة والنصف من كل ليلة.
وأفقت بعد يومين من ذلك، في مستشفى، وبلا ذاكرة عما جرى لي، في جسم لم أعد قادرةً على حمله على العمل.
قالت لي طبيبة مقيمة بدا على وجهها التوتر إن "شخصًا اقتحم بيتك واعتدى عليك". طبيبة شابة. لعلها لم تعتد بعدُ إبلاغ الأخبار السيئة.
اضطربت حياتي بهذا: شخص اقتحم بيتك واعتدى عليك. دعكم من أنني لم أفهم ذلك. ودعكم من أنني لم أتذكر ذلك ولن أتذكره.
قضيت أسابيع في المستشفى. اعتلال دماغي: نقص الأوكسجين في مخي بسبب... بسبب ماذا؟ وسادة على وجهي؟ يدان حول رقبتي؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين.
كل ما يمكنهم قوله هو أنه منتشر وفي نطاق واسع، ومتعمق إلى أماكن لم أسمع بها من قبل: العقد القاعدية، النواة المذنبة، القشرة الجدارية، الفص الجبهي. تعافيت ببطء وباضطراب. بات جسدي رداءً لي، وغير ملائم. صارت أطرافي تتحرك بإيقاع الكتل الجليدية، بطيئة، بطيئة للغاية، بالغة البطء. يمر الدهر قبل أن تصل يداي إلى وجهي. لساني كالوحل، والكلمات التي ينطقها عديمة القوام شأن أليافه العضلية. وفي نهاية المطاف استرددت كثيرًا من قدراتي الجسدية. وأعرف أنني في هذا سعيدة الحظ. فبوسعي أن أعمل. وبوسعي أن أقوم على أمر نفسي. وبوسعي أن أعيش مستقلة.
لكن لا شيء مطلقًا كما كان من ذي قبل. مرت عليّ، ولا تزال تمر، لحظات يخذلني فيها جسدي. فينزلق كأس ماء من بين أصابعي التي لم تعد تتذكر كيف تمسك به، وإذا به حطام. والكلمة التي أريدها غير الكلمة التي أنطقها. فالحار بدلًا من البارد.
وأسوأ من ذلك اشتقاقاتي الغريبة، لكلمات من قبيل "مدصومة" و"مهفومة". وأفكاري تسلك مسارات غير متوقعة، وتتكص عشوائيًا، لتثبت على أشياء تافهة لا أفهم لماذا تملؤني رعبًا.
أتذكر ستائر شباكي القديمة فيتسارع نبض قلبي. صوت مكنسة كهربائية يفزعني. في هذه اللحظة، أشعر أنني مختزلة في حقيقة واحدة: شخص اقتحم بيتك واعتدى عليك.
حدث ذلك وأنا في الحادية والثلاثين، في الفترة التي كنت أحاول فيها أن أنتقل من العمل محاميةً في الخدمة العامة إلى برنامج الماجستير في الفنون والآداب، ثم عدلت عن تلك الفكرة، ولو في المدى القريب على الأقل، خلال فترة التعافي. شعرت أنني نافرة من الكتابة لأن الكتابة، شأن جسدي نفسه، بدت متمنعةً عليّ، غير طيعة كما كانت من قبل.
لم تعد بالتي يمكن أن ألوذ بها بحثًا عن الطمأنينة. لم تعد طريقتي في فهم العالم. والقصص التي سبق أن كتبتها بدت هشة وشفافة. عديمة العمق. بل لعلها، وهذا هو الأسوأ على الإطلاق، غير مثيرة للاهتمام، حتى اهتمامي أنا.
ومع ذلك، شعرت أني مكرهة على الكتابة، لا عن تجربتي، أو ليس عنها بالضبط، وإنما على كتابة قصص موضوعها العنف والصدمة والذاكرة. شعرت بذلك منذ اللحظة الأولى التي أفقت فيها في المستشفى. حاولت أن أتذكر التفاصيل، صفير أجهزة المستشفى التي كانت تشدني إلى الوعي، شكل أظافري في تقلقلها، في انفصالها عن أناملي، بقشرة الدم المتجلط عليها.
فكرت أنني قد أستعمل تلك التفاصيل. كنت أجد في القصة مهربًا.
لكنني كافحت كي أجد سبيلًا لكتابة ما مررت به. بدا أعوج مختزلًا. فما الذي يمكن أن أكتبه عن العنف فيفسر ضيق نفسي أو ذبول خلاياي العصبية؟ أو يفسر انحراف حياتي عن مسارها، والتفافها حول هذا الشيء؟
بدا أن القصص التي كتبتها تدور حول نفسها وتنهار. كل جهودي لتكوين حركة سردية كانت تتفكك وتنقطع. كل الأمزجة السردية التي تعلمتها لم تلائم تلك القصص. بدا مستحيلًا أن أكتب قصصًا عن أمور رهيبة فتكون تأملًا للصدمة وتطرح في الآن ذاته مجالًا للتغيير. وبدت شخصياتي عالقة مثلما كنت عالقة، حبيسة تكرارات لا تتوقف في عقلي.
بدأت أتساءل إن كانت للكتابة قيمة، أو لمزيد من التحديد، إن كانت لممارستي الكتابة قيمة. بدأت أشعر أنني أكتب أشياء قذرة، غير لائقة. في ذلك الوقت نشرت مجلة ذي نيويوركر مقالة باتت الآن مقروءة على نطاق كبير، وهي مقالة "المفتاح إليّ" لبارول سيجال. في هذه المقالة، تأسى سيجال على سطحية نوع معين من القصص المكتوبة عن الصدمات.
