قلة من سمعوا باسم مها أبو خليل قبل أسبوع من اليوم، وقلة القلة من يتذكرون بحق معالم الاسم وسيرته في ذاكرة النضال العربي ضد الهيمنة الصهيونية على بلادنا. لكن القصف الإسرائيلي يذكرنا بما ننسى؛ ففي مساء الجمعة، 17 أبريل، وقبل دقائق قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي عن الهدنة الهشة في لبنان، اغتال الإسرائيليون مها أبو خليل في غارة جوية على مدينة صور. قصفوها في بيتها، فانتشرت خارجه وخرجت من كمون حكاياها التي مر عليها أكثر من نصف قرن. ذاع اسم مها أبو خليل وتطايرت صورتها في منشورات الأخبار، فكأن الخبطة الإسرائيلية أعادتنا إلى الذاكرة من أقاصي النسيان، وكأن التاريخ لم يستدعِ المناضلة الجنوبية المنسية إلا لقتلها على خشبة المسرح!
أما ذاكرة الحقد الإسرائيلية فلا تنسى! بل إن العدو يُذكّر بالقصف ليتذكر هو نفسه ما كان من مها أبو خليل قبل نحو 57 عامًا، حين أقدمت مع رفاقها في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على اختطاف طائرة تابعة لشركة الطيران الإسرائيلية «إل عال» التي حطَّت في مطار أثينا الدولي في ديسمبر عام 1969. هدفان كانا وراء العملية: لفتُ أنظار العالم للقضية الفلسطينية ومبادلةُ الرهائن بأسرى فلسطينيين وعرب في سجون الاحتلال. فشل الهدف الثاني بفشل العملية وإحالة الخاطفين الثلاثة إلى المحكمة اليونانية، فيما نجح الهدف الأول بصورة نصر واثقة التقطها الإعلام الغربي لشابة جميلة في مطلع عشرينياتها، تدخل قاعة المحكمة بأناقة واثقة لتُشهد العالم على عدالة قضية شعبها.
أُفرج عن مها أبو خليل عام 1970 ضمن صفقة تبادل بين الجبهة الشعبية والعدو الإسرائيلي. وعند استقبالها في بيروت سألتها الصحافة: لماذا جربتم العمليات الخارجية ودفعتم ثمن ذلك في السجن؟ فكان جوابها: «نحن في الجبهة الشعبية نرى أن إسرائيل ليست وحدها في المعركة ضدنا... ولا بدَّ لأي ثورة في العالم أن تحدد معسكر العدو بوضوح».
ولأن الأسماء تذكر ببعضها، يذكرنا اسم مها أبو خليل باسم امرأة عربية أخرى، هي ليلى خالد، أول نساء العُرب اللواتي اختطفن الطائرات، والتي كانت قد سبقت رفيقتها في العام نفسه بعملية ناجحة أجبرت طائرة أمريكية على تحويل وجهتها من تل أبيب لتحط في دمشق وقايضت رهائنها بالأسرى، قبل أن تعيد ليلى الكرة في العام التالي، مجددًا لاختطاف طائرة من طائرات إل عال الإسرائيلية، لكن العملية فشلت لتقع ليلى ورفاقها في الأسر.
كان الزمان زمان وديع حداد، المعلم السريّ، الخفيّ، المتحوّر، المجنّح، وصاحب الشعار الثوري «خلف العدو في كل مكان». شعار وديع حداد، الذي أرهق فيما بعد رفيق عمره الحكيم جورج حبش، كان يُلخص رؤيته الاستراتيجية للصراع انطلاقًا من ضرورة توسيع ساحة المعركة مع العدو الصهيوني وحلفائه الاستعماريين في المنطقة. فبتسديد ضربات موجعة تستهدف شبكة المصالح الحيوية واللوجستية للعدو وتركز على مفاصله الضعيفة، يمكن تخفيف الضغط عن خلايا المقاومة داخل الأرض المحتلة؛ حيث طورت إسرائيل أدواتها الأمنية والعسكرية في تتبع العمل الفدائي ومحاصرته مستفيدةً من انتصارها الساحق على الجيوش العربية في حربها الخاطفة عام 1967، ما أدى إلى ارتفاع كُلفة العمليات الفدائية، خاصة مع غياب الظهر والإسناد وانكفاء الأنظمة العربية نحو الداخل بفعل الهزيمة ونشاط أجهزتها الأمنية في ضبط الفدائيين المتسللين نحو الأرض المحتلة خشيةً من الرد الإسرائيلي.
في تلك الظروف الصعبة التي تركتها الهزيمة الكبرى، كان لا بدَّ من اللجوء إلى خيارات أوسع تفتح نطاق الاشتباك مع العدو على جبهات متفرقة ومتباعدة، وبأساليب تتجاوز قواعد الحرب التقليدية وما تكرَّس من منطق الصراع المقنن بظروف المكان. لقد أخرج «أبو هاني» الكفاح المسلح من ضيق الجغرافيا إلى ما أطلق عليه «المجال الخارجي» وترك لمن بعده الأثر المدوي، مهما اختلف المؤرخون عليه: ثائرًا كان أم إرهابيًا بنظر أجهزة الاستخبارات؟ ويُحسب له ولرفاقه أنهم غيروا طبيعة الاستعدادات الأمنية في مطارات العالم وعلموا الفيتناميين الطريقة.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني