نظم قسم أصول الدين بكلية العلوم الشرعية ندوة علمية متخصصة بعنوان «الأمن الفكري والهُوية الإسلامية»، وذلك بقاعة الإمام جابر بن زيد بمقر الكلية، برعاية المكرم الدكتور محمد بن سعيد الحجري عضو مجلس الدولة، وبحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين وطلبة العلم، في إطار الجهود العلمية الرامية إلى تعزيز الوعي الفكري وصيانة الهُوية الإسلامية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وجاء تنظيم هذه الندوة انطلاقا من المقومات الراسخة التي تقوم عليها سلطنة عُمان في الحفاظ على الهُوية العُمانية، وتعزيز قيم الولاء والانتماء الوطني، إلى جانب التصدي لمختلف الانحرافات الفكرية التي تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، في وقت يشهد فيه العالم انفتاحا غير مسبوق في تدفق المعلومات والأفكار، ما جعل المجتمعات أكثر عرضة للتأثيرات الفكرية المتنوعة.
العقيدة.. الركيزة الأساسية للأمن الفكري
في الورقة الأولى التي قدمها الدكتور خالد بن محمد العبدلي بعنوان «أثر العقيدة في ترسيخ الأمن الفكري»، تم تسليط الضوء على الدور المحوري للعقيدة في بناء الإنسان وتحصين المجتمع، حيث أكد أن العقيدة تمثل الحصن المنيع الذي يحفظ الفكر من الانحراف، ويمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وأوضح العبدلي أن النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية تزخر بالدلالات التي تؤسس لمفهوم الأمن، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، مستشهدا بدعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي جمع بين طلب إقامة البلد وطلب الأمن، في دلالة واضحة على مركزية الأمن في بناء المجتمعات.
كما أشار إلى أن العالم المعاصر يشهد تداولا واسعا لمفاهيم متعددة للأمن، مثل الأمن الغذائي والبيئي والإعلامي، إلا أن الأمن الفكري يظل الأكثر تأثيرا، كونه يتعلق ببنية الإنسان الداخلية، ويؤثر في سلوكه ومواقفه، وتناول الباحث إشكالية انتشار الشبهات الفكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستعرضا نموذجا لشبهة تتعلق بإنكار وجود الله، ومبينا أن كثيرا من المتلقين يعجزون عن التعامل مع مثل هذه الطروحات بسبب ضعف التأصيل العقدي، رغم تفوقهم الأكاديمي.
وأشار إلى أن هذا الواقع يكشف عن خلل في أساليب تدريس العقيدة، حيث يركز التعليم في كثير من الأحيان على الحفظ والتحصيل المعرفي، دون تمكين الطالب من أدوات التفكير النقدي والقدرة على تحليل الشبهات والرد عليها، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر في المناهج التعليمية بما يتناسب مع متطلبات العصر.
كما حذر من مظاهر الانحراف الفكري، سواء في صورة الغلو والتطرف، أو في صورة التفريط والتراخي، مؤكدا أن كلا الاتجاهين يشكلان خطرا على توازن المجتمع واستقراره، وأن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تعزيز قيم الوسطية والانضباط الذاتي.
دور كلية العلوم الشرعية في التحصين والاعتدال
وفي الورقة الثانية التي قدمها الدكتور أحمد محمد حسين بالاشتراك مع الدكتور حاتم بن رشيد السيابي بعنوان «إسهامات كلية العلوم الشرعية في تحصين الهُوية الإسلامية والاعتدال الفكري»، تم التركيز على الدور المؤسسي في مواجهة التحديات الفكرية، وأوضح الباحث أن الانفتاح الرقمي جعل العالم في متناول الجميع، حيث يمكن لأي فرد الوصول إلى مختلف الأفكار والمذاهب بضغطة زر، ما يزيد من أهمية وجود مؤسسات تعليمية قادرة على توجيه هذا الانفتاح وضبطه.
وأشار إلى أن كلية العلوم الشرعية تمثل نموذجا متميزا في هذا المجال، من خلال جمعها بين علوم الشريعة وأصول الدين واللغة العربية، إلى جانب الاقتصاد الإسلامي، ما يعزز التكامل المعرفي في بناء الطالب، ويمنحه رؤية شمولية تساعده على فهم الواقع والتفاعل معه، وأكد أن تحصين الهُوية الإسلامية يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية، هي: العقيدة، واللغة العربية، والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، موضحا أن هذه العناصر تشكل منظومة متكاملة تعزز الاعتزاز بالدين والانتماء الحضاري.
كما شدد على أن الاعتدال الفكري يمثل جوهر المنهج الإسلامي، الذي يقوم على التوازن بين الإفراط والتفريط، وبين متطلبات الدنيا والآخرة، مشيرا إلى أن الكلية تسهم في ترسيخ هذا المفهوم من خلال برامجها التعليمية وأنشطتها العلمية، وتحدث الباحث عن دور خريجي الكلية في مختلف المجالات، من القضاء إلى الدعوة إلى التعليم، مؤكدا أن أثر المؤسسة لا يقتصر على مبانيها، بل يمتد إلى عطاء أبنائها الذين يسهمون في بناء المجتمع.
