ترجمة: أحمد شافعي
لو أنكم تبحثون عن صورتين توجزان ما انتهت إليه الاستراتيجية الجيوسياسية لإسرائيل في ظل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لما عثرتم على خير من صورتين ظهرتا في الصحافة الإسرائيلية في الأيام الأخيرة. الصورة الأولى لجندي إسرائيلي يحطم بمطرقة ضخمة تمثالا ليسوع في قرية دبل المسيحية المارونية في جنوبي لبنان على بعد أميال قليلة من حدود إسرائيل الشمالية.
كتب لازار بيرمان الصحفي الدبلوماسي في تايمز أوف إسرائيل أن الصورة «أوجزت على نحو مثالي بعضا من أسوأ ما يقال في حق إسرائيل واليهود إلى حد أن البعض افترضوا بداهة أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي لتشويه الدولة اليهودية. أما أصدقاء إسرائيل ممن ظنوا أنها حقيقية فدعوا الله ألا تكون كذلك، فإلى ذلك الحد بلغ ضرر هذه الصورة. ولم يستجب الله دعاءهم؛ فقد قام جندي في الجيش الإسرائيلي فعلا بإعمال مطرقة في وجه تمثال ليسوع». وأضاف أنه «ما من ذكاء اصطناعي، وما من تلاعب، وما من محاولة للالتفاف على صورة تنم عن خلل أخلاقي عميق» في الجيش وفي المجتمع الإسرائيلي.
الصورة الثانية منشورة في هاآرتس لمجموعة من وزراء اليمين الإسرائيلي متهللي الأسارير وهم يفتتحون مستوطنة (سانور) بعدما أعيدت إقامتها قريبا في شمالي الضفة الغربية. وهي إحدى أربع مستوطنات معزولة زرعت في المنطقة التابعة للسلطة الأمنية والمدنية الفلسطينية. والفكرة الكامنة وراء هذه المستوطنات هي أن تستحيل إقامة دولة فلسطينية متصلة الأرض استحالة تامة. وقد أشارت هاآرتس إلى أن يسرائيل كاتس وزير الدفاع في حكومة بيبي تباهى في الحفل بتوقعات بأن تقنّن الحكومة قرابة مائة وأربعين موقعا زراعيا في الضفة الغربية لإفساد أي «محاولات فلسطينية لإقامة وجود لهم في المنطقة».
وما ذلك غير يوم آخر من أيام حكم نتنياهو واستهزائه بالرئيس ترامب؛ فترامب هو الذي أعلن في سبتمبر من عام 2025 قوله: «لن أسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية».
لماذا أعد هاتين الصورتين دالتين للغاية؟ لأنهما التمثيل الأكمل لاستراتيجية نتنياهو اليوم -إن صح وصفها بالاستراتيجية-، فهي تقوم على: مقابلة كل تهديد محيط بمطرقة تحطمه مهما بلغ عدد من تستعديهم إسرائيل، وعدم طرح أي أفكار خلاقة لتحويل المنجزات العسكرية إلى مكتسبات استراتيجية دائمة، لا في غزة ولا في لبنان ولا في سوريا ولا في الضفة الغربية ولا مع المملكة العربية السعودية وإيران؛ وذلك لأن إسرائيل كي ترسخ أيا من مكتسباتها الاستراتيجية فعليها أن تحاول على أقل تقدير أن تصل إلى حل الدولتين مع السلطة الفلسطينية؛ فهذا ما من شأنه في نهاية المطاف أن يعزل إيران في المنطقة، ويجعل تطبيع العلاقات الإسرائيلية السعودية -ومنها التجارة والسياحة- ممكنا.
