مع تواصل المفاوضات الأمريكية الإيرانية من خلال الوساطة الباكستانية ومع انعقاد الجولة الثانية في إسلام أباد فإن الحرب ضد إيران أفرزت عددا من النتائج الحيوية التي ينبغي على دول المنطقة دراستها بعمق وتحليل موضوعي على ضوء السلوك الأمريكي الذي طبق الحماية العسكرية لصالح الكيان الصهيوني، ضاربا عرض الحائط التعهدات والاتفاقيات العسكرية مع دول المنطقة؛ حيث اتضح أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لم تنفذ بنود الحماية والدفاع بشكل مباشر ضد الهجمات العسكرية الإيرانية.

إذن المتغير الأهم هنا هو سقوط موضوع الحماية العسكرية الأمريكية، وهو ما يفرض على دول المنطقة تقييما عميقا للعلاقات الخليجية الأمريكية في مجال الحماية العسكرية.

ومن هنا، فإن المنطق يفرض إنهاء وجود تلك القواعد العسكرية الأمريكية، وإيجاد خيار الأمن الإقليمي الذاتي؛ بمعنى العمل على إيجاد قوة عسكرية خليجية مشتركة بمشاركة عدد من الدول العربية، أو من خلال إيجاد تحالف عسكري مع عدد من الدول الإسلامية ذات القوة العسكرية الفاعلة.

الحروب مع الكيان الصهيوني في تصوري لن تتوقف في المستقبل ما دام تواصل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين وجنوب لبنان والجولان السوري المحتل، علاوة على وجود المشروع الصهيوني العالمي الذي تحدث عنه نتنياهو وحكومته المتطرفة نحو تحقيق حلم إسرائيل الكبرى من خلال التمدد الجغرافي في الأرض العربية.

الإدارات الأمريكية الحالية والقادمة سوف تقف مع الكيان الصهيوني، وهذه مسألة لا يمكن تغييرها؛ وهذا يعود لأسباب تاريخية وقوة النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وهجرة اليهود من أوروبا خاصة الأسر الغنية من أمثال روتشيلد ومورجان وروكفلر وغيرها، والتي أصبحت تسيطر على مفاصل الدول الأمريكية.

ويصعب نجاح أي مرشح جمهوري أو ديمقراطي يريد الوصول إلى البيت الأبيض دون الدعم اليهودي من خلال الصرف المالي الكبير على الحملات الانتخابية والتي وصلت خلال حملة الرئيس الأمريكي الحالي ترامب إلى ما يقترب من ملياري دولار، وهذه أموال لا يستطيع المرشح أو الحزب توفيرها؛ وهنا يأتي دور اللوبيات اليهودية خاصة منظمة الأيباك، وهي المنظمة اليهودية الأمريكية، والتي تعد من أهم المنظمات دعما للكيان الصهيوني خلال العقود الأخيرة.

كما أن وجود عشرات من أعضاء الكونجرس من أصول يهودية يشكل دعما لمشاريع القوانين التي تدعم إسرائيل على الصعيد العسكري والاقتصادي وفي مجال تبادل المعلومات الاستخبارية؛ وهذا ظهر بشكل واضح خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إذن الحليف الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية، كما قال وزير الخارجية الأمريكي روبيو، هو الكيان الصهيوني فقط؛ ومن هنا، فإن هذه رسالة واضحة بأن موضوع الحماية الأمريكية لدول المنطقة قد سقط من الناحية العملية وربما يكون الأمر إيجابيا لدول المنطقة للبحث عن خيارات صحيحة.

وفي تصوري إن التقييم فيما يخص موضوع الحماية العسكرية الأمريكية سوف يناقش بشكل جدي وموضوعي بعد نهاية الحرب.

جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية الثانية إما أن تسفر عن اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإما أن تتواصل الحرب، وإذا ما حدث الخيار الثاني فإن منطقة الخليج العربي سوف تدخل مرحلة خطيرة، خاصة إذا نفذ الرئيس الأمريكي ترامب تهديداته بقصف المراكز الحيوية في إيران مثل محطات الطاقة والجسور وغيرها، وهنا سوف تكون هناك ردة فعل إيرانية، وسوف تكون جغرافية المنطقة هي ساحة الحرب، كما حدث في الموجة الأولى.

وعلى ضوء ذلك، فإن بذل المزيد من الجهود الدبلوماسية من دول المنطقة لإقناع إدارة ترامب بوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق نووي عادل ومنصف هو الخيار الصحيح لاستقرار وأمن المنطقة، خاصة وأن دول مجلس التعاون الخليجي لها مصلحة كبيرة في إنهاء الحرب والتي شنتها إدارة ترامب دون مسوغ قانوني أو أخلاقي.

ومن هناـ فإن تبعات خطيرة سوف تنتج عن الحرب إذا فشلت الدبلوماسية في إنهاء تلك الحرب. المنطقة تعيش أوضاعا صعبة ومعقدة من خلال إشعال الحرب؛ ومن هنا، فإن موضوع التقييم للعلاقات الأمريكية الخليجية خاصة في المجال العسكري هو من المسلمات الاستراتيجية خاصة مع سقوط خيار الحماية العسكرية الأمريكية خلال أحداث الحرب.

كما أن نتنياهو لا يريد للحرب أن تنتهي، لأن مواجهته مع المقاومة اللبنانية أثبتت الفشل الاستراتيجي للكيان الصهيوني، وعدم قدرته على هزيمة حزب الله؛ ومن هنا، فإن عدم تحقيق أهداف الحرب يعني هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهذا الأمر لا يريد ترامب ونتنياهو تقبل نتيجته لأسباب تتعلق بمستقبل كل منهما سياسيا.

وعلى ضوء ذلك، يمكن تفسير التهديد المتواصل من الرئيس الأمريكي ترامب حتى خلال إجراء المفاوضات مع الجانب الإيراني.

ويظل السؤال الأهم: هل يمكن التعلم من دروس الحرب في المنطقة ويكون هناك تقييم حقيقي، أو تتواصل الأمور كما كانت؟ وهنا تكمن معضلة استراتيجية للحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة حساسة وحيوية لأمن ومصالح العالم.