حوار ـ حمود المحرزي / تصوير: فيصل البلوشي -

الرئيس التنفيذي لـ «تنمية معادن عُمان»:
- تحولات نوعية في القطاع.. ونستعد لبدءالحصاد مع تشغيل «مزون للنحاس» العام القادم
- تنافسية عُمان قوية في ظل وجود إطار تنظيمي محفز للاستثمار وتسريع إجراءات التراخيص
- مؤشرات للذهب المصاحب للنحاس.. ونتواصل مع شركات تمتلك تكنولوجيا حديثة لتعظيم الاستفادة 

يمرّ قطاع التعدين في سلطنة عُمان بمسارٍ تحوّلي كبير، يتماشى مع مستهدفات الاستدامة الاقتصادية والمالية، ويُعظّم الاستفادة مما تختزنه الجبال والصحاري من معادن وثروات، عبر تحويلها من مواد خام إلى قوة إنتاجية تعزّز نمو الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل للدولة.يأتي ذلك في توقيت يصب في صالح سلطنة عمان إذ يشهد الطلب العالمي على المعادن خصوصا النحاس والنيكل والكوبالت ذروة تاريخية، نظرا للديناميكيات والتغيرات الهيكلية التي يفرضها التوجه نحو الطاقة النظيفة والتطور التقني.  
وفي حوارٍ خاص لـ «عُمان»، استعرض المهندس مطر بن سالم البادي، الرئيس التنفيذي لشركة تنمية معادن عُمان، ملامح التحول في قطاع المعادن، وما يشهده من مشاريع استراتيجية ومؤشرات تعزّز الآفاق التي تسعى إليها سلطنة عمان، لإضافة قيمة حقيقية لمواردها التعدينية، من خلال إرساء سلاسل قيمة تمتد من استخراج الخام إلى الصناعات التحويلية ثم التصدير. مؤكّدًا أن شركة تنمية معادن عُمان تحقق تقدمًا على العديد من المستويات في القطاع، عبر تسريع أعمال الاستكشاف، وتوفير البيانات الجيولوجية الموثقة، وتعزيز الأصول، وتوسعة محفظتها الاستثمارية بمشاريع نوعية جاذبة للاستثمار.

وقال البادي إن العام القادم سيشهد بداية الحصاد، مع تشغيل مشروع «مزون للنحاس»، على أن تتبعه مشاريع استراتيجية أخرى تقود الشركة نحو الربحية وتحقيق عائدات مستدامة، وتُحدث أثرًا ملموسًا يشعر به المجتمع.

ويتجاوز طموح «تنمية معادن عُمان» الحدود، حيث أوضح الرئيس التنفيذي أن التوسع الخارجي يُعد جزءًا من استراتيجية الشركة للتحول إلى كيان رائد في صناعة التعدين، وترسيخ مكانة سلطنة عُمان على خريطة التعدين العالمية، عبر الاستثمار في أسواق تتمتع بإمكانات جيولوجية واعدة، لا سيما في الذهب والنحاس... فإلى تفاصيل الحوار:ـ

**media[3364226]**

بداية، في رأيكم لماذا بقي قطاع التعدين أقل حضورًا خلال العقود الماضية، رغم ما تمتلكه سلطنة عُمان من ثروات وإمكانات جيولوجية كبيرة؟

في تقديري، يعود ذلك إلى أن التركيز كان على النفط والغاز، نظرًا لسهولة استخراجهما وتحويلهما إلى إيرادات مباشرة عبر التصدير، وبآلية مستقرة استمرت لعقود... في المقابل، قطاع التعدين يختلف جذريًا، فهو قطاع يعتمد على الاستثمار طويل الأمد، ويحتاج إلى سنوات من أعمال الاستكشاف قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج، كما يتطلب بناء قاعدة بيانات جيولوجية موثوقة، وإعداد كوادر متخصصة، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين في هذا النوع من المشاريع عالية المخاطر نسبيًا.

