ذاكرة 6 عقود من العطاء الفني في الشاشة الخليجية تحولت للإرشيف مع إعلان وفاة الفنانة القديرة الملقبة بسيدة الشاشة الخليجية "حياة الفهد"، ليسقط عمود أساسي في بناء الدراما الخليجية، وعنصر مهم من عناصر الفن، بعد أن سكنت في كل بيت وكل عين مشاهد، لتفقد الدراما الخليجية حياتها.
بملامح وجه "خالتي قماشة" التي كانت صارمة على أبنائها، لتصل برسالة لكل بيت خليجي مفادها أن الحب لا يؤخذ جبرا بل طوعا، ودور "الأم نورة" في جرح الزمن الذي كانت تحكي فيه وجعا صادقا بلغ قلوب جمهور الدراما، وبين أدوار كوميدية كـ"رقية وسبيكة" الذي كان مثالا للكوميديا الراقية، وبالكوميديا السوداء التي رسخت دور "مناير" في حياة المرأة الخليجية التي تُهان من قبل أصحاب النفوذ والمال، وبثبات رغم الهجوم قدمت "خلافات الأديان" قاهرة فكرة أن الدراما الخليجية يمكنها أن تنافس خارج حدود الوطن.
أجادت في الكوميديا كما كانت كذلك في التراجيديا، فقد أضحكت الجمهور بعفويتها، وارتجالها للموقف، وظهورها الذي اعتاد أن يكون بسيطا غير متكلف، وأبكتهم تارة أخرى حين تقمصت دور الأم في أعمال شتى، تقاسي ألم المرأة الخليجية بكل شفافية وتذرف الدمع كأنها كانت تعيش الوجع واقعا، لم تكن مجرد صورة للأداء الفني على الشاشة والمسرح، بل كانت صاحبة رسالة، تتذوق الوجع وتعيشه وتظهره بصورة مقنعة.
ولدت الفنانة الراحلة حياة الفهد في 1984 بمنطقة الشرق، وبدأت مسيرتها الفنية مبكرا جدا، حيث كان أول ظهور لها في "عائلة بو جسوم" في 1962م، حيث كان البحث عن وجه نسائي خليجي ليشارك في عمل درامي، وفي المسرح بدأت من خلال مسرحية "الضحية" 1963، وتتالت بعدها الأعمال، وتعد الفنانة حياة من مؤسسي مسرح الخليج العربي في عام 1963.
مسيرة حافلة تنقلت بين المسرح والدراما والسينما والإذاعة، عملت كممثلة وكاتبة ومنتجة في ما لا يقل تقريبا عن 200 عمل فني، فمن يُتمها مبكرا وقسوة والدتها بانت ملامح ذلك في تجسيد الأدوار بمصداقية، وبوجع قادر على الوصول للمشاهد.
ثنائيات ناجحة
وشكل التشارك المستمر في أدوار البطولة بين الفنانة الراحلة حياة الفهد، والفنانة القديرة سعاد عبدالله، ارتباطا وثيقا في أذهان الجمهور، فقد ظهرتا معا في "رقية وسبيكة"، و"على الدنيا السلام"، و"خالتي قماشة"، و"سليمان الطيب"، لتظهر الكيمياء والانسجام في الأداء الفني، الذي كان محببا لدى الجمهور، وربما كان عنصر جذب كبير، كان أداء كليهما مختلفا عن الآخر، حيث تميزت "حياة" بالعفوية والارتجال في مشاهد كثيرة، ولكن الانسجام منح كليهما قوة في الأداء، نجحت من خلاله تلك الأعمال المشاهدة حتى يومنا هذا، وكان آخر عمل ثنائي قبل التوقف هو مسلسل "عيال الذيب" عام 2000، إلا أنهما عادتا بعمل فني درامي "البيت بيت أبونا" في 2013 للكاتبة وداد الكواري، ووقفنا معا لتجسيد مشهد مسرحي عفوي، يتناول عمق العلاقة بينهما وطولها زمنيا، وترجم ذلك عبر عديد الأعمال الدرامية التي سبق أن قدمتها حياة الفهد مع سعاد عبدالله، المشهد المسرحي القصير كان كفيلاً بأن يدخل الفرحة على قلوب الناس، سواء الذين تابعوه مباشرة، أو أولئك الذين تابعوه على منصات التواصل الاجتماعي، وكان انتشاره الواسع.
