أقيمت مساء أمس بالنادي الثقافي جلسة حوارية حملت عنوان "علم الأعصاب المعرفي والأدب" ناقشت أثر الأدب في تشكيل الوعي وتنشيط التعاطف وتطوير التفكير الإبداعي من منظور علمي معرفي مستكشفة العلاقة العميقة بين الأدب والدماغ البشري من منظور علم الأعصاب المعرفي والاستطيقا العصبية، كما سلطت الضوء على تحول النظرة إلى الأدب من كونه مجرد نشاط لغوي أو تخييلي إلى كونه قوة معرفية وجمالية تسهم في تشكيل الوعي الإنساني، وإعادة صياغة العلاقة بين اللغة والعاطفة والتفكير والخيال.

شارك في الجلسة الدكتور محمد مصطفى حسانين أستاذ الأدب القديم ونقده المساعد بجامعة السلطان قابوس، والدكتور ياسر مُنْجِي الأستاذ المساعد بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس، والدكتور طارق سليمان النعناعي أستاذ اللسانيات المساعد بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس فيما أدار الجلسة الدكتور فايز صبحي عبد السلام تركي أستاذ النَّحو والصَّرف والعروض المشارك بجامعة السلطان قابوس.


تداخلات الحالة الشعورية
بداية استعرض الدكتور محمد حسانين في ورقته "المقاربة العصبية للأدب: نحو فهم عصبي للخيال والسرد واللغة ـ من النقد النصي التقليدي إلى النص كمثير عصبي ديناميكي" العلاقة بين علم الأعصاب والأدب، عائدًا إلى البدايات التي تشكل فيها هذا الحقل منذ منتصف القرن الماضي حين التقت مجموعة من المعارف مثل اللسانيات وعلم النفس والفلسفة والذكاء الاصطناعي، لتنتج ما عُرف لاحقًا بالعلوم المعرفية، في محاولة لإعادة النظر في العلاقة القديمة بين الجسد والمعنى، وتجاوز الفصل الذي ظل قائما بينهما. مشيرا إلى أن هذه المقاربة تربط الأدب بما يحدث داخل الدماغ أثناء القراءة والتلقي وليس باعتباره نشاطا ذهنيا منفصلا، خاصة بعد التطور الكبير في تقنيات التصوير العصبي التي سمحت بتتبع النشاط الكهربائي والترابطات التي تتشكل أثناء التفكير أو التفاعل مع النصوص.


وتوقف "حسانين" عند الإشكال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، والمتعلق بإمكانية الجمع بين ما هو خيالي ومعنوي في الأدب، وما هو قابل للقياس داخل الدماغ، لافتًا إلى أن هذا التساؤل لم يكن جديدا لكنه عاد بقوة مع القدرة على رصد ما يجري داخل الدماغ أثناء القراءة أو الاستماع أو حتى التفاعل مع الموسيقى، وأن الدماغ لا يعمل كجهاز يستجيب لما يحدث فقط لكنه يتقدم عليه بحيث يبني توقعاته ويضع احتمالاته بشكل مستمر، وهو ما يفسر حالة الانخراط التي يعيشها القارئ أثناء التفاعل مع السرد وكأن ما يقرأه يتحول إلى تجربة معيشة.


كما بيّن الباحث أن الدماغ يتكون من شبكة معقدة من الخلايا العصبية التي ترتبط ببعضها عبر ترابطات تتشكل باستمرار، في عملية مستمرة من إعادة البناء وهي ما يُعرف باللدونة العصبية، حيث لا تبقى هذه الشبكات ثابتة بل تتغير وفق الخبرة والتجربة، وأن هذه الترابطات تخضع لقوانين دقيقة، حيث يؤدي تزامن نشاط الخلايا العصبية إلى نشوء ارتباطات معرفية، تتشكل منها المفاهيم داخل الدماغ سواء كانت مرتبطة بالمشاعر أو القرارات أو إدراك العالم، كما توجد ما يُعرف بالخلايا المرآتية وهي التي تفسر جانبًا مهمًا من التفاعل الإنساني، حيث تنشط مناطق في الدماغ عند رؤية فعل معين كما لو أن الإنسان يقوم به، وهو ما يفسر التعاطف الذي ينشأ أثناء قراءة الروايات أو مشاهدة الأعمال السردية.


