تستشري تداعيات حرب إيران في العالم كله؛ فارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والغذاء سوف يترك أثره علينا جميعا. من أمريكا حيث يدفع المستهلك أربعة دولارات لجالون الوقود الواحد، إلى بلدان أوروبا الثرية واقتصادات السوق الكبيرة الناشئة من قبيل البرازيل والصين، فلا ينجو بلد واحد.
غير أن مجموعة أخرى من بلدان العالم هي الأكثر معاناة وإن لم تلق إلا أقل الانتباه: وأعني بلاد العالم الأشد فقرا.
وفي هذه البلدان يتجه قرابة نصف دخل الأسرة المتوسطة إلى الغذاء والطاقة؛ ولكون أغلب شعوب هذه البلدان يعيش على حافة الحرمان الاقتصادي معتمدا على مدخرات ضئيلة فإن ارتفاع الأسعار يمثل لطمة قوية.
وما حرب إيران إلا أحدث الانتكاسات التي شهدتها السنوات العديدة الماضية للبلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، وذات القدرة الضئيلة على وقاية نفسها من الاضطرابات المالية والجيوسياسية. فالرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب، وتداعي نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، والعجز عن إيقاف التغير المناخي، وانطلاق الذكاء الاصطناعي أدت جميعا إلى أفول آفاق هذه البلاد الأشد فقرا التي يعيش فيها نحو 3.8 مليار نسمة، أي قرابة نصف سكان العالم.
وليس هذا جديدًا بأي حال؛ فهذه البلدان، وبخاصة الأصغر بينها، هي التي تحتمل دائما وطأة الفوضى العالمية، من الحروب إلى الأزمات المالية. فاليوم يقل متوسط دخل الفرد في نحو خمسة وسبعين من بلاد العالم عن أربعة آلاف وخمسمائة دولار في العام، وفقا لتقديرات البنك الدولي. (في مقابل قرابة خمسة وثمانين ألف دولار للفرد في الولايات المتحدة).
وفي حين أن مشكلات بعض هذه البلاد هي من صنع أيديها ـ من جراء سوء الإدارة الداخلي والفساد المستشري، بما يجعلها عرضة لمستويات عالية من الدين والتضخم، فإنها تواجه أيضا رياحا معاكسة من الخارج، وفي ما خلا استثناءات كبيرة من قبيل الهند، ليس لهذه البلدان من كرسي حول طاولة النقاشات في القضايا العالمية التي تؤثر عليها أبلغ الأثر.
والموجة الأخيرة من الفوضى الاقتصادية محبطة بصفة خاصة للبلدان الأشد فقرا التي كان يبدو أنها تجاوزت المنعطف الصعب؛ إذ نجحت بلدان كثيرة منها، ومن بينها دول أفريقيا ما دون الصحراء، في تحسين أوضاعها المالية العامة، وسيطرت على التضخم وفتحت اقتصاداتها أمام التجارة العالمية.
وكانت هذه البلدان مجتمعة قد باتت مهيأة لتحقيق نمو اقتصادي قوي، اعتمادا على مزايا كثيرة تنعم بها، ومن بينها وفرة الموارد الطبيعية وازدياد الشباب ضمن سكانها.
وفي الوقت الذي تزداد فيه شعوب كثير من البلاد المتقدمة شيخوخة وتتضاءل حجما، فإن أعمار 70% من شعوب أفريقيا ما دون الصحراء أقل من ثلاثين عامًا.
تعتمد البلدان ذات الدخول المنخفضة بشدة على استيراد الأسمدة والنفط والغاز، وكثير منها يستورد الغذاء أيضا.
والارتفاع الشديد في أسعار هذه السلع، مع انخفاض قيمة العملة في هذه البلاد نسبيا أمام الدولار الذي يشتد احتياجها إليه بسبب الاستيراد، هو ما يعتصر ميزانيات الأسر والحكومات على السواء اعتصارًا شديدًا، وهذا ما سوف يضر حتما بآفاق النمو في هذه البلاد.
وليست حرب إيران والاضطراب الجيوسياسي بالعاملين الوحيدين اللذين قد يزعزعان هذا التقدم.
فالنظام ذو القواعد الذي نشأ عقب الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، على علاته الكثيرة، أتاح على الأقل بيئة خارجية تتسم بقدر معتدل من الاستقرار. والآن يتداعى هذا النظام الذي يتجسد في مؤسسات من قبيل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي.
وفي ظل حكم الرئيس ترامب، تنسحب الولايات المتحدة من المؤسسات التي أسهمت يوما في إنشائها بعد أن باتت ترى أنها لا تخدم مصالحها الوطنية المحددة تحديدًا ضيقًا للغاية. والحروب تستعر في مواضع عديدة من قبيل أوكرانيا وإيران، وكذلك يحتدم التنافس بين القوتين العظميين الصين والولايات المتحدة.
بات الاضطراب هو القاعدة وليس طورًا عابرًا. وحينما تتراجع الدول عن التعاون، وتقرر المضي في طريقها منفردة، وحينما تمضي التجارة والعلاقات الدولية بلا حاكم وبلا قواعد متفق عليها بين الجميع، فإن البلاد ذات الدخول المنخفضة هي التي تعاني أشد المعاناة.
