تشارك سلطنة عُمان دول العالم في الاحتفال باليوم العالمي للطبيب البيطري، والذي يُحتفل به في مثل هذا اليوم من كل عام، حيث تم إقرار هذه الاحتفالية من قبل الاتحاد الدولي للطب البيطري قبل ٢٦ عامًا، ويأتي هذا الاحتفال تقديرًا للدور الرائد الذي يقوم به الطبيب البيطري، إلى جانب إبراز دوره الحيوي والمحوري في منظومة الصحة الواحدة المعنية بحماية صحة الإنسان والحيوان والبيئة، بما يعكس الأهمية المتنامية لهذا التخصص في ظل التحديات الصحية والبيئية المعاصرة.
وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من 60% من الأمراض الناشئة التي تصيب الإنسان هي في الأساس حيوانية المصدر، وعليه فإن حماية صحة الإنسان لا تبدأ من المستشفيات وحدها، بل تمتد لتشمل المزارع والمسالخ وسلاسل إنتاج الغذاء المختلفة والبيئة، وهو ما يبرز بوضوح حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المعنية، وفي مقدمتها الأطباء البيطريون، في التصدي للمخاطر الصحية قبل وصولها إلى الإنسان.
كما تقع المسؤولية على عاتق الأطباء البيطريين في سلطنة عُمان، الذين يقومون بأدوار رئيسية في حماية منظومة الصحة العامة وحماية المستهلك، وضمان وصول أغذية آمنة وصحية له، وهي أدوار تتجاوز حدود معالجة الحيوانات، لتشمل التصدي للأمراض المشتركة ومراقبتها من خلال تطبيق إجراءات الأمن الحيوي، وضمان سلامة سلاسل إنتاج الغذاء، مع الحرص على التزام المزارع والمسالخ ومصانع الأغذية بكافة الاشتراطات والمعايير الصحية المعتمدة، بما يعزز الثقة في المنظومة الغذائية ويحد من المخاطر الصحية المحتملة.
إن دور الطبيب البيطري لا يقتصر على القطاعين الزراعي والغذائي فحسب، بل يشمل قطاعات استراتيجية أخرى مثل القطاع الرياضي والقطاعين الأمني والعسكري، حيث يساهم الطبيب البيطري في حماية صحة وسلامة الحيوان، مع التأكد من تطبيق الإجراءات الوقائية اللازمة لضمان حماية صحة الإنسان والحيوان في مختلف الفعاليات الرياضية مثل سباقات الخيل والهجن والعروض المختلفة، علاوة على دوره المهم في ضمان المنافسة الشريفة فيها من خلال منع استخدام المواد المنشطة التي قد تؤثر على نتائج هذه السباقات، بما يعزز النزاهة ويحافظ على القيم المرتبطة بهذه الأنشطة.
وتزداد مسؤوليات ومهام الطبيب البيطري في ظل توجه أغلب دول العالم عمومًا، وحكومة سلطنة عُمان خصوصًا، نحو تعزيز الأمن الغذائي وضمان استدامته، لما له من دور استراتيجي في منع الكثير من الممارسات الخاطئة مثل سوء إدارة المخلفات الحيوانية، والاستخدام العشوائي للمستحضرات البيطرية، اللذين يشكلان خطرًا كبيرًا على منظومة الصحة الواحدة، من خلال ظهور الأمراض المشتركة، ونشوء ظاهرة المقاومة الميكروبية للمضادات الحيوية، وتلويث البيئة، وحدوث الكثير من الخسائر الاقتصادية، وهو ما يستدعي تعزيز الوعي وتكثيف الجهود الوقائية.
وإلى جانب ذلك كله، تقوم منظومة الصحة الواحدة على التكامل وتعزيز الجهود بين كافة الفئات القائمة عليها، مثل الأطباء البيطريين والأطباء البشريين وخبراء البيئة وصناع القرار، الذين يقومون بوضع الخطط الوقائية للتصدي للأزمات المختلفة وآلية إدارتها، عوضًا عن الاكتفاء بالتعامل معها عند وقوعها.
لقد ساهم الطبيب البيطري في دعم وتعزيز قدرات الكشف المبكر عن المخاطر الصحية، مع تحسين كفاءة وآليات الاستجابة لها، باعتباره شريكًا أساسيًا في دفع عجلة التنمية الوطنية وحماية الصحة العامة، وإسهامه بشكل إيجابي في أن تكون سلطنة عُمان في مصاف الدول الرائدة في هذا المجال، إضافة إلى كونها نموذجًا إقليميًا رائدًا في تطبيق مفهوم الصحة الواحدة، وذلك بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040» التي تضع الصحة والاستدامة في مقدمة أولوياتها التنموية.
ويبقى أن نشير إلى أن مسؤولية حماية الصحة العامة هي مسؤولية وطنية مشتركة تقع على عاتق الجميع، وتتطلب تضافر الجهود بين مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية، حيث يقف الطبيب البيطري في قلب هذه المنظومة المتكاملة كحلقة وصل رئيسية بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، ويسهم بجهوده المتواصلة وخبراته المتخصصة في حمايتها وتعزيز الأمن الصحي والغذائي بها، بما يعكس أهمية هذا الدور وضرورة دعمه وتعزيزه على مختلف المستويات.