كان جمهور دار الأوبرا السلطانية على موعد مساء أمس مع أساتذة الأغنية الخليجية في ليلة موسيقية غنائية استثنائية، قُدِّمت فيها باقة من أعذب ما رسخ في ذاكرة الجمهور الخليجي، وذلك بأداء الفنانين خالد الشيخ وأحمد الجميري، في أمسية امتزج فيها الطرب بالأصالة، والتجديد بالإحساس العميق، وسط حضور جماهيري لافت عكس مكانة هذا النوع من الفنون وقدرته على استقطاب مختلف الأجيال.
حلّ المساء، لكن الفنان أحمد الجميري أبى إلا أن يحوّل الليل إلى نهار، فافتتح الحفل بأغنية "تو النهار"، بموسيقاها المفعمة بالطفولة والفرح والحلم، وبعذوبة كلماتها التي كتبها الأمير محمد عبدالله الفيصل، حيث تفاعل معها جمهور الدار بشكل لافت، فيما قدّم الجميري الأغنية بإحساس عفوي يجعلها تبدو وكأنها تُغنّى للمرة الأولى، مستحضرًا روح اللحن ودفء الكلمة، في أداء يعكس خبرة طويلة في التعامل مع النص الغنائي وإعادة تشكيله على الخشبة.
صوت ممتلئ بالعاطفة
وتواصل التفاعل مع "تو النهار" ليطال أغنية "هلا باللي لفاني"، التي أخذت الجمهور في رحلة وجدانية غنية بالذكريات، إذ ما تزال الأغنية، التي تعود إلى سبعينات القرن الماضي، تحتفظ بروحها الموسيقية الأصيلة، وتمنح المستمع إحساسًا دافئًا يتجاوز الزمن، بفضل لحنها الشعبي الذي يستحضر أجواء البحر في الخليج ويستمر في جذب الأذن حتى اليوم، مع قدرة واضحة على إعادة إحياء الذاكرة الجماعية لدى الحضور.
واختار الفنان خالد الشيخ أن يبدأ مشاركته بأغنية "عيناك"، التي تُعد من أبرز أعماله في ثمانينيات القرن الماضي، وهي من ألحانه وكلمات الشاعر نزار قباني، حيث امتزج فيها العمق الشعري بجمال اللحن وتناسق الإحساس. وقد قدّم الشيخ مقاطع مختارة من القصيدة، في أداء هادئ التأمل، يغوص في عمق النص ويمنح كل جملة موسيقية بعدها الشعوري الخاص، دون انفعال مبالغ فيه، وإنما بإحساس متزن يفتح المجال للتأمل، في تجربة تعكس نضجًا فنيًا وقدرة على إعادة تقديم الأعمال بروح جديدة.
تفاعل جماهيري وانسجام موسيقي
واستطاع خالد الشيخ أن يجذب الجمهور عبر استحضار الذاكرة الموسيقية بأعماله ذات الحضور الجماهيري، فقدم أغنية "سافر" التي حملت المستمعين إلى حالة وجدانية عميقة، بلحنها البسيط والانسيابي الذي يشبه سرد الحكاية، ثم تبعها بأغنية "ضيّعوك" التي عكست مشاعر الفقد والخذلان والانكسار الداخلي في قالب موسيقي هادئ ومؤثر، ما جعل التفاعل معها يتجاوز الاستماع إلى حالة شعورية مشتركة بين الفنان والجمهور.
وانتقل الشيخ من الألحان الهادئة إلى الإيقاع الأعلى في أغنية "كمنجة"، حيث حضرت آلة الكمان بوصفها عنصرًا رئيسيًا، لتتحول الأغنية إلى مساحة تعبير موسيقي شبه خالٍ من الغناء، يترك للآلة مهمة البوح بالإحساس، في تجربة موسيقية تتقدم فيها الآلات لتقول ما تعجز عنه الكلمات، وسط تركيز تام من الجمهور الذي بدا مندمجًا مع كل تفصيلة لحنية.
وفي إطار التنوع اللوني، قدّم الشيخ أغنية "نعم.. نعم" ذات الطابع الشعبي المعاصر، بإيقاع أسرع نسبيًا وكلمات بسيطة، ما أضفى على الحفل تنوعًا في المزاج الموسيقي وتدرجًا في الإحساس، وأسهم في كسر النمطية وإبقاء التفاعل الجماهيري في ذروته.
واختُتمت الأمسية بمقطوعة "دويتو" جمعت الفنانين خالد الشيخ وأحمد الجميري، في لوحة ختامية مميزة، جاءت بأغنية "شويخ من أرض مكناس"، التي ظل الجمهور يطالب بها طوال الحفل، نظرًا لمكانتها الراسخة في الذاكرة الفنية العربية، رغم جذورها التي تعود إلى الشعر الغنائي الشعبي الأندلسي، وما تحمله من دلالات ثقافية تتجاوز حدود الجغرافيا.
وقد أعاد خالد الشيخ تقديم العمل برؤية موسيقية حديثة وإيقاع متجدد منح الأغنية حيوية إضافية، فيما أضفى أحمد الجميري عليها طابعًا طربيًا تقليديًا بصوته الدافئ المفعم بالعاطفة، ليصنعا معًا ختامًا فنيًا متقنًا، جسّد تلاقي الأصالة والتجديد في تجربة موسيقية رفيعة، تفاعل معها الجمهور بشكل كبير، وغادر على وقعها الأمسية محمّلًا بإحساس فني ممتد سيبقى حاضرًا في الذاكرة الموسيقية الخليجية والعربية.