يلعب التراث الثقافي والطبيعي دورًا مهمًا في تشكيل قيمة الهوية بصفته أحد أعمدة الهوية وذاكرة المكان؛ كونه يلعب دورا حيويا في ترسيخ الذاكرة الوطنية، وبناء الانتماء الوطني والشعور بالاستمرارية.

إلا أن الهوية بحاجة إلى مظلة تعمل على حمايتها وتمكينها، ومن ثم تحويل مفهومها الرمزي إلى قيمة مادية في حياة المجتمع، ولا تكتمل حماية هذه الهوية بالخطاب الثقافي فقط، ولكنها في حاجة إلى منظومة اقتصادية تكفل لها الديمومة، وتعمل على تحويلها إلى فرصة تنموية واستثمارية تقدر قيمتها، وفي نفس الوقت تفيد المجتمع والدولة.

وبالتالي هناك حاجة إلى بلورة استراتيجيات وسياسات وأوليات تخدم هذا الغرض؛ فعندما تتم إدارة الموقع الأثري أو المبنى التراثي بشكلٍ جيد فإنه يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي محلي.

من هنا يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على القيم الاقتصادية للتراث، أي ما هو العائد من عملية الحفاظ على التراث وحمايته؟ كيف يمكن تحويل التراث إلى فرص تنموية؟ كيف يمكن لهذا التراث أن يلعب دوراً في عملية التطور الاقتصادي للدولة؟ كيف يمكن نقل الرمزية الثقافية للتراث (تراث يحرك المشاعر والوجدان) إلى مورد يحرك عجلة التنمية والاقتصاد دون أن يفقد التراث رمزيته ومعناه الأصيل؟ أين تقف الخطط التنموية السياحية من تحويل المواقع الأثرية والمباني التاريخية إلى محركات تطوير تنموي محلي؟

يشكل التراث الثقافي والطبيعي في كثير من دول العالم أحد أهم مصادر الدخل فهو مورد غير نفطي يمكن في حال ما تم استغلاله بالطريقة المثلي أن يخلق دخلًا وفرصا للعمل. ومن الأمثلة على ذلك السياحة الثقافية المتصلة بالمواقع الأثرية والمباني التاريخية وما يرتبط بها من ممارسات وعادت وتقاليد، والسياحة البيئية المتصلة بالمحميات الطبيعية إضافةً إلى الحرف والصناعات الحرفية المرتبطة بالتراث.

قراءة الواقع الحالي تشير إلى أنه غالبًا ما ينظر إلى التراث الأثري والطبيعي من وجهة نظر الحماية والحفظ والصون، أو أنه عبارة عن مناطق للسياحة. ولكن الحقيقة هي أن هذا التراث يضم فرصا اقتصادية وتنموية كبيرة تخلق موردا ودخلا يمكنه أن يغير في المنظومة الاقتصادية للبلد. فمع الإدارة الذكية والفاعلة يمكن للتراث أن يكون موردا اقتصاديا يوفر استدامة في الدخل، ويخلق فرصا وظيفية مختلفة، ويدعم ديمومة الاقتصاد المحلي إضافة إلى الفرص البحثية والتعليمية التي يمكن أن يقدمها.

وسلطنة عمان غنية بالتراث الثقافي والطبيعي الذي يجعل منه موردا دائما للدخل كونه يحمل فرصا سياحية ثقافية-طبيعية يمكن توظيفها واستثمارها بطريقة تقدم للمواطن والسائح تجربة فريدة من نوعها. فإذا ما نظرنا إلى السياحة فإن مردودها لا يقتصر فقط على تذاكر الدخول، بل يتعداه ليكون حلقة اقتصادية متكاملة تضم على سبيل المثال الإقامة التي يحتاج لها السائح الذي يزور معلماً أو موقعًا تراثيًا، والضيافة حيث يحتاج إلى تجربة فريدة للطعام، والنقل حيث ينشط المزار حركة النقل المحلي، والمرشدين السياحيين؛ حيث يتحوّل التراث إلى وظائف معرفية، والحرف حيث تباع الذاكرة كقصة، والفعاليات والتجارب، والمحتوى الرقمي، وهكذا.