وفي سياق "اللغة" أوضح "حسانين" أن كثيرًا من المفاهيم التي نتعامل معها تنبثق من التجربة الجسدية، حيث تتحول الإحساسات المرتبطة بالمكان والحركة إلى معانٍ مجردة وهو ما يجعل العلاقة بين الجسد واللغة أكثر عمقًا مما يبدو، لذلك فأن السرد يمثل بنية أساسية في عمل الدماغ نظرًا لاعتماده على التسلسل والترابط، وهو ما يجعله أكثر قابلية للاستيعاب والتذكر، مقارنة بأنماط أخرى تتطلب جهدًا أعلى في المعالجة، فجميع تلك الكلمات لا تمر مرورًا عابرًا بل تترك أثرًا في الجهاز العصبي، وقد تمتد تأثيراتها إلى الحالة الشعورية في ظل هذا التداخل بين اللغة والنشاط العصبي، معرجا إلى "التجارب" مشيرا إلى أن دراسات أظهرت أن الدماغ أثناء القراءة لا يتعامل مع النصوص كمعلومات مجردة، بل ينشط مناطق مرتبطة بالحركة والإحساس، وهو ما يجعل القارئ يعيش التجربة وكأنه جزء منها.


وفي ختام ورقته طرح الدكتور محمد حسانين مجموعة من الأسئلة التي يفتحها هذا المجال متصلة بإمكانية فهم أعمق لآليات التأثير السردي، أو حتى توظيف هذه المعرفة في دراسة تشكل الوعي، في ظل ما يكشفه هذا التداخل من أبعاد جديدة لفهم الإنسان وتجربته.


جسدنة المعني
بعدها قدم الدكتور ياسر منجي في ورقته جانبًا تطبيقيًا من العلاقة بين علم الأعصاب والفنون، منطلقًا من فكرة "جسدنة المعنى"، حيث يتشكل المعنى من خلال التجربة الحسية التي يعيشها الإنسان داخل واقعه قبل أن تتحول هذه التجربة إلى صور ذهنية ومتخيلة تنتجها البنية العصبية وتعيد صياغتها في أشكال فنية متعددة.


وأشار "الباحث" إلى أن الصورة التي تتكون في الدماغ بعد القراءة أو الاستماع لا تنشأ من فراغ بل هي حصيلة تفاعل بين الخبرة الجسدية والتجربة الإدراكية، وهو ما يجعل الخيال امتدادًا لهذه الخبرات وليس قطيعة معها، حيث إن الفنون (مثلا) بمختلف أشكالها ما هي إلا محاولات لترجمة هذا المتخيل إلى أشكال مرئية أو مسموعة.


ولفت "منجي" إلى تجربة أجريت في أحد المتاحف العالمية حيث أظهرت دراسات تتبع حركة العين أن المتلقي يركز على مناطق محددة في الوجه داخل اللوحات الفنية خاصة العينين والفم باعتبارها مراكز التعبير، وهو ما يفسر قدرة الصورة على توليد استجابات شعورية مباشرة قد تعادل أو تتجاوز أثر اللغة... وهذه الصورة لا تكتفي بنقل المعنى بل يمكنها أن تنوب عن الحواس الأخرى حيث تثير استجابات نفسية وجسدية وتخلق حالة من التفاعل تجعل المتلقي منخرطًا في التجربة، وهو ما يفسر تأثير الفنون البصرية عبر التاريخ، من رسوم الكهوف إلى الأعمال المعاصرة.


