في 16 مارس الماضي أشهرت وزارة الأوقاف والشّؤون الدينيّة متحف السيرة النبوية، على أن يكون وقفيًا مرتبطًا مكانيّا بسمائل، حيث المشهور ارتباط العمانيين في الإسلام المبكّر بمازن بن غضوبة الطائي في السنة السادسة الهجرية، كما يرتبطون به لارتباطهم بأول مسجد أسس في عمان، المشهور بمسجد المضمار نسبة إلى المكان، أو مسجد مازن بن غضوبة نسبة إلى الصحابي مازن بن غضوبة ذاته.

الروايات تشير إلى أن إسلام أهل عمان كان في السنة الثامنة للهجرة، أي بعد عامين من إسلام مازن؛ في هذه الفترة روايات شحيحة عن ارتباط عمان بالحجاز، وعن ارتباط عمان ببلاد الشّام، حيث رحلتي الشتاء والصيف، وهما من الرحلات التجارية المهمة. ارتباط العمانيّين حينها كان كبيرًا بالبحر أكثر من الصّحراء، ارتبطوا ببلاد فارس والهند وما بعدهما إلى الصين، بل ارتباطهما بأفريقيا كان قديمًا أيضا، وأرى أنّ ارتباطهم بالحجاز تمثل بشكل أكبر في جنوب عمان عن طريق اليمن أكثر من ارتباط الشمال به، والّذي هو أوسع جغرافيّا من اليوم، حيث الوجود العمانيّ حينها يمتدّ إلى ميناء سيراف ضمن محافظة بوشهر الحاليّة؛ لهذا من يقرأ دخول جنوب إيران إلى الإسلام يجد ذات الرواية لدخول عمان في الإسلام، وأنّهما كانا تحت سلطة عبد وجيفر ابني الجلندى، ورسول الله إليهم هو عمرو بن العاص (ت: 43هـ).

حاول محمّد عبدالله العليان (ت: 2019م) أن يقرأ الصحابة العمانييّن من خلال الروايات الحديثية، وحاول قبله سيف بن حمود البطّاشي (ت: 1999م) تتبع ذلك في كتابه «إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان»، ومع ذلك كانت الروايات شحيحة وغير مترابطة، وغالبها ركزت على مفردات ما جاء في الأسانيد الحديثية، حيث تأريخ الإسلام المبكّر تركز بشكل أكبر في الحجاز وتأثيره على الشّام والعراق وشيء من بلاد فارس ومصر، والآن بدأت تزاحم الأدبيّات الإسلاميّة العربيّة بعض الأدبيّات السّريانيّة والقبطيّة من غير الإسلاميّة.

وعُمان في أجزائها الشّماليّة خصوصا كانت استقلاليّتها وتمدّدها وخصوصيّتها، ومع هذا التّأريخ أهمل العديد من المفردات الاجتماعيّة والدّينيّة والحضاريّة في هذه الفترة، وركّز على محوريّة العلاقة مع المركزيّة الجديدة في المدينة المنورة في أجوائها السّياسيّة والماليّة من حيث الزّكاة والخراج من خلال تبعيّة الخلافة الرّاشدة ثمّ تأثير الدّولة الأمويّة وامتدادها.

بيد أنّ هذه الفترة من علاقة عمان بالدولة الأموية شبه مجهولة أيضا، وعند الحديث عنها يذهب إلى تمركز أزد عمان في البصرة بالعراق، وعلاقتهم بالدّولة الأمويّة، حتى اتحدت واستقلت عمان مرة أخرى جغرافيًا وسياسيًا بشكل أوسع في عام 132هـ، وبدأت بعض جزئيّات المدونات الفقهية تساير تأريخيًا مفردات الاجتماع البشري في عمان بشكل أكبر، وإن وجدت مبكّرا كما في رسائل جابر بن زيد (ت: 93هـ)، ولكن تبقى الروايات التأريخية شحيحة في تطوّر الاجتماع البشري في عُمان من حيث الحضارة والثقافة ومفرداتهما، وليس الصراعات السياسية فحسب.