إذن، كيف تغير هذا الواقع اليوم؟

في ظل مساعي سلطنة عمان لتنويع الاقتصاد ومصادر الدخل ضمن «رؤية عُمان 2040»، يُنظر اليوم إلى قطاع المعادن كأحد أهم القطاعات الواعدة، حيث أن «رؤية عُمان» تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد العُماني والاستفادة من مختلف الموارد والقطاعات، ولذا أصبح التوجه واضحا نحو تمكين قطاع المعادن، لما يمتلكه من إمكانات عالية لخلق صناعة حقيقية، وتوليد تدفقات نقدية ملموسة، وتوفير وظائف تقنية متخصصة، إضافة إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة بدءا من استخراج الخام، مرورًا بالصناعات التحويلية، ووصولًا إلى التصدير.. فعلى سبيل المثال، النحاس الذي تستخرجه سلطنة عُمان يمكن تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة مثل الأسلاك الكهربائية، وألواح الطاقة الشمسية، ومكونات بطاريات السيارات الكهربائية، وكل مرحلة في هذه السلسلة تسهم في مضاعفة القيمة المضافة والعوائد الاقتصادية.

ما دور شركة تنمية معادن عُمان في تعزيز هذا التحول النوعي في قطاع المعادن؟

دور شركة تنمية معادن عُمان لا يقتصر على تحقيق الربح أو رفع الإنتاج، وانما يتجاوز ذلك باعتبارها الذراع التنفيذية للدولة لتطوير هذا القطاع على أسس قوية تتماشى مع مستهدفات التنويع والاستدامة الاقتصادية والمالية. وتشمل هذه الأسس توفير البيانات الجيولوجية الأولية، وتطوير المشاريع وتأمين تمويلها، إلى جانب جذب شركاء دوليين وتوطين التكنولوجيا والخبرات.

التحول في قطاع المعادن أصبح واقعا ملموسا.. هل لك أن تطلعنا على أبرز الأرقام والمؤشرات؟

في صناعة التعدين، يمكن قياس الفرق بين الطموح والتحول الفعلي من خلال معيار جوهري يتمثل في القدرة على التفاوض حول مشروع محدد وتأمين التمويل له من بنوك ومؤسسات مالية دولية، وإقناعها بضخ مئات الملايين في المشروع. فالمستثمر في القطاع يُمنح القروض استنادا إلى بيانات جيولوجية موثوقة، ونماذج مالية قابلة للتدقيق، وأصول يمكن تقييمها وضمانها. وعندما ننجح في تحقيق ذلك، فإن هذا يُعد مؤشرًا واضحًا على التحول. وعلى سبيل المثال، مشروع «مزون للنحاس» تتجاوز موارده الجيولوجية ــ وفق معيار الاعتماد الأسترالي ــ حاجز 20 مليون طن من الخام، ما يضعه ضمن فئة المشاريع ذات الحجم الصناعي التي تحظى باهتمام الشركات العالمية. وقد بلغت نسبة الإنجاز في أعمال البناء والتشييد فيه نحو 37%، كما تم تأمين تمويل بقيمة 270 مليون دولار، ومن المتوقع بدء الإنتاج في الربع الأول من عام 2027، وهي مؤشرات عملية تعكس جدية التنفيذ وجاذبية المشروع استثماريا.

بعيدًا عن الإنتاج، ما الأثر الأوسع لهذا المشروع على القطاع؟

مشروع مزون للنحاس، من شأنه أن يعزز ارتباط سلطنة عُمان بأسواق المعادن الدولية، ويضعها ضمن قائمة الموردين الذين يتعامل معهم كبار المصنعين عالميًا. حيث نتحدث عن منشأة معالجة بطاقة 2.5 مليون طن سنويًا من الخام، لإنتاج مركزات النحاس التي تحقق قيمة أعلى بكثير مقارنة بتصدير الخام. وأثر المشروع ليس في الإنتاج المادي، ولكنه يمتد إلى بناء مرجعية وثقة في الاستثمار في قطاع التعدين، فنجاح أول مشروع تعديني في أي دولة يُعد نقطة تحول؛ إذ يثبت للمستثمرين كفاءة البيئة التشغيلية، وقوة الأطر التنظيمية، وقدرتها على دعم الاستثمار وتنفيذ المشاريع وفق المخطط. وهذه الثقة تترسخ من خلال التنفيذ الفعلي، لذلك فإن نجاح مشروع «مزون للنحاس» سيكون له الأثر الأكبر في تمهيد الطريق للمشاريع اللاحقة في قطاع المعادن.