وما من شأنه أن ييسر كثيرا على الحكومتين اللبنانية والسورية إقامة سلام رسمي مع الدولة اليهودية، ويقلل من خطورة ذلك. وهذا ما يأبى نتنياهو حتى أن يسعى إليه، وإنما يعمل بدأب على تقويضه. فهل ذلك في ظني بالأمر اليسير؟ بالطبع لا. وهل في ظني أن للفلسطينيين قيادة هرمة يجب تغيرها وتنشيطها وإصلاحها، وهل هم مسؤولون بأنفسهم عن كثير من أسباب محنتهم؟ مؤكد أن هذا ظني.
لكن هل أظن أن نتنياهو كرّس كامل رئاسته للوزراء لإعاقة نشوء قيادة فلسطينية أكثر مصداقية ولياقة؟ بالطبع أيضا هذا هو ظني. وهل أعلم أن لإسرائيل مصلحة أساسية في بذل كل ما في وسعها للانفصال عن الفلسطينيين خشية أن تنتهي وقد باتت دولة فصل عنصري يهودية الإدارة؟ بالقطع.
وهل أعتقد أن إيران ووكلاءها يمثلون تهديدا قاتلا لإسرائيل لا يمكن غض النظر عنه؟ مرة أخرى أقولها: بالقطع، لكن هل أعتقد أيضا أنه بدون شريك فلسطيني يبدو للعالم أن استراتيجية بيبي هي تأمين إسرائيل والتطهير العرقي للضفة الغربية، فتفقد إسرائيل بذلك أفضل أصدقائها في كل مكان؟ لكم أن تراهنوا على أن هذا هو عين ما أعتقده.
عزيزتي إسرائيل: ها هو ديمقراطي راسخ في مناصرة إسرائيل وسطي من الولايات المتحدة يدعى رام إيمانويل، وها هو يظهر في الأسبوع الماضي في برنامج (ريل تايم مع بيل مار)، ليقطع بأنه يعارض المساعدة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، ويشكك في المكانة «الخاصة» التي تحظى بها إسرائيل لدى الولايات المتحدة، وذلك في حضور جمهور أغلبيته الكاسحة تصفق لقوله هذا، فإنك بالفعل يا إسرائيل تفقدين أصدقاءك.
وليس ذلك في اليسار فقط؛ فالمزيد والمزيد من الأمريكيين من مختلف ألوان الطيف السياسي يرون إسرائيل في ظل حكم نتنياهو طفلا أفسده التدليل، وقد ضاقوا ذرعا بهذا. بالطبع أدانت الحكومة الإسرائيلية وقادة الجيش الجندي الذي حطم تمثال يسوع في جنوبي لبنان، وعاقبوا جميع المشاركين. بل إن إسرائيل سارعت ـ وقد أدركت أي كارثة حلت بصورتها العامة ـ إلى إحلال تمثال بديل للتمثال المحطم.
ولكن كيف دخل في رأس ذلك الجندي في ظنكم أن ما فعله مقبول، وأنه يستحق من أفراد آخرين في وحدته أن يلتقطوا له صورة وهو ينفذه؟ سأخبركم من أين أتاه هذا التصور: من مشاهدته واستماعه إلى لغة حكومة بيبي وأفعالها هي وجيشه وآلته السامة على الإنترنت. لعله كان يقرأ كل يوم عن مستوطنين يهود يمينيين في الضفة الغربية يحطمون سيارات ومنازل ومحاصيل فلسطينية باسم الصهيونية الدينية على مرأى ومسمع من الجيش والساسة الإسرائيليين، بل بمساعدة منهم في بعض الأحيان، وفي ظل تواطؤ دائم من بيبي. فما السيئ للغاية إذن في تحطيم تمثال ليسوع بالمطرقة في جنوبي لبنان؟
وليس بوسعكم أيضا أن توجهوا اللوم للجندي ورفاقه وهم يسمعون ممثل ترامب في إسرائيل -أي مايك هوكابي- يعرب صراحة عن تأييده لضم إسرائيل للضفة الغربية، ويتصرف وكأنه سفير المستوطنين اليهود لدى الولايات المتحدة لا سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، أو كأن هذا الضم لن ينطوي على تهديد للأردن الذي يمثل ركنا أساسيا للسياسة الأمريكية في المنطقة. ويعلم الكثيرون للغاية من الإسرائيليين المعتدلين أن هذا النهج مرفوض أخلاقيا، وجنونيٌّ استراتيجيا، لكنهم مرغمون على الوجود في سفينة قبطانها أحمق.
