أكد مواطنون في استطلاع أجرته "عمان" أهمية تفعيل دور القدوة الحسنة داخل المحيط الأسري وغرس القيم الأخلاقية وتعزيز السمت كسلوك قائم على الوقار والتواضع والاحترام والصدق والأمانة، إلى جانب الالتزام بالعادات والتقاليد الأصيلة والعمل على تكثيف البرامج التوعوية والثقافية التي تناقش قضايا المجتمع والواقع الاجتماعي، كما شددوا على أهمية دعم الكفاءات التربوية واستقطابها للمشاركة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية لنقل الخبرات والتجارب وتعزيز السلوكيات الإيجابية في المجتمع..
ويؤكد إدريس بن سعيد الحسني، المتخصص في العلاقات الزوجية والأسرية، أن النواة الأولى لحسن السمت هي الأسرة وبالأخص الأب. فقال: الطفل إذا تشرب أساسيات السمت داخل الأسرة، فإنه ينتقل لاحقا لرؤية نماذج من المجتمع تتسم بالرّصانة والانضباط، مثل كبار السن وأشخاص آخرين يلتزمون بمبادئ السمت. كما أن تأثير التنشئة قد يختلف باختلاف طبيعة تكوين شخصية الطفل، لكن بشكل عام يشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت أصبحت من أكبر المؤثرات السلوكية في وقتنا الحالي، ثم يأتي دور المدرسة بوصفها بيئة ثانية تكمل بناء القيم.
ويشدد الحسني على ضرورة تفعيل دور القدوة داخل المحيط الأسري، لأن الطفل يتشكل غالبًا بالتقليد أكثر من كونه يلتزم بالأوامر والنصائح. ومن هنا تأتي أهمية حضور القدوة في التفاصيل اليومية من غرس القيم الأخلاقية قبل أي شيء آخر، وتقارب الوالدين من الأبناء والحديث معهم، واصطحابهم إلى المناسبات الاجتماعية للتعرف على طبيعة الحياة والتعامل مع الآخرين.
ويوضح الحسني أهمية تنمية المهارات التربوية الاجتماعية، عبر نشر البرامج التوعوية والثقافية التي تناقش قضايا المجتمع والواقع الاجتماعي، و تفعيل الدعم للكفاءات التربوية واستقطابها للبرامج الإذاعية والتلفزيونية لنقل الخبرات والتجارب إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع. كما يلفت إلى أن مفهوم القدوة ينبغي أن يكون أعمق وأوسع من المفهوم التقليدي، من خلال تبني مناهج أو مواد علمية اجتماعية تحمل أفكارًا جديدة وواعـية تلامس الواقع والحاضر والمستقبل، دون حصرها في جانب واحد فقط.
الأسرة هي الأساس
وفي السياق نفسه، أوضحت محفوظة الساحب أن السمت لا يتأثر بعامل واحد وإنما تراكم لمجموعة من التأثيرات أبرزها ضعف التربية من الصغر، وغياب التوجيه الأسري ما يجعل الأبناء يتأثرون بسلوكيات سلبية موجودة في المجتمع أو في السوشيال ميديا، والضغوط الحياتية التي تؤدي إلى التوتر والتعامل بعصبية، وقلة الرقابة، ما يسمح بانتشار التصرفات الخاطئة وكأنها طبيعية.
وأضافت الساحب أن حسن السمت لا يضعف فجأة، بل يتأثر تدريجيا لدى الفرد نتيجة تراكم المؤثرات، والأسرة هي الأساس في تشكيل سلوك الأبناء، فإذا كان الأهل قدوة حسنة في الاحترام وطريقة التعامل، فإن الأبناء يتعلمون منهم بشكل مباشر، لا من الكلام فقط، بل من السلوك الفعلي، لأن الطفل يقلد ما يراه ويعيشه داخل البيت.
العزلة التكنولوجية
ومن جانبها، أشارت وضحاء بنت علي الغافري إلى أن "التسارع الرقمي" يعد من أبرز التحديات، حيث طغت السرعة والاختصار على جودة التعامل، كما أن ضعف المهارات الاجتماعية (الناتج عن العزلة التكنولوجية) يؤدي إلى تراجع القدرة على الحوار الواعي وضبط النفس في المواقف الصعبة.
وأضافت أن غياب القدوة الحية يجعل المفاهيم الأخلاقية "نظريات جامدة" وقلة التوعية تترك الفرد يقلد المتاح أمام عينه الذي غالباً ما يكون سلوكاً سطحياً أو استعراضياً، مما يضعف العمق السلوكي.
ولفتت إلى أن الضغط النفسي الناتج عن الأزمات يقلل من "مساحة الصبر" لدى الفرد، مما يجعله أكثر ميلاً للحدة أو التوتر في تعاملاته اليومية، ويفقد السمت هدوءه المعهود.السعي وراء ما يسمى "الترند" والقبول الاجتماعي السريع قد يدفع الأفراد لتبني أنماط سلوكية غير مقبولة أو مصطنعة لجذب الانتباه.