إضافة إلى مزون للنحاس.. ما رؤية الشركة في تطوير المشاريع وفق التوجه نحو بناء قطاع متنوع ومستدام؟

تعمل شركة معادن عمان حاليا في 14 منطقة امتياز تمتد على مساحة تصل إلى 24 ألف كيلومتر مربع. ويجري تطوير عدد من المشاريع النوعية، يمثل كل منها نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا يتماشى مع توجهاتنا الاستثمارية الاستراتيجية، حيث يعتمد تطوير القطاع على مزيج من المشاريع التي تتكامل فيما بينها؛ فبعضها يرتكز على القيمة المضافة والتقنيات، كما في «مزون للنحاس»، بينما يعتمد البعض الآخر على الحجم والاتساق التشغيلي، كما في «مشروع الشويمية»، بما يضمن بناء قطاع تعديني متوازن وقادر على الاستدامة. ففي مشروع «الشويمية»، تبلغ الموارد الجيولوجية الموثقة نحو 2.5 مليار طن من الحجر الجيري، وأكثر من نصف مليار طن من الجبس. وسيتم تصدير هذه المواد عبر ميناء تعديني متخصص، بطاقة مناولة تصل إلى 27 مليون طن سنويًا، مع خطة لاستكمال البنية التحتية التصديرية بحلول نهاية عام 2029.  

في ظل تباين وتقلبات قد تشهدها أسعار المعادن، كيف تضمن هذه المشاريع توازن المحفظة الاستثمارية؟

  المعادن تختلف من حيث طبيعة أدائها في الأسواق؛ فبعضها، مثل النحاس، قد يشهد دورات من التقلبات السعرية، في حين تتميز المعادن الصناعية بتدفقات نقدية أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ. وهذا يجعلها أداة فعّالة لتنويع المخاطر داخل المحفظة الاستثمارية، إلى جانب دورها في توفير إيرادات تشغيلية يمكن توجيهها لتمويل الأنشطة الاستكشافية طويلة الأمد.وبطبيعة الحال، المحافظ الاستثمارية الراسخة تقوم على مبدأ توزيع المخاطر عبر أصول ذات معاملات ارتباط منخفضة، وقطاع التعدين لا يخرج عن هذه القاعدة. فالنحاس يعد اليوم من أكثر المعادن جاذبية عالميًا، لارتباطه بالتحول نحو الطاقة النظيفة، وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على النحاس سيتضاعف بحلول عام 2040، نتيجة التوسع في السيارات الكهربائية وشبكات الطاقة المتجددة. وهذا يعزز من جاذبية الاستثمار فيه على المدى الاستراتيجي. وبالرغم من جاذبية النحاس، إلا أنه قد يتأثر بدورات التباطؤ الاقتصادي العالمي، مما ينعكس على أسعاره. وهنا يأتي دور المعادن الصناعية، مثل الحجر الجيري والجبس، حيث يرتبط الطلب عليها بالنشاط الإنشائي والصناعي على المستويين المحلي والإقليمي، وهذا يجعلها أكثر استقرارًا وأقل تأثرًا بالتقلبات العالمية. وبناء على ذلك تعتبر المعادن الصناعية عنصر حماية للمحفظة الاستثمارية، حيث توفر تدفقات نقدية مستقرة تسهم في حماية المحفظة خلال فترات انخفاض أسعار النحاس، وتحقق توازنًا بين النمو والاستقرار.