"برهان الحق" ومنهج معالجة التهديدات الفكرية
وفي الورقة الثالثة التي قدمها سعيد بن عبدالله المنذري بالاشتراك مع الدكتور منصور محمد أحمد يوسف بعنوان «الأمن الفكري عند سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه برهان الحق»، تم تقديم قراءة تحليلية في هذا العمل العلمي الكبير.
وأوضح الباحث أن كتاب «برهان الحق» يمثل مشروعا فكريا متكاملا، استغرق إعدادُه أكثر من عشرين عاما، ويهدف إلى ترسيخ العقيدة السليمة وبناء منظومة فكرية تحمي المجتمع من الانحرافات، وقسم البحث التهديدات الفكرية إلى داخلية وخارجية، حيث تشمل التهديدات الداخلية قضايا مثل التكفير والتقسيم والإرجاء، بينما تشمل التهديدات الخارجية تيارات مثل الإلحاد والنسوية والشذوذ.
وأكد أن من أخطر مظاهر الانحراف الداخلي التوسع في التكفير، لما يؤدي إليه من تفكيك المجتمع وإثارة النزاعات، مشيرا إلى أن الخلافات الفقهية لا ينبغي أن تتحول إلى أسباب للإقصاء، كما بين أن مواجهة الإلحاد لا تتطلب تعقيدا فلسفيا بقدر ما تحتاج إلى إحياء الفطرة الإنسانية، التي تقود بطبيعتها إلى الإيمان بوجود الخالق، مشيرا إلى أن سماحة الشيخ ركز في كتابه على هذا الجانب، ودعا الباحث إلى ضرورة استثمار هذا العمل العلمي في بناء مناهج تعليمية وبرامج توعوية تعزز الأمن الفكري وتحافظ على هُوية المجتمع.
المنهج القرآني في بناء الأمن الفكري
وفي الورقة الرابعة التي قدمتها الدكتورة حنان بنت خلفان الصبحي بالاشتراك مع الدكتورة صبية بنت عبدالرشيد البلوشي والدكتورة مارية بنت عبدالله الدهماني بعنوان «الأمن الفكري وفق المنهج القرآني: قصة إبراهيم عليه السلام أنموذجا»، تم استعراض نموذج قرآني متكامل في بناء الفكر.
وبينت الباحثة أن الأمن الفكري يرتبط ارتباطا وثيقا بمقاصد الشريعة الإسلامية، خاصة حفظ الدين والعقل، وأن قصة إبراهيم عليه السلام تقدم منهجا عمليا في ترسيخ الإيمان ومواجهة الانحرافات الفكرية، واستعرضت منهجية إبراهيم عليه السلام في الحوار، التي جمعت بين الأسلوب العاطفي والعقلي، واستخدام التساؤلات لإثارة التفكير، إلى جانب المواجهة المباشرة للباطل، والإجراءات الوقائية مثل الاعتزال وتحطيم الأصنام، وأكدت أن هذا المنهج يوفر أدوات عملية يمكن توظيفها في الواقع المعاصر، من خلال تعزيز مهارات التفكير النقدي، وتشجيع الحوار، وتمكين الشباب من مواجهة الشبهات الفكرية بثقة ووعي.
الأمن الفكري في "عصر الخوف"
وفي كلمته الختامية قدم المكرم الدكتور محمد بن سعيد الحجري قراءة تحليلية لمفهوم الأمن الفكري، واصفا إياه بأنه قضية «قليلة القدر عظيمة الشأن»، تتصدر اهتمامات العالم في ظل ما وصفه بـ"عصر الخوف" و"عصر اللا يقين"، وأوضح أن العالم يشهد تفككا في المرجعيات القيمية التي كانت تضبط مفاهيم الخير والشر، ما أدى إلى حالة من الاضطراب وفقدان المعنى، مشيرا إلى أن هذا التفكك يهدد استقرار المجتمعات وهُويتها.
وأكد أن الدفاع عن الهُوية ليس تعصبا، بل ضرورة تمارسها جميع الأمم، مشيرا إلى أن كثيرا من الدول تتخذ إجراءات لحماية منظومتها القيمية، خاصة في ظل التأثيرات الرقمية المتسارعة، وطرح تساؤلا محوريا حول طبيعة التعليم الديني، متسائلا: «هل ندرس الإيمان أم ندرس الدفاع عن الإيمان؟»، مؤكدا أن بناء الإيمان هو الأساس الذي ينبغي أن يُقدم، لأنه يحقق الحصانة الداخلية للإنسان، كما دعا إلى الانتقال من التنظير إلى التطبيق، من خلال وضع برامج وطنية شاملة تعزز القيم وتحمي الأجيال، مع تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وحرية الفكر.