الشركات العائلية تعتبر محركا فاعلا في أغلب اقتصاديات الدول؛ لذا فهي منتشرة على الصعيد المحلى والإقليمي والعالمي. وتسهم الشركات العائلية تقريبا ما بين 50% إلى 70% في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. في المقابل؛ لم أجد أرقاما يعتمد عليها حول نسبة مساهمة الشركات العائلية العمانية في الناتج المحلي الإجمالي، وإن كانت التوقعات تشير إلى أن النسبة عالية؛ نظرا لأن بعضا منها يتمتع برؤوس أموال كبيرة، وتمارس أنشطة متعددة ذات اتساع جغرافي. كما أن البعض منها لديها من العمالة ما يصل إلى سبعة آلاف عامل.
الشركات العائلية وإنْ أخذت هذه التسمية هي في الغالب تتقيد بإجراءات التسجيل والضوابط المحددة بقانون الشركات التجارية. ويكمن الاختلاف بينها وبين الشركات الأخرى في شكل الملكية وتوزيع رأس المال والتعامل القانوني في حال وفاة المالكين أو المؤسستين أو حدوث خلاف فيما بينهم يؤثر على مسار الشركة العائلية.
على المستوى الوطني هناك أمثلة لعلامات عملاقة للشركات العائلية -ومنها مجموعة سعود بهوان، ومجموعة سهيل بهوان، ومجموعة الزبير، ومجموعة محسن حيدر درويش، ومجموعة دبليو جي تاول ومجموعة البرواني- أسهمت جميعها في التنمية الاقتصادية بضخ استثماراتها في شتى القطاعات الإنتاجية والتجارية.
أغلب الشركات العائلية تعمل في وكالات السيارات والمقاولات والعقارات والخدمات المالية والنفط والغاز والأنشطة التجارية. الشركات العائلية العمانية ذات رؤوس الأموال الكبيرة بدأت مسيرتها التجارية في فترات ما قبل 1970؛ حيث استفادت بعد ذلك من الطفرة التنموية وحاجة السوق المحلي للسيولة النقدية مع ضعف الاستثمار الأجنبي في تلك الفترة.
انتشار الشركات العائلية ليس في سلطنة عُمان فقط، وإنما في دول الخليج العربية؛ فهناك ما يزيد على ثلاثين شركة عائلية سعودية تحتل المراتب الأولى على مستوى الشرق الأوسط من حيث حجم رأس المال. كما أنه في دولة الإمارات العربية المتحدة، ونظرا لتزايد أعداد الشركات العائلية؛ فتم إصدار قانون خاص ينظم عمل أنشطة وحوكمة الشركات العائلية.
الشركات العائلية العمانية سجلت حضورا لافتا حسب تصنيف مجلة فوربس الشرق الأوسط بوجود خمسة منها ضمن قائمة أقوى الشركات العائلية العربية وحصول واحدة منها، وهي مجموعة سعود بهوان ضمن الترتيب العشرين عربيا للعام (2025).
ولكن المعضلة الأساسية بالنسبة للشركات العائلية هو استمرارها في مراحل ما يعرف بتعاقب الأجيال. بمعنى أنها قد تمر بفترة من الازدهار والنمو وتحقيق مكاسب مالية عالية لمؤسسيها، ولكن في أحيان كثيرة تبدأ الخلافات والنزاعات بعد وفاة المالكين أو مؤسسي الشركة، واختلاف رؤية الورثة في آلية إدارة الشركة.
هناك أمثلة على المستوى المحلي فبعد وفاة المؤسسين انقسمت بعض الشركات العائلية إلى قطاعات متعددة؛ نظرا لأن الجيل الثاني أو الثالث من الورثة (العائلة التي تملك الشركة) لم يتوافقوا فيما بينهم على الشكل النهائي للشركة العائلية. على المستوى العالمي التوقعات تشير إلى أن أغلب الشركات العائلية قد تبدأ مرحلة الانهيار بعد الجيل الرابع أو الخامس.
وبالتالي؛ الدول تحاول إيجاد حوكمة وميثاق عائلي يساعد الشركات العائلية على الاستمرار في عملها شأنها شأن الشركات المساهمة العامة. من الشركات التي أوجدت ميثاقا عائليا هي مجموعة دبليو جي تاول التي تأسست في العام 1866 وظلت صامد ة تقريبا حتى الجيل الرابع أو الخامس.
أيضا هناك من يرى بأن الشركات العائلية وإن كانت تُسهم في التنمية الاقتصادية الاجتماعية، ولكن في أحيان كثيرة قد تتحول إلى الاحتكار في بعض الأنشطة التي تمارسها بسبب كونها الوكيل الوحيد؛ وبالتالي تكون لها المقدرة في التحكم في الأسعار بسبب غياب المنافسة من شركات أخرى تعمل في نفس النشاط التجاري.
