لا تحتاج الشعوب إلى أن تشارك جيوشها في الحرب كي تكتوي بنارها. تصلها عبر الفواتير الاقتصادية، حين يرتفع سعر الوقود، وتتأخر الشحنات التجارية وترتفع أسعار تذاكر الطيران، وتبدأ المستشفيات في استشعار الشح في الأدوية والأدوات الطبية. وقد تتسلل الحروب عبر الموانئ مهما كانت بعيدة عن مرمى النيران، ويظهر أثرها في الحقول الزراعية عندما تتوقف سلاسل الأسمدة.
هذه هي قسوة الحرب الدائرة على ضفتي الخليج. اختارت واشنطن وتل أبيب طريق القوة، ثم انتقلت الكلفة إلى خرائط أبعد من ساحة القرار. وصلت للخليج عبر الصواريخ والمسيرات، ووصلت إلى لبنان عبر ارتداداتها العسكرية المباشرة، ووصلت إلى العالم عبر أسعار الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. لقد تعلمت الحرب الحديثة أن تسافر من غير جيوش. صارت تتحرك في شرايين العولمة.
صار مضيق هرمز مرآة معلقة أمام هذا العصر. لم تعد التجارة والطاقة وحدهما ما يعبر المضيق، صار يعبره وهم طويل بأن الاقتصاد العالمي يستند إلى شيء ثابت ومحايد ومحمي من جنون السياسة. يكفي تصريح واحد من طهران أو واشنطن حتى يتذكر العالم أن جزءا كبيرا من حياته اليومية معلق بأماكن لا يستطيع معظم الناس تحديدها على الخريطة.
قدمت العولمة لسنوات طويلة بوصفها حكاية انفتاح. قال منظروها إن البحار باتت شرايين التجارة، والأسواق جسور تمتد بين الحضارات، وحملت سلاسل الإمداد وعودا برخاء مشترك. غير أن الحرب كانت تكشف دائما وجها آخر لهذا الترابط، يتحول فيه الجسر إلى فخ كبير، والشريان إلى نقطة اختناق حد الموت. أما البحر، الذي تخيله العالم أفقا حرا، فقد تحول إلى بوابة عبور مأجورة، وميدان للقتال، وورقة مساومة. وهي ورقة لا تمسك بها إيران وحدها، كما تحاول السردية الغربية أن توحي؛ فالقوة الأمريكية تمسك بها أيضا حين تخنق العالم وهي تقول إنها تخنق إيران بالحصار.
تكشف اللحظة التي يمر بها العالم خللا أصيلا في بنية النظام، لا عارضا طارئا على هامشه. بقيت السلطة وطنية، وصارت المعاناة كونية. تستطيع دولة أن تشن ضربة، أو تفرض حصارا، أو تغلق ممرا، أو تلوّح بالتصعيد باسم السيادة. لكن النتائج لا تعترف بالسيادة، تمتد إلى أسواق الطاقة في آسيا، ومصانع أوروبا، وأسعار الغذاء في أفريقيا، وحسابات الأسر الهشة التي تعيش أصلا عند حافة الاحتمالات اليومية.
هذا هو مأزق الحروب التي تتحدث باسم الأمن ثم تصنع انعدام الأمن لملايين البشر. يتحدث جنرالاتها عن الردع والخطوط الحمراء في اللحظة نفسها التي يعيش فيها الناس العاديون والبسطاء لهيب التضخم والنقص والخوف. تبدو لغة الاستراتيجية مصقولة بينما تجربة ضحاياها فظة ومباشرة ومؤلمة.
يمر الطريق من هرمز إلى الجوع عبر أسعار الطاقة وكلفة الشحن وإنتاج الأسمدة والهوامش الضيقة التي يعيش عليها الفقراء. لم تعد الحرب تحتاج إلى قصف مزرعة كي تجعل الطعام أشح، أو إلى هدم مصنع للدواء كي يتوقف الإنتاج. يكفي أن تربك السلسلة التي تصل الوقود بالحصاد، والحصاد بالسوق، والسوق بوجبة العائلة.
لهذا تبدو العبارة المألوفة عن أن العالم يدفع ثمن حروب لم يخترها صحيحة، لكنها قاصرة. الفضيحة الأعمق بنيوية. نعيش في نظام دولي يكون فيه الأقل قدرة على التأثير في قرار الحرب هم الأكثر تعرضا لعواقبها. ليسوا مقاتلين، ليسوا مفاوضين، ومع ذلك يُستدعون إلى النزاع عبر الأسعار والديون والنقص والمستقبل الذي يضيع من بين أصابع أهله.
لا يصنع وقف إطلاق النار سلاما ما لم يتغير الخيال السياسي الذي قاد إلى الحرب. فالعالم لا يحتاج إلى هدنة تعلّق الخوف حتى الجولة المقبلة، ولا إلى مفاوضات تحفظ كبرياء المتحاربين وتترك الشعوب رهينة للأسعار والمضائق والحصار. يحتاج إلى سياسة تعترف بأن الأمن لا يولد من إخضاع الآخرين، وأن العولمة تفقد معناها حين تتحول من وعد بالتقارب إلى شبكة لنقل الألم. السلام الحقيقي يبدأ حين تتوقف القوة عن تحويل حياة الناس إلى ضمانة جانبية لمعارك لم يختاروها.