وثمة ضرر أيضا من تشظي التجارة العالمية، بعد فترة طويلة كانت تعد فيها أساس الرخاء المشترك؛ فكثير من البلدان ذات الدخول المنخفضة تبدأ للتو في النضج والسعي الحثيث إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي. لكنها تجد الطريق المعهود للنمو القائم على التصدير وعلى قاعدة التصنيع القوية مغلقا دونها بسبب ارتفاع الرسوم الجمركية في شتى أرجاء العالم.
كما أن الرسوم الجمركية تزيد من تكاليف الواردات على المستهلكين، فتزيد كثيرًا من صعوبة بيع المصدِّرين لسلعهم في الأسواق الدولية.
وهذه البلدان بحاجة إلى الحصول على التمويل الأجنبي، لأن مستويات الادخار فيها ضئيلة ولأن أنظمتها المالية غير متطورة بالقدر الكافي لتوفير رأس المال لرواد الأعمال. وارتفاع مستويات الدين الضخمة في الاقتصادات المتقدمة تحرم عمليا البلاد ذات الدخول المنخفضة من تمويل هي في أمسِّ الاحتياج إليه؛ إذ يؤثر كثير من المستثمرين أمان السندات الحكومية في الولايات المتحدة أو اليابان على تمويل استثمارات البلاد ذات الدخول المنخفضة التي قد تكون أكثر ربحية لكنها أشد مخاطرة.
كما أن غياب التوافق على قضايا من قبيل التعامل مع تغير المناخ يضر الإنتاجية في الزراعة، وهي عماد الاقتصاد في بعض هذه البلدان، فضلا عن أن تزايد وتيرة الكوارث الطبيعية المهلكة يزيد الطين بلة.
والذكاء الاصطناعي تعقيد آخر يهدد بمزيد من تخلف البلاد ذات الدخول المنخفضة عن الركب. وحتى في حال تبني بعضها للذكاء الاصطناعي بفعالية، فقد تكون لذلك تكلفة من الاستقرار الاجتماعي.
ففي مؤتمر منتدى الاقتصاد العالمي لهذا العام في دافوس، قابلت رواد أعمال أفارقة متحمسين للفرص التي أتاحها الذكاء الاصطناعي أمام شركاتهم سواء العاملة في التصنيع أو الخدمات لتحسين إنتاجيتها ومنافسة الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، ولكن تقديراتهم بدت منتبهة إلى الأثر على التوظيف؛ فلو أن في الذكاء الاصطناعي مصلحة لهم باحتمال أن يعزز الإنتاج لكنه قد يتسبب في الوقت نفسه في اضطرابات داخلية بإثرائه رواد الأعمال فيما يقلص فرص العمل.
هل بوسع البلدان ذات الدخول المنخفضة أن تقي نفسها من العالم المعادي؟ بوسعها أن تضاعف جهودها في ترتيب أنفسها من الداخل. فمن شأن اتباع سياسات منضبطة في الميزانيات الحكومية أن يمنحها مجالا للمناورة من خلال زيادة الإنفاق الاجتماعي عند وقوع الصدمات.
ومنح البنوك المركزية مزيدًا من الاستقلالية في إدارة السياسة النقدية قد يساعد في إبقاء التضخم تحت السيطرة وفي تقليل خطر هروب رؤوس الأموال، وإدارة الاعتماد على الدين الخارجي وتقليله، وتحويل بلادهم بدلا من ذلك إلى بيئات أكثر ترحابا بالتمويل المستقر المتمثل في الاستثمار الأجنبي المباشر، سوف يحميها من التغيرات في أوضاع التمويل العالمي.
والأهم قاطبة هو أن هذه البلدان ينبغي أن تسيطر على وبال الفساد العام وترسخ مؤسساتها ومنها النظام القضائي الفاعل الملتزم بسيادة القانون.
غير أن الواقع القاسي هو أنه في لحظات الاضطراب العالمي، لا مفر من أن تحتمل البلاد الضعيفة أكبر العناء.
ومن ضروب الوهم أن نظن أن مشكلات هذه البلدان لن تؤثر على الاقتصادات الثرية والقوية. فتدفقات المهاجرين الناجمة عن اليأس الاقتصادي والتوق إلى النجاة من الصراعات الأهلية لن تبقى ممنوعة.
وسوف يغير هذا من السياسات في البلاد التي تستقبل اللاجئين، مثلما تبين بوضوح في أوروبا والولايات المتحدة خلال السنين الأخيرة.
ويظل للبلدان القوية الثرية دور تقوم به في مساعدة البلدان الفقيرة، لكن تقديم المساعدات ليس الحل. بل إن تعزيز المؤسسات العالمية والنظام القائم على القواعد الحاكم للتجارة الدولية هو الذي سوف يساعد الجميع، والبلاد ذات الدخول المنخفضة على الأخص. وضبط عجوزات الموازنة وضمان الاستقرار المالي سوف يساعدان على تقليل التقلبات الاقتصادية، وبعمل الصواب، قد تساعد البلاد الثرية نفسها مثلما تساعد البلدان الفقيرة.