على أي نحو يمكن أن يكون شكل التفكير الاستراتيجي الجديد بشأن إسرائيل ولبنان؟ حسن، لنبدأ بحقيقة أن إسرائيل -وفق حساباتي- قد قامت سبع مرات على الأقل بغزو جنوب لبنان أو بعمليات كبيرة فيه سواء ضد منظمة التحرير الفلسطينية أو حزب الله منذ أن وفدت على بيروت للمرة الأولى مراسلا صحفيا في عام 1979.
ولأقل بوضوح: إنه لا يمكن ولا يجب لرئيس وزراء إسرائيلي أن يسمح بمرتزقة لإيران في لبنان، وأعني بالمرتزقة ميلشيا حزب الله، فتجعل شمال إسرائيل غير صالحة للسكنى بسبب تهديد الهجمات الصاروخية، ولكن وقتا يحين فتنطبق فعليا مقولة إنه «من الجنون أن نفعل الشيء نفسه مرارا وتكرارا متوقعين منه نتائج مختلفة».
لا تني إسرائيل تقول: إن على الجيش اللبناني أن ينزع سلاح حزب الله، لكن الجيش اللبناني خليط من المسيحيين والدروز والسنة والشيعة. ونظرا لقبضة حزب الله السياسية على الشيعة اللبنانيين، وإن كان كثير من الشيعة اللبنانيين غاضبين اليوم على حزب الله بسبب استفزازه لإسرائيل بالنيابة عن إيران؛ فلو مضى الجيش اللبناني في حرب معلنة على حزب الله في جنوب لبنان وفي بيروت فقد يهوي ذلك بلبنان إلى مستنقع الحرب الأهلية مرة أخرى. والبديل الوحيد الذي طرحه نتنياهو هو طرد عشرات آلاف اللبنانيين من جنوب لبنان أو من المنطاق الشيعية في بيروت.
ولقد آن الأوان لطريقة ثالثة يسعدني أن أسميها بـ(خطة ترامب لإنقاذ لبنان)، وتقوم على إخراج إسرائيل بالكامل من جنوب لبنان، وتسليح قوات تابعة للناتو تسليحا ثقيلا من أجل المساعدة في الاستيلاء على المنطقة بالشراكة مع الجيش اللبناني وتحت سلطته الرمزية.
بوسع إسرائيل أن تثق في الناتو؛ فلن يجرؤ حزب الله أو إيران على تحديه، وإن فعلا فسينتهيان حطاما، فتبتهج لذلك الأغلبية الكاسحة من اللبنانيين، ومن الشيعة؛ لأن إسرائيل ستخرج تماما من لبنان، ولأن حزب الله سيفقد بذلك مبرره للهجوم على إسرائيل.
من المؤكد أن هذا لن يكون حلا مثاليا، لكنه خير من غزو إسرائيل للبنان مرارا وتكرارا، ناهيكم باندلاع حرب أهلية، فهو حل جدير بالمحاولة.في لبنان الآن رئيس هو جوزيف عون ورئيس وزراء هو نواف سلام، وهما الأفضل والأكثر تعددية منذ حرب 1975-1990 الأهلية. وأعتقد أنهما مستعدان لإقامة سلام مع إسرائيل، لكن ليس إذا كان ثمنها حربا أهلية.
لقد حان الوقت لطريقة ثالثة تضمن الأمن للبنان، ولإسرائيل، وتفضح حزب الله وما آل إليه؛ إذ بات مخلبا لإيران مستعدا لخوض الحرب حتى آخر لبناني وآخر إسرائيلي ليخدم سادته في طهران. لقد حان الوقت لـ(خطة ترامب لإنقاذ لبنان).