ما ملامح التطور في تعظيم القيمة المضافة عبر التوسع في التصنيع؟

هناك توجه واضح نحو استغلال الموارد والخامات بالاستثمار في التصنيع ما بعد الاستخراج، باعتباره مرحلة مهمة في تطوير القطاع. ويمكن ان نشير هنا على سبيل المثال إلى مشروع «صحار تيتانيوم»، المتوقع تشغيله نهاية العام الجاري، ويستهدف إضافة بُعد ثالث للمحفظة يتمثل في التصنيع.. والمشروع يقوم على تحويل معدن الإلمنيت إلى ثاني أكسيد التيتانيوم، وهي مادة تدخل في العديد من الاستخدامات الصناعية، مثل الطلاء والبلاستيك وصناعات الطيران. وهذا التحول يمثل قفزة نوعية في القيمة المضافة، وينقل الاقتصاد من تصدير المواد الخام إلى إنتاج منتجات تحويلية ذات عوائد أعلى، وهو ما يشكل أحد الأهداف الرئيسية للاستثمار في هذا القطاع.

أنجزتم مرحلة كبيرة من عمليات المسح، ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها على مستوى الاستكشاف؟

بالفعل، السنوات الخمس الماضية شهدت تنفيذ برنامج واسع للمسوحات الجوية الجيوفيزيائية، غطى أكثر من 153 ألف كيلومتر من خطوط الطيران. وخلال العام الماضي فقط، بلغ إجمالي الحفر الاستكشافية 385 حفرة، مع تحليل ما يزيد على 34 ألف عينة في مختبرات دولية معتمدة. ولا شك ان هذه البيانات تسهم بشكل مباشر في تقليل مستوى عدم اليقين لدى المستثمرين، وهو أحد أبرز التحديات في جذب رأس المال لقطاع التعدين. فكلما زادت جودة البيانات ودقتها، ارتفعت ثقة المستثمرين، وتسارعت وتيرة تدفق الاستثمارات إلى القطاع.

وماذا عن مؤشرات المسح للذهب؟ وهل هي واعدة بما يشجع على الاستثمار؟

فيما يتعلق بالذهب، ما زلنا في مرحلة الاستكشاف وهناك مؤشرات سطحية لكن تأكيد المخزون يتطلب الحفر أولا. وحتى الآن ما تم التوصل إليه هو الذهب المصاحب لخام النحاس، وفنيا يصعب استخراجه بنسبة عالية بسبب تكوينه الجيولوجي، ونتواصل مع بعض الشركات التي تمتلك تكنولوجيا حديثة تتيح زيادة نسبة الاستخراج لتعظيم الاستفادة من الذهب المصاحب للنحاس في مشروع مزون.

نتحدث عن موارد ثرية واستكشافات موسعة ومشروعات استراتيجية، ما الأثر الفعلي الذي يلمسه المواطن والمجتمع اليوم من هذا التطور في القطاع؟

تحقيق أثر وطني ملموس يأتي في صميم اهتمامنا ومسؤوليتنا. ونقيس نجاحنا بمدى مساهمتنا في تحقيق المستهدفات الوطنية ماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وما تم إنجازه حتى الآن يركز على بناء الأسس التي ستمكّن من تحقيق حصاد أكبر في هذه الجوانب خلال المرحلة المقبلة. وهناك تركيز على التعمين وبناء الكوادر الوطنية في مشاريعنا، ففي شركة مزون للتعدين المطورة لمشروع «مزون للنحاس» بلغت نسبة التعمين 75%. والأهم من ذلك هو التقدم في توطين الوظائف النوعية، مثل مهندسي التعدين، وجيولوجيي الاستكشاف، ومديري المواقع. ونعمل باستمرار على تضييق الفجوة في هذه التخصصات من خلال برامج تدريبية مشتركة مع جامعات متخصصة.

