لندن "د. ب. أ": تدخل الحرب في السودان الآن عامها الرابع، في ظل غياب أي أفق واضح لحل أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ولذلك ينبغي أن تعطى الجهود الدبلوماسية الأولوية لعملية سياسية يقودها السودانيون أنفسهم، وذلك وفقا للمحلل السياسي أحمد سليمان، الباحث الأول ببرنامج أفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس).
وقال سليمان، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، في تحليل نشره المعهد إنه في أعقاب المؤتمر الدولي الأخير بشأن السودان، والذي عقد في برلين يوم 15 أبريل الجاري، يظل من الضروري بناء إطار موثوق لعملية سياسية شاملة يقودها المدنيون السودانيون، وتعزيز قنوات التنسيق بين هياكل الوساطة القائمة.
حرب إقليمية تقسم البلاد
وأشار سليمان إلى أنه في ساحة المعركة، لا يزال الطرفان الرئيسيان المتحاربان- القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى جانب تحالفاتهما - ويركزان على تحقيق نصر عسكري.
وتقسم السيطرة على السودان، حيث تسيطر القوات المسلحة السودانية على شمال وشرق البلاد، بينما تسيطر قوات الدعم السريع بشكل كبير على غرب السودان. وشهدت جبهات القتال الرئيسية تحولات مستمرة، حيث يتركز القتال حاليا في وسط البلاد وجنوبها الشرقي وفي ولايات كردفان الثلاث، بالإضافة إلى النيل الأزرق والنيل الأبيض.
ويرى سليمان أنه لا توجد مؤشرات على قدرة أي طرف على هزيمة الآخر بشكل كامل، كما لا يبدو أن الجمود العسكري قريب. ومن المرجح أن يسعى الطرفان إلى تحقيق مكاسب إضافية قبل موسم الأمطار (من يونيو إلى سبتمبر ) الذي يزيد من صعوبة العمليات العسكرية.
ومع ذلك، لن تخفف الأمطار معاناة المدنيين، الذين لا يزالون يتعرضون للاستهداف العشوائي، في ظل تكثيف الجانبين استخدام الطائرات المسيرة التي يتم الحصول عليها من الخارج ضد البنية التحتية المدنية.
ويقول سليمان إن المصالح الإقليمية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر تواصل التأثير على طرفي الصراع في السودان. كما أن توطيد التحالفات الإقليمية المتنافسة يعوق إحراز تقدم حقيقي، مما يزيد من تعقيد الاستجابة الدبلوماسية المقسمة.
مشهد دبلوماسي معقد
وفي ظل تعقيد المشهد، ظل التقدم الدبلوماسي نحو وقف إطلاق النار محدودا، كما ظلت الجهود الأوسع لدعم عملية سياسية موثوقة معقدة. ولحل الأزمة في السودان، تشكلت مجموعات دبلوماسية ثلاثية وأخرى رباعية وخماسية، إلا أنها تعاني من ضعف التنسيق فيما بينها.
وقد اكتسبت آلية الوساطة الرباعية - التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات - زخما في منتصف عام 2025 في محاولات التوصل إلى وقف إطلاق النار، لكنها لا تبشر بنتائج واعدة. وتهدف هذه الآلية إلى توليد تأثير جماعي للضغط على الطرفين المتحاربين لإنهاء الحرب.
إلا أن الآلية الرباعية لم تحقق تقدما في وقف الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي للطرفين المتحاربين.
ومع ذلك، فإن المبادئ التي اتفقت عليها الرباعية في عام 2025 تمنحها أهمية مستمرة.
وتشمل هذه المبادئ الاعتراف بعدم وجود حل عسكري للصراع وتأمين هدنة إنسانية يليها وقف دائم لإطلاق النار والالتزام بحماية المدنيين ودعم انتقال سلمي شامل في السودان لإقامة حكومة مدنية مستقلة لا تخضع لسيطرة أي طرف من طرفي الصراع.
ويعمل مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، على الدفع نحو هدنة إنسانية تبدأ بنزع السلاح في الفاشر وأجزاء من كردفان، وعودة المدنيين بشكل آمن، بدعم من آلية إشراف أممية.
ولكن هناك عقبات كبيرة، من بينها إصرار القوات المسلحة على انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق الحضرية التي تسيطر عليها ونزع سلاحها قبل بدء محادثات الهدنة، وهي تنازلات لا يمكن تصورها في ظل التوازن العسكري الحالي. وأشار سليمان إلى أن هذه العقبات تتفاقم بسبب غياب دبلوماسية إقليمية رفيعة المستوى، وهي ذات أهمية قصوى لقبول الطرفين المتحاربين بالهدنة. وتسببت الحرب في الشرق الأوسط في تحويل اهتمام الدول العربية المشاركة في الرباعية بعيدا عن السودان.