سبق أن كتبتُ مقالة في جريدة عمان بعنوان: «السياحة الدينية في عمان»، وفي نظري عمان حضاريّا وثقافيّا وتأريخيّا ودينيّا أوسع بكثير من فكرة «متحف السّيرة النبويّة»، فلا يمكن حصر عمان بتأريخها وثقلها الديني القديم في القرن السابع الميلادي، ولا يمكن تضخيم جزئيات بعض الأحداث في الإسلام المبكّر، فهذا يخالف المنهج العلمي؛ فعمان كان لها ثقلها الخاص، وهو إقليم أوسع بكثير حضوريّا في العصور القديمة من الحجاز، من حيث الامتداد إلى العصور البرونزية والحجرية، وحضارات بلاد ما بين النّهرين، وبلاد السّند الموغلة في القدم.

فعلينا أن نمايز بين قراءة التّأريخ لاهوتيّا، وبين قراءته من حيث حركة الاجتماع البشري وحضارته، فالأول له محلّه العقائدي والإيماني، والنّاس أحرار في ذلك، ولكن علينا أن نكون موضوعيين بشكل أعمق في حركة الاجتماع البشري، وأن ننفتح على جميع المناهج العلمية في ذلك.

ما أرمي إليه في هذه المقالة، أنا مع إنشاء «متحف السّيرة النّبويّة»، وربطه بسمائل والمضمار، وهذا من الحكمة الموثقة لتأريخ عمان في هذه الفترة، وعلاقتها بالإسلام المبكّر، ولكن في نظري قبل ذلك علينا أن نفكّر في سؤال مشروع: هل لدينا خريطة واضحة للتّفاعل الديني في عمان قديما وحديثا.

نحن بحاجة اليوم إلى متحف يحكي قصّة الدّين في عمان، من عصوره الحجرية الأولى، وتفاعلات ذلك، وحتّى يومنا هذا؛ فعمان قديمًا وحديثًا كأي اجتماع بشريّ ليست على صورة واحدة، هذا الأمر ذاته يتحول إلى جانب استثماري فيما يتعلّق باستثمار السياحة الدينية ذاتها.

فهناك معالم دينية في عمان، على شكل مساجد أم معابد لأديان أخرى، أم مقابر، أم نقوش وكتابات، أم أضرحة، أم بيوت لرموز دينيّة قديمة وحديثة، وما يتعلّق بها من ألبسة ومطعومات وطقوس وأغان ومعتقدات ماورائية بحاجة أن ننفتح لها من خلال أربعة جوانب في نظري: التّوثيق الأثري المترتب عليه التّرميم المادي، ووجود مركز بحثي مستقل يقدّم دراسات أثرية وبحثية معرفية وفق البحث العلمي وليس العقائدي، ثمّ وجود متحف شامل يحكي الخريطة الدينية في عُمان قديما وحديثا، فيه مكتبة بحثيّة متخصّصة في هذا الجانب، وأفضل مكان له - في نظري - جامع السّلطان قابوس الأكبر، فهو واجهة عمان الدينية الأولى، ولكنّه للأسف غير مستثمر بشكل جيد، وأخيرا وجود متاحف مصغّرة في المزارات، كمتحف السّيرة النّبويّة في سمائل، ولا يمنع أن نفكّر في متاحف مصغرة أخرى كمتحف العمارة والفنّ الدّيني المصاحب لمسجد الشّواذنة في عقر نزوى، ومتحف يحكي البعد الصّوفي والرّوحي في عمان مصاحبًا لضريح صاحب مرباط في ظفار مثلا، لكن يجمعها جميعًا متحف شامل يحكي حركة الاجتماع الدّيني في عمان قديمًا وحديثًا، بجميع المفردات الثقافية المرتبطة من حيث المعتقدات والأساطير والطّقوس والفرق وارتباط ذلك بالزواج والولادة والزراعة والتّجارة وصيد البحر والطّب والفلك والوفاة، وما يتعلّق بحياة الإنسان عموما في هذا الجانب.