وأشار الباحث في موضع آخر إلى ما يُعرف بالتراسل بين الفنون حيث يمكن للموسيقى أن تستحضر صورة، ويمكن للون أن يعبر عن صوت، وهو ما ظهر في تجارب شعراء المدرسة الرمزية، الذين حاولوا الربط بين الحروف والألوان كما في تجربة رامبو، الذي منح لكل صوت بعدًا لونيًا، مستندًا إلى إدراك حسي يتجاوز حدود اللغة، وعند تجربة الموسيقي الروسي سكريابين، الذي حاول ترجمة الصوت إلى ضوء، عبر آلة موسيقية تربط بين النغمة والشحنة اللونية، بحيث تتحول الموسيقى إلى تجربة بصرية مرافقة وهو ما اعتبره امتدادًا لمحاولات قديمة لفهم العلاقة بين الحواس.


أشار "منجي" إلى أن هذه المحاولات لم تقتصر على التجارب الفردية بل أسهمت في نشوء مدارس فنية كاملة مثل المدرسة التجريدية حيث لم يعد الفنان معنيًا بتمثيل الواقع، بل بالتعبير عن طاقته الداخلية، وهو ما ظهر في أعمال "كاندينسكي" الذي ترجم تجربته الموسيقية إلى تشكيلات بصرية، كذلك الكاتب نابوكوف، الذي كان يرى الحروف بألوان محددة ما يعكس تداخلًا حسيًا بين اللغة والبصر وهو ما يفتح المجال لفهم أعمق لطبيعة الإدراك وكيف تتداخل الحواس في تشكيل المعنى.


وفي ختام حديثه أشار الدكتور ياسر منجي إلى أن هذه العلاقة بين الفنون لا تنفصل عن تجارب إنسانية أقدم ظهرت في أنظمة التأمل الشرقية التي ربطت بين الجسد والطاقة والوعي، حيث تتجسد الأصوات والألوان في نقاط محددة داخل الجسد، وهو ما يعكس تصورا مبكرا لما تحاول علوم الأعصاب تفسيره اليوم.


الحلقنة العصبية
وفي الورقة الثالثة من الجلسة الحوارية تناول االدكتور طارق النعناعي في ورقته التي حملت عنوان "الحلقنة العصبية إبداع أدبي وتلق" ما طرحه ضمن مفهوم "الحقلنة العصبية" مشيرا إلى أنه يأتي كمقترح لفهم الإبداع الأدبي من زاوية تداخل الحقول الدلالية داخل ذهن الإنسان، حيث لا تُخزن اللغة بشكل مفرد بل ضمن شبكات مترابطة تتحرك بينها الكلمات والمعاني في سياق إنتاجها وفهمها.


أوضح "النعناعي" أن التفريق بين إنتاج اللغة وفهمها يمثل نقطة أساسية، إذ قد يعجز الإنسان عن التعبير رغم اكتمال اللغة داخله، وهو ما يعكس تعقيد العمليات العصبية المرتبطة بالكلام، مبينا أن هذه العمليات لا تنفصل عن البنية الدماغية التي تحتضن ملايين الترابطات بين الخلايا العصبية.

والشعر (مثلا) يمثل نشاطًا عصبيًا معقدًا، تتداخل فيه مناطق متعددة داخل الدماغ، من بينها مناطق معالجة البنية اللغوية وفهم المعنى، إلى جانب مناطق أخرى ترتبط بالتخيل والاستجابة الجمالية، وهو ما يفسر القدرة على رؤية الصور الشعرية رغم غيابها المادي. والتفاعل مع الشعر لا يقتصر على الجانب اللغوي، بل يمتد إلى الجانب العاطفي، حيث ينشط الجهاز المرتبط بالمشاعر، ما يمنح التجربة الشعرية أثرها العميق في المتلقي ويجعلها قادرة على تحفيز الإحساس بالجمال والانفعال في آن واحد، كما أن الاستعارة تمثل عنصرًا محوريًا في بناء الصورة الشعرية، حيث تنتقل الكلمة من حقل دلالي إلى آخر، في عملية ذهنية تقوم على إعادة تشكيل العلاقات بين المعاني، وهو ما يمنح النص طاقته الإبداعية ويجعله قادرًا على توليد صور جديدة.