وما أثر ذلك على نمو الاقتصاد والشركات المحلية وسلاسل التوريد؟

شركة معادن عمان ملتزمة بسياسات تعظيم المحتوى المحلي لإدراكها أهمية ذلك في النهوض بالاقتصاد الوطني بكافة قطاعاته، وقد شهدت سلسلة التوريد المحلية تطورًا ملحوظًا، حيث ارتفع عدد الشركات العُمانية المتخصصة المرتبطة مباشرة بقطاع التعدين من قرابة 10 شركات قبل خمس سنوات إلى أكثر من 40 شركة اليوم. كما بلغت قيمة الإنفاق على الشركات الصغيرة والمتوسطة خلال العام الماضي نحو 4.8 مليون ريال عُماني، بما يتجاوز 32% من إجمالي الإنفاق، وهو ما يسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي وخلق فرص في قطاعات متعددة.ونعمل بالتكامل مع وزارة الطاقة والمعادن والجهات المعنية بالقطاع على تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10% بحلول عام 2040. والأثر الأعمق لما يشهده القطاع من تحول لن يكون فقط في رفع نسبة المساهمة في الناتج المحلي، وانما في بناء جيل من الكوادر العُمانية القادرة على إدارة مشاريع تعدين على المستوى الدولي، بما يعزز استدامة القطاع ويضمن استمرارية أثره الاقتصادي والمعرفي على المدى الطويل.

ضمن جهود تطوير قطاع المعادن، ما أبرز التحديات التي واجهتكم؟

التحديات في القطاع لم تكن جيولوجية ولا مالية - فكلاهما واجهناهما وتعاملنا معهما، ولكن التحدي الأهم هو بناء الكوادر الوطنية لإدارة مشاريع التعدين، وهذا النوع من الكفاءات لا يمكن بناؤه بسرعة، فمهندس التعدين يحتاج إلى سنوات من الخبرة الميدانية الحقيقية، وجيولوجي الاستكشاف يحتاج إلى تراكم معرفي. ونسعى إلى أن تصبح نسبة التعمين في المستويات التشغيلية التخصصية أعلى مما هي عليه اليوم، بالتعاون مع شركائنا الأكاديميين. كما أن هناك تحديات أخرى مثل إدارة التنسيق في بيئة عمل تتسم بتعدد الجهات المنظمة، وقد يحدث تباين بين بيانات الاستكشاف المبدئي وما يكشف عنه الحفر التفصيلي في مناطق الامتياز، وهو أمر طبيعي في صناعة التعدين عالميًا - ويسمى مخاطر الجيولوجيا - لكنه قد يؤخر جداول التمويل في بعض الامتيازات، وندرج مثل هذه التطورات في تقاريرنا بشفافية كاملة مع المساهمين.

كيف يبدو موقع سلطنة عُمان اليوم في المشهد التعديني العالمي؟

التواجد على الخريطة التعدينية العالمية يحدده ثلاثة عوامل هي حجم الموارد الجيولوجية، وجاذبية بيئة الأعمال، وسرعة الوصول إلى الأسواق. وسلطنة عُمان تمتلك هذه العوامل لكن بدرجات متفاوتة، فعلى مستوى الجيولوجيا، الوضع متميز والطابع الجيولوجي العُماني يحمل إمكانات استكشافية لم تُستغل بعد، ومشابهة في بعض سماتها للأحزمة التعدينية الكبرى في القارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية. لكن الإمكانات الجيولوجية بدون بيانات موثقة لا قيمة لها أمام مستثمر دولي يشترط وجود دراسات وفق معايير دولية قبل أي نقاش حول المشروع، لذلك خصصنا موارد كبيرة لتوثيق هذه البيانات، وقد أسفر عن برامج المسح الشاملة التي تمت خلال السنوات الماضية.

أما على مستوى بيئة الأعمال، فسلطنة عُمان في وضع تنافسي قوي؛ إذ أن إجراءات الترخيص أصبحت أكثر وضوحًا وسرعةً، والإطار القانوني والتنظيمي للامتيازات التعدينية يوفر الحماية اللازمة للمستثمر، كما أن الاستقرار السياسي الذي تنعم به سلطنة عمان ميزة فريدة يُدركها المستثمر الدولي قبل أن نُخبره بها. وعلى مستوى الوصول إلى الأسواق، فهذه ربما الميزة الأقل استثمارًا حتى الآن، رغم أن سلطنة عُمان تقع بالقرب من أسواق الاستهلاك الضخمة في الهند والصين وشرق آسيا، وهذا الموقع الجغرافي يُقلص تكاليف الشحن ويرفع جاذبية المنتج العُماني مقارنةً بالمنافسين في مناطق أبعد. وعلى الرغم من وجود منافسين آخرين قطعوا شوطًا أبعد بكثير، الا أن مسارنا التصاعدي واضح، والفجوة مع المنافسين تضيق بخطوات مدروسة.

