لا يمكن بحال حصر جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق أطفال فلسطين، بالنسب المرتفعة من الشهداء أو المصابين من بينهم، فالقتل ما هو إلا واحد من مظاهر هذا الانفلات والجنون، وهناك إلى جانبه الكثير الكثير مما يتغلغل حقداً دفيناً يستهدف جيلاً بأكمله.


هي مواجهة مبكرة مع القتل، يلمسها المتابع لمشاهد القمع والتنكيل اليومية، التي يمارسها جيش دموي مدجج بالإجرام، بحق أطفال يافعين، لتترك بصماتها على أجسادهم الغضة، وتفرض سيطرتها على هواجسهم.


وربما تجاوزت معاني الطفولة عند الفلسطينيين، ذلك المعنى الوحيد لهذه الكلمة في شتى أنهاء العالم، ففي فلسطين يولد الأطفال شباباً، بل وعمالقة، إذ باتت كل أحاديثهم في السياسة، وأولئك هم من يرضعون زيت الزيتون، ويرافقون الحجر، لكنهم يحتاجون لشيء من الأحلام البكر، وأشياء من الطفولة.. تلك التي باتت تستفز وحشية قناص الاحتلال، الذي عوّد رصاصه على رائحة دم الطفل الفلسطيني، لدرجة بات هذا القناص وحشاً لا يشبع!.


في حكايات استشهاد الأبناء والآباء، بُعد آخر لقهر الطفولة في فلسطين، فتراهم يسيرون في مواكب تشييع آبائهم، بشيء من الذهول وكثير من التحدي، ومفاعيل غضب مسكون بالحيرة، بينما تبدو الوجوه مزدحمة بأسئلة صعبة، تسمع في هتافاتهم صراخاً مبحوحاً، ربما لهذا لا يسمعهم العالم.. يرفعون شارات نصر ترسمها أصابع غضة، يظهرون في الجنائز على أكتاف المشيعين، يطالبون العالم بأن يحميهم من قتل بشع ومبكّر.


يستشهدون قبل الأوان..
في قرية المغيّر شمال شرق مدينة رام الله، تحدق عيون الفتية في الموت مبكراً، فماذا ستقول أمام غطرسة القوة لجيش دموي؟.. كأنها تصرخ في وجوههم الكالحة: "ليس بالساهل أبداً إقناعنا بوقف ثورتنا ضد رصاصكم القاتل إلى أن نتحرر منه".


اعتاد الطفل أوس حمدي النعسان (14) عاماً، على مرافقة والده للمشاركة في التظاهرات وفعاليات الاحتجاج على اعتداءات جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين في القرية، والتصدي لمحاولات حرق المنازل واقتلاع الأشجار، والتوسع الإستعماري الذي أخذ ينهش جسد القرية.


قبل 5 سنوات، استشهد والد أوس، خلال تصديه مع أهالي قريته لاعتداءات المستوطنين المنفلتين، كان حينها طفلاً في التاسعة من عمره.. رفع علم الوطن واخترق الجموع للمشاركة في موكب تشييع والده الشهيد، رفعه المشيعون على أكتافهم، حينها بدأت رحلة أوس المحفوفة بالمخاطر، ونحو مصير مجهول، كأنه يقول لقتلة والده: "هنا قاومنا بطشكم وقهركم، وهنا انتفضنا على إرهابكم، هنا صمدنا، وهنا قتلتم.. سنبقى وترحلون".


ثمة تشابه كبير في الميول، تولّد بين أوس ووالده الشهيد، كانت نظرات الطفل الغض تلاحق جسد والده المحمول على أكتاف المشيعين، ربما توطئة لما هو قادم، فأوس سيكبر قبل الأوان، سيتفرّغ لملاحقة قتلة والده.. ارتقى أوس شهيداً برصاصة اخترقت جسده وحقيبته، بينما كان عائداً من مدرسته، ليعيش تجربة الوالد، بطراز من دم.


يسحقهم الحزن..
كان الحزن يخيم ثقيلاً على أهالي قرية المغيّر، التي غزاها جنود الاحتلال، فأسقط رصاصهم خلال ستون دقيقة، الشهيدان أوس حمدي النعسان 14 عاماً، وجهاد مرزوق أبو نعيم 32 عاماً، وعدد من الجرحى، خلال اقتحام مفاجىء للقرية الغافية بين كروم العنب وأشجار الزيتون.


حتى حجارة القرية، بدت باكية على رحيل اثنين من أبنائها، فهز مشهد القتل الدامي قلوب الأهالي، الذين ما زالوا يستذكرون دماء الفتى الشهيد حمدان أبو عليا، وقبله الشاب عفيف أبو عليا، تنتابهم المخاوف من تكرار هذه الحوادث، التي أخذت تتعمق مع الاستهداف المستمر لقرية المغيّر، التي تحيط بها مستوطنات إسرائيلية عدّة، أبرزها "ألون" التي يعمل كيان الاحتلال على توسيعها على حساب أراضي المواطنين.


كانت ملامح الوجوه تشي بحجم القهر والألم، ويسحقها الحزن، فيما ثقل الصدمة لم يخرج ما تخفي القلوب التي في الصدور، لتفصح عن حقيقة الأوضاع التي تعيشها قرية المغيّر، والتي تجعل من جريمة قتل النعسان وأبو نعيم، جزءاً من سياق عام، يجمع أبناء القرية المستهدفة في قضية واحدة مشتركة، الدفاع عن الأرض.


وبدت كلمات المواطن ياسر الحاج، بليغة في التعبير عن معاناة أهالي المغيّر، وسرعان ما تحولت إلى شيء من الغضب، وانعكست على تعابير وجهه، وهو يروي حكاية مكملة للأخرى عن هجمات المستوطنين واقتحامات جيش الاحتلال لقريته، وما تواجهه من حرق ممتلكات ومنازل ومزروعات، ملخصاً المشهد: "المستوطنون لا يراعون أية حقوق لأطفال فلسطين، ويمارس جرائمهم دون حسيب أو رقيب، أما أطفالنا فيكبرون ويستشهدون قبل الأوان، بفعل الرصاص الذي يخترق أجسادهم الغضة.. نحن نعيش في حالة قلق دائم، والقتل لا يتوقف بحق أطفالنا وشبابنا".