من هنا فإن كل زيارة ناجحة تعمل على تنشيط اقتصاد محلي بالكامل، ومن ثم تنقل التراث من كونه عبء حماية وحفظ إلى فرصة تطوير طويلة الأمد.

وبتحليل تجربة سلطنة عُمان في مجال سياحة الآثار؛ فإنها قطعت شوطاً في هذا المجال، ولا يزال هناك مزيد من التخطيط والعمل، فهناك عدد من التجارب في هذا الجانب، ومنها على سبيل المثال عمليات ترميم عدد من القلاع والحصون التاريخية للأغراض السياحية؛ حيث تم تحويل بعض وحداتها إلى متاحف صغيرة بهدف تعريف الزائر بتاريخ وثقافة المنطقة التي تقع فيها تلك الأبنية.

يضاف إلى ذلك استغلال بعض الحارات وترميمها وتزويدها بإمكانات وتسهيلات جاذبة للسائحين، مثل حارة العقر في نزوى ومسفاة العبريين في الحمراء، وإن كان أغلبها بجهود أهلية وبإشراف وتسهيلات حكومية. وتجدر الإشارة إلى وجود عدد من التحديات في هذا التوجه ومنها عمليات الترميم والصيانة، واستخدام التقنيات الحديثة مثل أجهزة التكييف والإضاءة التي تؤدي أحيانا إلى تشويه المنظر العام لتلك الأبنية التاريخية، وتخريب بعض أجزائها. وهناك أيضاً قلة الكادر المؤهل الذي يمكن أن يقوم بعملية الإدارة لهذا العدد الكبير من الأبنية.

وتجدر الإشارة إلى أن سلطنة عُمان وضعت ضمن أولوياتها الاستثمار السياحي لمواقع التراث المختلفة وذلك تحقيقاً لأهداف «رؤية عُمان 2040» وخاصةً في محور الاقتصاد والتنمية الذي يركز على التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية؛ حيث إن التوجه الاستراتيجي هو خلق اقتصاد متنوع، ويحقق الاستدامة المالية، إضافةً إلى توفير فرص عمل وتنمية مهارات القوى العاملة.

وقد جاءت الخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) متوائمة مع هذا التوجه من ناحية أهدافها ومرتكزاتها وبرامجها الاستراتيجية وخاصةً في المحور الثاني المرتبط بالاقتصاد والتنمية.

وعلى الرغم من هذه الجهود إلا أن هناك حاجة لتكثيف العمل، ووضع الخطط الاستراتيجية الواضحة والشاملة لاستثمار المواقع الأثرية في أغراض السياحة، وعدم تركيز السياحة الثقافية على القلاع والحصون والحارات التاريخية دون بقية أنواع التراث الأثري الأخرى، وبالذات تلك العائدة إلى فترات ما قبل التاريخ، والتي بدأت الحكومة مؤخراً في الالتفات إليها، فوجهت بإنشاء مراكز للزوار في بعض من المواقع الأثرية، وخاصة تلك المدرجة في قائمة التراث العالمي، ومنها مواقع قلهات وبات، وهي لم تدخل بعد حيز التنفيذ.

وهناك مراكز زوار قيد الإنشاء كما هو في موقع دبا الأثري في محافظة مسندم بينما هناك مراكز قائمة في بسياء وسلوت، والبليد في محافظة ظفار. ومن هنا يتضح أن هناك حاجة إلى بلورة مزيد من السياسات العامة الواضحة والشاملة التي يمكنها أن تحول التراث إلى أصول تنموية مستدامة؛ حيث إن هناك أدوات يجب استغلالها، مثل التشريعات والقوانين، والتخطيط التنموي، والاستثمار لربط التراث بالاقتصاد المحلي.

ويمكن القول: إن عدم وجود إطار قانوني واستثماري صريح يربط التراث بالمجتمع المحلي وبخطط التنمية يجعل من التراث مجرد «تكلفة مادية» عوضاً أن يصبح مورداً اقتصاديا مستدام.