وبيّن "النعناعي" أن الانتقال بين الحقول الدلالية يشكل جوهر الإبداع، حيث يزاوج الشاعر بين معانٍ متباعدة ليصنع منها صورة غير مألوفة، وهو ما يشبه في بنيته تفاعلات عصبية تنتقل فيها الإشارات بين الخلايا، منتجة مسارات جديدة للفهم والتخييل، وهذه العملية يمكن النظر إليها كنوع من "الرقص العصبي"، حيث تتحرك الإشارات داخل الدماغ في أنماط متغيرة، تنتج عنها الصور والمعاني قبل أن تتحول إلى كلمات قادرة على إثارة الاستجابة ذاتها لدى المتلقي، فالشعر ـ كما يشير الباحث ـ يرتبط بالإيقاع ارتباطًا وثيقًا، حيث تتداخل العمليات السمعية مع الإدراك الزمني داخل الدماغ، وهو ما يفسر العلاقة التاريخية بين الشعر والموسيقى وقدرتهما على إحداث أثر مشترك في الوعي، فالتفاعل مع النصوص الشعرية مثلا يؤدي إلى تنشيط ما يُعرف بنظام المكافأة في الدماغ، حيث يشعر المتلقي بالمتعة نتيجة هذا التفاعل وهو ما يجعل التجربة الجمالية مرتبطة بعمليات كيميائية وعصبية محددة.


واختتم الدكتور طارق النعناعي مداخلته بالإشارة إلى أن مفهوم "الحقلنة" يمكن أن يشكل مدخلًا لقياس الإبداع الأدبي عبر تتبع انتقالات المعنى بين الحقول الدلالية وإمكانية توظيف ذلك في تحليل النصوص، بل وحتى في بناء نماذج يمكن أن تستفيد منها التطبيقات الحديثة في فهم الإبداع وتقييمه.


مداخلات علمية
وشهدت ختام الجلسة الحوارية مداخلات طرحت أسئلة مباشرة حول العلاقة بين الخيال واللاوعي، ودور السرد في كشف ما يتشكل داخل الذات بين من قرأه كتجربة تتولد من الداخل، ومن رأى فيه محاولة لإعادة ترتيب هذا التعقيد في صياغة لغوية، كما توقفت بعض المداخلات عند التناقض في عمل الدماغ بين قدرته على إنتاج تجارب إبداعية وفي الوقت ذاته توليد سلوكيات حادة في طرح جمع بين البعد العلمي والإنساني، إلى جانب أسئلة حول أثر الكلمات في العلاج النفسي وإمكانية توظيفها في بناء توازن داخلي، كما حضرت ملحوظات أعادت النقاش إلى التراث العربي مشيرة إلى إدراك مبكر لتأثير اللغة مع الدعوة إلى الاستفادة من الفنون مثل اللون والموسيقى في مجالات العلاج، وفي سياق آخر طُرحت قراءات تربط الشعر بالبنية الرياضية في محاولة لفهم الصورة الشعرية من داخل آليات التفكير، فيما ذهبت مداخلات أخرى إلى النظر للإدراك كفائض يتحول إلى فعل إبداعي، وامتد النقاش إلى مسألة التلقي بين حضور المبدع المباشر وقراءة نصه بعد غيابه وكيف يتفاعل الدماغ مع كل حالة، لتنتهي المداخلات عند أسئلة متعددة تتصل بالإنسان وتجربته وهي أسئلة سيظل المجال عندها مفتوحا ولا يتوقف التفكير حولها.