نتائج مؤتمر برلين
ويمثل المؤتمر الدولي الثالث حول السودان (الذي شاركت في استضافته ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي) أحدث محاولة لإعادة الاهتمام الدولي بالسودان. وكانت التوقعات محدودة، حيث لم يكن من المرجح أن يسفر عن وقف لإطلاق النار.
وقد اكتفت الجلسة الوزارية ببيان للرئاسة المشتركة بدلا من بيان ختامي مشترك، في تكرار لغياب التوافق الذي شهده مؤتمر لندن العام الماضي. واعتبر سليمان أن مؤتمر برلين كان فرصة لتعزيز العمل الدولي المشترك الذي يؤكد مجددا على دعم إنهاء الحرب. وشهد المؤتمر تعهدات إنسانية مهمة تجاوزت1.5مليار يورو، حيث تعهد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بـ764 مليون يورو، فيما تعهدت المملكة المتحدة بـ165 مليون يورو.
ومع ذلك، ينبغي أن يمثل نقطة تحول نحو تنسيق أكثر فعالية. وكان من الأهداف الرئيسية لمؤتمر برلين إظهار دور المدنيين السودانيين غير المنحازين لأي طرف، وتسليط الضوء على وجهات نظرهم لإنهاء الحرب واستعادة نظام سياسي مدني.
ويتناقض هذا بشكل حاد مع انتقادات المؤتمر من جانب الحكومة الفعلية المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية واعتراضات تحالف "تأسيس" التابع لقوات الدعم السريع. وشمل المؤتمر ندوة سياسية مدنية نظمتها المجموعة الخماسية" متعددة الأطراف، والتي تضم (الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية "إيجاد" وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة) بدعم من ألمانيا.
وكان من أبرز نتائجها إعلان مشترك يدعو إلى إنهاء الحرب وتعزيز عملية سياسية سودانية خالصة تقود إلى حكم مدني. تمكين العملية السياسية المدنية في السودان وأكد سليمان أن السودان يحتاج بشكل عاجل إلى عملية سياسية موثوقة وشاملة، مدعومة بوساطة دولية متماسكة.
ولم تنجح الجهود السابقة لوضع إطار عمل بسبب الانقسامات العميقة بين الكتل السياسية السودانية والنهج غير المتماسك الذي يتبعه الاتحاد الأفريقي. وينبغي أن يتم تشجيع جهود المجموعة "الخماسية" لإطلاق حوار سياسي سوداني-سوداني. ويجب أن تعتمد هذه العملية على مشاركة مدنية واسعة، تكون في مقدمتها القوى الديمقراطية غير المنحازة. ولا ينبغي أن تخضع هذه العملية لسيطرة الطرفين المتحاربين، مع إمكانية إشراك عناصر من تحالفاتهما بشرط التزامها بالسلام والحكم المدني. ويعد هذا الربط أساسيا لتحويل الحوافز بعيدا عن الجهات العسكرية نحو انتقال تفاوضي.
كما أن هذه تعد خطوة حاسمة لمنح المدنيين السودانيين منصة للضغط على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لإنهاء الحرب.
وقد لعبت دول "الترويكا" (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج) دورا مهما في الوساطة في السودان وجنوب السودان لأكثر من عقدين. وتعمل المملكة المتحدة والنرويج حاليا على تنسيق الجهود لتعزيز الحوار وبناء الثقة بين المجموعات المدنية. ولتحقيق نتائج ملموسة، ينبغي ربط نتائج هذه الحوارات بعملية المجموعة "الخماسية" عبر آلية تنسيق فعالة.
وقال سليمان إن السودان لن يتسلق بأعجوبة الأجندة الدولية، ولا يستطيع المدنيون السودانيون الانتظار حتى يتم التفاوض على السلام في الخارج. وبدلا من ذلك، يحتاج المدنيون إلى اغتنام الفرصة للتقارب وتطوير عملية سياسية تعالج الأسباب الجذرية للحرب وتحدد مسارا نحو حكم يقوده المدنيون.
ويجب أن تكون هناك معالجة عملية للقضايا المعقدة مثل إصلاح قطاع الأمن والتخلص من نفوذ النظام السابق والعفو المشروط للطرفين المتحاربين والتفاوض مع الجهات الفاعلة الإقليمية والعدالة والمساءلة. وبدون هذه العملية، فإن أي هدنة تمليها الجهات المسلحة قد تصبح مجرد فترة فاصلة لمزيد من الصراع والانقسام.
واختتم سليمان تحليله بالقول إنه من الأفضل تطوير الحلول الدائمة لحرب السودان من الداخل، والتي يتم تشكيلها من خلال أوسع منصة مدنية ممكنة، والتي يمكن أن تعمل من خلال الحوار وبناء الإجماع على صياغة أجندة مشتركة للسلام.