مئات وربما آلاف من الرسائل الإلكترونية تصدر من ملايين الحسابات، تنتشر في أماكن عدة من العالم، هدفها الأول والأخير هو جمع أكبر قدر من «الاشتراكات والإعجابات والتعليقات»، أغلبها لا تأتي بالجديد المفيد، بل إعادة تدوير للأخبار دون التيقن من صدقها وتضليلها، المهم أن يتم تناقلها من حساب إلى آخر دون تريث لكشف المصداقية، سواء كان خبرًا أو صورة، لتتحول كل القصة إلى «إشاعة مغرضة»، في مشهد يعكس خطورة هذا السلوك وتأثيره الواسع في تشكيل الرأي العام.
حالة من التهور والتسرع يصاب بها بعض منشئي المحتويات الرقمية، تجعله يغرد خارج السرب، ليكتشف أنه كان على خطأ، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن يكون قد أسهم في نشر محتوى قد يسبب ضررًا كبيرًا لا يمكن تداركه بسهولة.
تغريدته أصبحت حديث الناس، ويتم تداولها على أنها واقع حقيقي، بينما هي عكس ذلك تمامًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بحادثة معينة، ثم سرعان ما يكتشف بأن كل ما نشره المغرد كان «خطأ غير مقصود»، وأن المحتوى الذي نشره غير صحيح، والأمر لا يتعلق بالحقيقة، بل هو جزء من «تضليل» تم بواسطة الذكاء الاصطناعي، وحتى يخلي نفسه من المسؤولية «بكبسة زر» يُزال المحتوى وكأن شيئًا لم يكن، بينما الناس تتداوله وتتحدث عنه وربما تتضرر منه بشدة، وهو ما يبرز حجم المسؤولية المترتبة على النشر غير المسؤول.
القصة لن تنتهي بحذف المنشور، فهناك مئات الحسابات قامت بنقله بسرعة البرق، وآلاف المجموعات التواصلية تداولته بتوسع، كلٌّ حسب روايته للمنشور، والسؤال المطروح: في هذه الحالة من المسؤول عن إحداث هذا النوع من البلبلة في صفوف المجتمع؟ سؤال مشروع يفرض نفسه في ظل هذا الانتشار غير المنضبط للمحتوى.
الأخبار التي تهم الوطن والمواطن وتمس بحياة الناس، يجب أن يكون هناك حذر وتحقق قبل تناولها، في عالم التزييف الإلكتروني، ليست كل صورة تطابق الواقع، وليس كل خبر يكون صحيحًا، فالتضليل الإلكتروني أصبح ظاهرة عالمية، ليس فيها استثناء أو انتقاء، بل فيها ترهيب وتخويف للآمنين، وتأثير مباشر في استقرار المجتمعات.
الجهات المختصة حذرت مرارًا وتكرارًا من مغبة الانسياق وراء نشر الصور الملفقة والأخبار الكاذبة، ووضعت قيودًا للحد من ظاهرة نشر المحتوى غير الصحيح الذي يمس بالأمن واستقرار الوطن، في إطار حرصها على حماية المجتمع من هذه الممارسات السلبية.
على مدى أشهر العام، يتداول رواد التواصل الاجتماعي مقاطع مرئية حول موضوع معين، البعض يجتزئ من المقطع الذي تم نشره إلكترونيًا، ويستخرج عدة صور بهدف نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، على اعتبار أنه يقدم الجديد والمفيد، بينما الواقع قد يكون مغايرًا تمامًا لما يتم تداوله.
ولكن بعد ساعات قليلة، يأتي النفي من الجهة المختصة، التي تشير في بيانها على موقعها الإلكتروني، بعدم صحة ما يتم تداوله، موضحة بأن هذا الادعاء «مفبرك بالكامل»، وتم توليده بالذكاء الاصطناعي، ولا يمت للواقع بصلة، محذرة من تصديق أي إشاعة، وهو ما يؤكد ضرورة التثبت قبل النشر.
هذه السلوكيات، للأسف، لم تعد جديدة أو فريدة من نوعها، فهناك العشرات من المقاطع والصور التي يتم تداولها، وتلقى اهتمامًا بالغًا من المتربصين والمهتمين بهذه الأمور، خاصة ممن يجدون الوقت الكافي للاستقبال والإرسال، أو ينتظرون فرصة الظهور إلى العلن، حتى ولو كان خروجهم يحدث بلبلة بين الناس، على اعتبار أنه مجرد «حراك اجتماعي»، في حين أنه قد يحمل آثارًا سلبية كبيرة.
يبدو أن مشكلة المنصات التفاعلية ووسائل التواصل الاجتماعي لن تنتهي، لهذا تحتاج مثل هذه القنوات والصفحات والحسابات إلى مزيد من تشديد «القوانين الرقابية»، ومن ثم طرحها للنقاش عبر وسائل الإعلام، حتى يعي الآخرون خطورة الجرم المجتمعي الذي يقومون به، سواء بقصد أو بدون، مع التذكير بأن أغلب المستقبلين لما يتم تداوله إلكترونيًا لا يكلفون أنفسهم التركيز في المحتوى الذي وصلهم، بل يقومون بتحويله مباشرة إلى مجموعات التواصل المختلفة، على أنه حدث مهم يتم «تداوله الآن»، دون أدنى تحقق أو تمحيص.
كثيرًا ما نسمع بأن الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية، ولهذا فإن المساس بأمن الوطن والمواطنين هي خطوط حمراء لا يجب الاقتراب منها، مهما كانت الدوافع أو الحجج أو المبررات، فالوطن أمانة عظيمة يجب أن نحافظ على أمنه وسلامته، وراحة المواطن أيضًا غاية وأهمية كبرى في المجتمع، يُحاسب عليها القانون في حال تجاوز أي حق من حقوقه، وهو ما يستدعي وعيًا أكبر ومسؤولية جماعية في التعامل مع المحتوى المتداول.