كما أن أغلب الشركات العالمية ولإحكام سيطرتها وسهولة تعاملها، فهي تعطي وكيلا وحيدا لمنتجاتها في منطقة جغرافية معينة، وإن حاول البعض الحصول على نفس الوكالة فإن المنافسة تكون ضعيفة؛ نظرا لهيمنة الوكيل الأصلي على أصل النشاط وأيضا على ما يتصل بالنشاط على سبيل المثال؛ وكالات بيع السيارات وقطع الغيار.
ولتقليل درجة المخاطر التشغيلية والمالية التي قد تؤثر في نمو الشركات العائلية في حال استمرارها في هيئة «الشركات ذات المسؤولية المحدودة»؛ فمن البدائل المتاحة هو تحولها إلى شركات عامة مقفلة أو مغلقة لمساهمين قد يكونون من نفس العائلة.
هذا التحول يمنح الشركات العائلية المقدرة على التوسع في أنشطتها التجارية، وأيضا يساعدها في الحصول على السيولة النقدية بتكلفة أقل؛ لأن الشركة المساهمة العامة وإن كانت مقفلة فإنه يتم إخضاعها لمبادئ حوكمة الشركات مما يعزز من إيجاد رقابة فاعلة على الشركاء ومجالس الإدارة، وتقليل سلطة اتخاذ القرارات الفردية، وفصل الصلاحيات بين مالكي الشركة والإدارة التنفيذية.
قبل نحو عامين كانت هناك توجيهات سامية كريمة لتحفيز الشركات العائلية عن طريق تقديم جملة من الحوافز منها ما يتعلق بالتحول إلى شركات عامة والإدراج في بورصة مسقط، وأيضا تخصيص دعم مالي يصل إلى (50) مليون ريال عماني للمشاريع ذات العائد الاقتصادي التي تسهم فيها الشركات العائلية وتعمل على إيجاد فرص عمل للمواطنين. ومن جوانب التحفيز لدعم تحول الشركات العائلية ذات المحدودة المسؤولية إطلاق «سوق الشركات الواعدة» ببورصة مسقط، وإن كانت لا توجد إحصاءات دقيقة؛ فهناك عدد من الشركات العائلية عدلت من وضعها القانوني، وتحولت إلى شركات مساهمة عامة مقفلة.
أيضا أعطى قانون الشركات التجارية مرونة أكثر للشركات العائلية الراغبة في التحول من شركات ذات مسؤولية محدودة إلى الشركات المساهمة المقفلة، وذلك بأن يسمح للشركة الاحتفاظ باسمها التجاري مع المرونة في اشتراطات مبلغ رأسمال الشركة عند التحول خلافا للشركات الجديدة التي تحتاج إلى رأسمال قد يصل إلى مليوني ريال عماني.
الشركات العائلية العمانية سجلت مكانة لها ضمن تصنيف مجلة فوربس الشرق الأوسط بوجود عدد منها في قائمة أقوى الشركات العائلية العربية. عليه فإنها استفادت من استثمار أموالها في قطاعات كثيرة من الأعمال مما ساعدها في توسيع أنشطتها على المستوى المحلي والإقليمي، والحصول على عوائد ربحية عالية؛ نظرا لهيمنتها في أحيان كثيرة على قطاعات أعمال محددة؛ وبالتالي يتوقع منها الإسهام في إيجاد فرص عمل أكثر للمواطنين، وسد الفجوة الكبيرة في مسارات التشغيل والتعمين؛ لتكون القوى العاملة العمانية لها الأولوية في برامج التوظيف والتشغيل.
نختم بالقول بأن أغلب الشركات العائلية العمانية أثبت قدرتها التنافسية على التكيف مع الأزمات والمتغيرات الاقتصادية والمالية؛ وبالتالي تعتبر شريكا مهما في التنويع الاقتصادي. والتطلعات بأن تقوم الشركات العائلية -وخاصة ذات الرؤوس الأموال الكبيرة- بالاستفادة من الحوافز التي تقدمها الحكومة للتحول إلى نمط الشركة الذي يتناسب مع رؤية مؤسسيها وملاكها، والعمل على إيجاد ميثاق عائلي يساعد على استدامة أنشطتها، وعدم تأثرها بمراحل تعاقب الأجيال مع الأمل في إيجاد قانون يؤطر وينظم أنشطة الشركات العائلية لتفعيل مبادئ الحوكمة، وتعزيز التنافسية بينها وبين الشركات التجارية.