ماذا عن خطتكم للتوسع الخارجي، وما الانعكاسات المتوقعة على الاقتصاد الوطني؟

التوسع الخارجي لا بد أن تكون له أهداف واضحة ومدروسة، وهو جزء من استراتيجيتنا للتحول إلى شركة رائدة في صناعة التعدين وتعزيز مكانة سلطنة عُمان على خريطة التعدين العالمية، وكل فرصة نُقيِّمها تخضع لتحليل ودراسة منهجية مرحلية صارمة قبل أن نُقدم على أي التزام. ونسعى للاستثمار في أصول في أسواق تتمتع بإمكانات جيولوجية واعدة في الذهب والنحاس، ويتم الافصاح عن تفاصيل كل استثمار عند اكتمال مراحل الدراسة والتفاوض. واختيار هذه الفرص يجري وفق ثلاثة معايير هي قُرب الأصول من الإنتاج أو من احتياطيات مؤكدة تُقلل مخاطر الاستكشاف، وتوافر بيئة تشغيلية يمكن إدارتها بكفاءة، وإمكانية نقل المعرفة والخبرة إلى فرقنا العُمانية. والهدف الاستراتيجي من هذا التوسع هو تنويع مصادر الإيرادات، وبناء كوادر عُمانية تكتسب خبرة تشغيلية في جوانب جيولوجية وبيئية متنوعة.

إلى أي مدى يدعم التوقيت الحالي في أسواق المعادن العالمية تحقيق نقلة حقيقية في القطاع ؟

بطبيعة الحال، التوقيت الحالي يصب بشكل كبير في صالحنا، إذ تفرض التغيرات والديناميكيات العالمية التوجه نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على الهيدروكربونات، ما يخلق طلبًا متصاعدًا على المعادن مثل النحاس والنيكل والكوبالت، وهي معادن أساسية في الطاقة النظيفة. على سبيل المثال، تحتاج السيارة الكهربائية الواحدة إلى أربعة أضعاف كمية النحاس مقارنةً بالسيارات التقليدية، كما أن إنشاء شبكة طاقة شمسية بقدرة جيجاواط واحد يتطلب عشرات الآلاف من أطنان النحاس، وسلطنة عُمان تمتلك هذه الموارد في وقت يشهد فيه الطلب العالمي عليها ذروة تاريخية.

هل إدراج شركات المعادن في بورصة مسقط خيار مطروح ضمن المرحلة المقبلة؟

الإدراج في بورصة مسقط ليس هدفًا بحد ذاته، فهو أداة لتعظيم القيمة وتوسيع قاعدة المساهمين، ويتطلب أصولا ناضجة وتدفقات نقدية موثقة وطرح استثماري قائم على أرقام تشغيلية، والسوق يتفاعل مع الأصول القوية، وفي مشاريع مثل مزون للنحاس، حين يبدأ الإنتاج التجاري في عام 2027، ونتجاوز السنة التشغيلية الأولى، ونُثبت أن المشروع يمضي حسب المخطط والتكاليف التشغيلية تسير وفق النماذج المالية المعتمدة، والتدفقات النقدية تتحول من متوقعة إلى مُسجّلة في ميزانيات مدققة - عندها يصبح الإدراج واردا. ولا شك أن إدراج أصول تعدينية جاذبة في بورصة مسقط سيكون حدثًا استثنائيًا في تعميق سوق رأس المال العُماني وجذب الاستثمارات، فضلا عن أن الإدراج يتيح للمواطن فرصا للاستثمار وشراكة في ثروات بلاده وحصةً مباشرةً في القطاع الذي تُبنى عليه آمال اقتصادية وطنية كبيرة.

**media[3364199]**