لكن زعمها المتعلق بحبكة الصدمة بدا لي بيانًا عن واقع تجربة الصدمة بقدر كونه بيانًا عن كيفية نجاح أو فشل قصة الصدمة.
صحيح أن تجربة الصدمة تتيح للكتاب أن يراوغوا تعقيدات الشخصية أو الحبكة، لكن تجربة الصدمة أيضًا تنطوي على عامل يؤدي إلى التضييق. فما جرى لي كان له طابع التقييد، مهما بلغت بي الرغبة في ألا يكون هذا صحيحًا، فإن لم أستطع أن أكتب عنه، فعن أي شيء تراني أستطيع الكتابة؟
بمنتهى الإنصاف، لا تحكم سيجال بعدم صلاحية الصدمة موضوعًا للكتابة. وتكتب أن "حبكة الصدمة، بين يدين بارعتين، ليست غير بداية، على أن يجري البحث عن الوسط والنهاية في مكان آخر. وعبر منفذ أوسع، نمضي من السجل العلاجي إلى السجل الجيلي والاجتماعي والسياسي. فتصبح مدخلًا إلى التاريخ وإلى اللغة المشتركة". لكن هل بوسعي أن أتناول حدود قصتي، وحياتي نفسها، فأستعملها للعثور على منفذ أوسع؟
وفيما كنت أجاهد لكي أفهم هذا الأمر قرأت رواية جايل جونز الصادرة سنة 1975 بعنوان "كوريجدورا". تبدأ الرواية بحدث عنيف، وأغلبها يتناول مساعي بطلتها للتواؤم مع هذا العنف والعنف الذي استولى على أسرتها على مدى أجيال. تستعمل جونز التكرار، وهو الشيء الذي أحبطني في أولى محاولاتي، لكي تبرز آثار الصدمة على شخصيتها ولخلق زخم سردي، ولاستعمال أثر الصدمة في خلق قالب سردي.
ولم أدر إن كان ينبغي أن أتبع مثل ذلك في كتابتي. فلعل تلك هي طريقة العثور على المنفذ الأوسع الذي قالت به سيجال.
بدأت أكتب قصصًا تتحطم على سواحل عوالمها الوعرة، لكنني بدلًا من التراجع كنت أتركها تتفجر. كتبت قصصًا حطمت نفسها بنفسها، وفي ذلك الحطام كنت أرى سبلًا لإعادة خلقها.
ماذا لو حولت القيود إلى إمكانيات؟ ماذا لو كتبت قصة تستعمل اللغة مثلما كنت أستعملها أنا في كثير من الحالات؟ أعني أن أستعمل كلماتٍ (مهفومة) مثل كلماتي. كلمات مكتوبة بغير ترتيب أحرفها. ماذا لو لم يظهر استعمال تلك اللغة في لغة الشخصية وحدها، وإنما في لغة نص القصة نفسه، كما يرويها الراوي العليم بضمير الغائب؟ بدت لي كتابة تلك القصة وكأنها توبيخ لنفسي وإصلاح لها في آن واحد.
وما كدت أفهم أنني قد أدفع قيود القالب ليلائم واقعي الشخصي، حتى بدت قصص أخرى وكأنها ملائمة لقالب كتابة الصدمة.
أخذت مقتطفات من محضر المحاكمة الذي كنت أقرأه بتدبر ديني، وقوائم من عينات الحمض النووي، سواء حمضي أنا أم حمض من اغتصبني وحاول قتلي، وجعلت منها هيكلًا لقصة، قصة تتحول فيها الشخصية وتتحور على طريقة الحمض النووي.
في قصة أخرى، تلاحق الصدمة أمًّا فقدت حضانة أبنائها لصالح زوجها السابق العدواني، وتلاحقها في صورة بقع حقيقية، سرب كامل من البقع، لكنها لا تدمرها كما قد نتوقع، وإنما تعلو بها على العالم، وترتقي بها فوق أنظمة لا تطرح لها أي راحة حقيقية أو أي مسار جديد.
بالكتابة على هذا النحو، عثرت على طريقة لاستغلال سمات من الصدمة ومن الإصابة الدماغية، من قبيل التكرارات المعتادة عند استعادة الذكريات، والإحساس بأن الحدث يلاحقني، والشذرات المفككة التي تستعيدها ذاكرتي، والقيود الجسدية التي لا أزال أعاني منها، وجعلتها جميعًا حالات حكائية. أعدت توظيفها. لم أعد أنظر إليها بوصفها قيودًا، وإنما بوصفها مداخل لكتابة أغرب مما كان يمكن أن أتصور، كتابة أرجو أن تمنح القراء وتمنح غيري من الكتاب بعض الإمكانيات.
لم تساعدني الكتابة على التعافي، ولكنها ساعدتني على أن أفهم أن التعافي لم يعد هدفي. منحتني وسيلة أتناول بها واقعي وأصوغ من حوله عالمًا وأقدمه للآخرين في صورة كتاب، وذلك ما مر علي حينٌ من الدهر حسبته من عداد المستحيلات.
صدر كتاب جريس سبولاك القصصي بعنوان "مجدلينا أذكى مما تتصورون" عن مطبعة أوتم.