وبالنظر إلى تجارب الدول الناجحة في توظيف التراث اقتصاديًا فإننا نرى بأنها عملت على ربط مجتمعاتها المحلية بمواقع وعناصر التراث الثقافي والطبيعي عوضا عن تركها معزولة.

فعندما تشعر المجتمعات المحلية بأنها شريك فعال في إدارة التراث والاستفادة من موارده فإن التراث في هذه الحالة يصبح عنصرا محركا للتنمية الاقتصادية للدولة.

فاستثمار معلم تاريخي أو موقع أثري بطريقة ذكية يمكن أن يوفر عددا كبيرا من الوظائف لأفراد المجتمع المحلي، ويعمل على تعزيز الاقتصاد المحلي؛ حيث إن كل ما هو محيط بهذا المعلم أو الموقع من قرى أو مدن قد يستفيد من مشاريع التطوير المستمرة. لذلك فإن هذه الشراكة تعمل على تعزيز الاستدامة، وتجعل من أفراد المجتمع المحلي حماة للتراث وأوصياء عليه، والسبب في ذلك هو أن المنفعة الاقتصادية المباشرة تؤدي إلى أن تكون الحماية والحفاظ مسؤولية جماعية مشتركة.

إذن ما مواطن القوة التي يمكن من خلالها الاستفادة من التراث الأثري اقتصادياً (سياحة الآثار)؟ أولها هو البحث عن الطرق التي تمكن الجهات المعنية بالآثار من جذب الناس إلى هذا التراث في ظل العولمة والتكنولوجيا، وإيجاد لجنة (أو لجان) تنسيقية مفعّلة بشكل كبير للتنسيق في شأن استغلال المواقع الأثرية لأغراض السياحة، وإعداد خطط لإدارة قطاع السياحة الثقافية كجزء أساسي من عمليات إدارة التراث مع الأخذ في الاعتبار المبادئ التي تم الإعلان عنها فـي الميثاق الدولي للمجلس الدولي للمعالم والمواقع بشأن السياحة الثقافية، ونشر ثقافة السياحة الداخلية القائمة على زيارة المواقع الأثرية والمتاحف، والبحث عن السبل التي تقود إلى استثمار المواقع الأثرية بشكل منهجي وناجح، ومنح أصحاب الأملاك الواقعة في الحارات المراد تطويرها بعض عوائد المشاريع، وإجراء نوع من التنسيق بين الملاك والقائمين على المشاريع التطويرية، وتطوير المتاحف الحالية وإضافة أخرى في كل أرجاء البلاد.

هناك أيضا ما يتعلق بالمتابعة وإدارة المعلومات من حيث إيجاد نظام فعَّال ومتكامل للمتابعة الذي تنص عليه أنظمة ولوائح لجنة التراث العالمي، وإعداد التقارير الدورية التي تشكل الأساس لخطط مرحلية وسنوية بحيث تكون أساسًا لعملية الترميم الوقائي والحد من المخاطر المتوقعة والتي قد تؤثر على المواقع والبيئة المحيطة بها، ودمج عمليتي المتابعة وإصدار التقارير الدورية فـي نظام شامل ومتناسق لإدارة المعلومات، بحيث يؤدي ذلك إلى إحاطة الجهات المعنية والعاملين فـي المواقع الأثرية وأصحاب الممتلكات الخاصة بتلك التقارير بهدف تمكينهم من التعاون فـي إطار نظام متكامل لإدارة عملية صون التراث الأثري.

وخلاصة القول؛ يعتبر التراث الأثري والطبيعي عنصرا ومحركا استراتيجيا للتنمية الاقتصادية التي تنعكس بطبيعة الحال على التنمية الاجتماعية أو الرفاه الاجتماعي للمجتمع، ولن يتحقق ذلك إلا إذا ما عملت الدولة على استغلاله واستثماره بالطريقة الصحيحة التي تحقق له هذه الديمومة بحيث يؤدي في نهاية المطاف إلى تنشيط السياحة الأثرية والبيئية المستدامة، ومن ثم خلق فرص عمل ودخل لأفراد المجتمع، وهو ما سيعزز الاقتصاد المحلي، وفي المقابل سيغرس الانتماء المعرفي والهوية الوطنية.