وغياب الحزم القانوني أو المجتمعي، تضعف "هيبة السلوك القويم"، عندما لا يجد الفرد عقاباً اجتماعياً أو قانونياً للمخالفات السلوكية، يتحول السلوك السيئ من استثناء إلى "نمط معتاد". المشكلة فردية ومجتمعية هي تكاملية. الفرد مسؤول عن خياراته، لكن المجتمع هو "الحاضنة". فالعوامل المجتمعية هي التي ترسم الإطار العام للسلوك المقبول، وإذا اختلت المنظومة، أصبح السلوك الفردي السيئ "مستساغاً" أو مقبولاً تحت ضغط المحاكاة، مشيرة إلى دور القدوة وأهميته، بقولها: الوالدان الصالحان، المعلم المخلص، والموظف الذي يتحلى بالأمانة والهدوء في عمله، هم النماذج الأكثر تأثيراً لأن أثرهم مباشر ومستدام، والأكثر تأثيراً هي الأسرة طبعا لأنها المركز. وهي تعمل مع المدرسة على بناء الأساس، بينما الإعلام يوجه الرأي العام. فتأثير الأسرة لا يزال الأقوى لأن السلوكيات الأولى تترسخ في مرحلة الطفولة وتصبح جزءاً من البناء النفسي للشخصية، وتعزيز دور الأسرة يكون من خلال "الممارسة" لا "الموعظة".
فعندما يرى الأبناء آباءهم يلتزمون بالسمت الحسن في حديثهم وغضبهم، يتعلمون بالتقليد اللاواعي. كما يجب إشراكهم في الحوارات التي تبرز قيمة الأخلاق وتأثيرها على حياتهم، ودور المؤسسات التعليمية يكون بإبراز القدوات في مختلف المناسبات والمواقف الصفية كنماذج متى ما كان ذلك ممكنا من خلال ربط الأهداف التعليمية بغرس القيم والسلوكيات الإيجابية.
أما المؤسسات الإعلامية، فيقع على عاتقها إبراز النماذج المنجزة، والابتعاد عن تسليط الضوء على من يتصدرون المشهد بأفعال مسيئة.
ويمكن دعم النماذج الإيجابية في المجتمع وتحفيزها عبر تكريمهم معنوياً ومادياً، وتسليط الضوء على قصص نجاحهم. فالمجتمع يحتاج إلى "منصات للتقدير" ترفع من قيمة أصحاب السلوك الرفيع وتجعلهم هم "الترند". ونحن في أمسّ الحاجة لإعادة تسليط الضوء على مفهوم القدوة ويمكن تحقيق ذلك عملياً بإبراز "قصص النجاح". لا يكفي أن نقول: "كن قدوة"، بل يجب أن نُظهر نماذج لهذه القدوات الحسنة ونوضح كيف أن "السمت" هو طريق للنجاح، والتميز، والراحة النفسية، وليس مجرد قيود اجتماعية.
ويقول قاسم المعمري: إن العلم ليس مجرد كتب ودفاتر بل يجب أن يسبقه الأدب والأخلاق النبيلة التي تتمثل من خلال السمت، ويكون الترسيخ مشتركا من قبل الأسرة والمدرسة لهؤلاء الجيل الناشئ. كما أشار إلى ضرورة تقديم المبادرات والأنشطة التفاعلية والتوعوية بهدف تعزيز رسالة المبادرة وإيصال الرسالة التربوية بأسلوب يجذب الطلبة، ويعزز الهُوية الوطنية ويرسخ السلوك الحضاري لبناء مجتمع واعٍ متمسك بقيمة ومعتز بتاريخه.
من جانبها توضح حسينه السلطي أن المجتمع اليوم بحاجة لإعادة تسليط الضوء على مفهوم القدوة بسبب تشوّه بعض النماذج في الإعلام ووسائل التواصل. فالقدوة الحقيقية ليست الكمال، بل الالتزام بالقيم والسلوك الإيجابي اليومي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دور المعلم في غرس القيم بالممارسة داخل الصف. وكذلك دور الأسرة في تقديم نموذج عملي للأبناء في السلوك والأخلاق. كما يسهم الإعلام في إبراز الشخصيات المؤثرة إيجابيًا بدل التركيز على الشهرة فقط. وأخيرًا، عبر المحتوى الرقمي الهادف الذي يعرض قدوات واقعية قريبة من المجتمع.
وترى مزنة الهنائي قائلة: تلعب المدرسة دورًا مهمًا في تعليم وغرس السمت العُماني في نفوس الطلبة، باعتبارها بيئة تربوية تسهم في المحافظة على الهُوية الوطنية وترسيخ القيم الأصيلة للمجتمع. فمن خلال القدوة الحسنة التي يقدمها المعلمون والإداريون، يتعلم الطلبة معاني الاحترام، والتواضع، وحسن الخلق، والالتزام بالنظام، ومن أبرز سمات الشخصية العُمانية. كما تحرص المدرسة على تعزيز المظهر اللائق، وآداب الحديث، واحترام الكبير، وتقدير الضيف، والمحافظة على الممتلكات العامة، وهي سلوكيات متجذرة في المجتمع العُماني. وتسهم المناهج الدراسية، والاحتفالات الوطنية، والأنشطة المدرسية، والمسابقات الثقافية في تعريف الطلبة بالموروث العُماني الأصيل، والعادات والتقاليد الحميدة، وقيم التعاون والانتماء. حيث يشعر الطالب بالفخر بهُويته الوطنية ويمارس هذه القيم يوميًا داخل المدرسة، فإن المدرسة تنجح في إعداد جيل معتز بوطنه، متمسك بسمته العُماني الأصيل، وقادر على تمثيل وطنه بأفضل صورة.