ومن ثنائيات حياة الفهد أيضا كانت مع الفنان القدير الراحل غانم الصالح، فقد كانت برفقته في بطولات: خالتي قماشة، الدردور، رقية وسبيكة، الغرباء، خرج ولم يعد، إليكم مع التحية، عائلة فوق تنور ساخن، الخراز، زوجة بالكمبيوتر، مسافر بلا هوية، وآخر عمل جمع بينهما ليلة عيد.
كما كانت في بطولة مع الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا كمسلسل "سوق المقاصيص" وعدد من الأعمال المسرحية، إلى جانب بطولتها مع الفنان الراحل خالد النفيسي في مسلسل "إلى أمي وأبي مع التحية".
دخلت "الفهد" في السباق الرمضاني لسنوات طويلة، لم تتوقف عن ذلك إلا في عام 2024م بعد أن تعرضت لوعكة صحية، وعادت في 2025م بتقديم مسلسل "أفكار أمي"، مؤكدة على أهمية أن تكون حاضرة بالأدواء المختلفة، وتثري الدراما الخليجية.
وحصدت الفنانة الراحلة جوائز عدة في محافل خليجية وعربية، وكانت يدا داعمة للشباب، ومحفزا للمواهب، كما كان يعرِف عنها من قبل كل من يعمل معها، أنها كانت في مواقع التصوير أكثر من كونها زميلة عمل؛ حيث تهتم وتراعي وتسأل وتقف لجانب كل فرد من طاقم عمل المسلسل، مما جعلها قريبة من الجميع، على الرغم من كونها عاشت حياة مريرة حزينة؛ فعلى الصعيد الشخصي لم يكتمل زواجها الأول بعد أن بدأ زوجها بمعارضتها للعمل الفني، وهو ما كان سببا لانفصالها، ولم يكن لها إلا ابنة واحدة "سوزان"، ولكنها اعتنت وربت بنات زوجها الثاني، وتبنت أخرى أيضا، فكانت تعوض قسوة والدتها بحبها لبناتها وتحنو عليهن.
تدهور وضعها الصحي
وبعد انتهاء الفنانة الراحلة من مسلسل "أفكار أمي" تدهورت حالتها الصحية، وأصيبت بجلطة مفاجأة، وكانت هي لحظة السقوط الأخيرة، فلم يسمع صوتها، ونقلت إلى بريطانيا لتلقي العلاج، وهو ما دام لأشهر، ولكن تم إعادتها للكويت مؤخرا بعد أن أعلن الأطباء عدم استجابة جسدها للعلاج، وبقت طريحة الفراش في غرفة العزل بالمستشفى، وقد أعلن الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني في التاسع عشر من أبريل الحالي في بيان يوضح تدهور حالتها ونقلها للعناية المشددة، وهو ما أكده المنتج يوسف الغيث مدير أعمال الفنانة الراحلة، حيث قال: "بعد تدهور وضعها الصحي مؤخرا، وإصابتها بالتهاب حاد في الدم، كانت قد ازدادت سوءا قبل الوفاة بيوم، وقد توقفت بعض الأعضاء عن العمل مع محاولة انعاشها إلا أنها فارقت الحياة فجر يوم الثلاثاء".
رحلت سيدة الشاشة الخليجية، وسط دموع جمهورها، وحزن أهلها ورفاقها والمقربين منها في الوسط الفني، شُيع جثمانها عصر اليوم في مقبرة الصليبيخات بدولة الكويت، ولكن عزاء الفن بها أنها قدمت رسالتها بكل صدق، وأتمت أمانة الرسالة، وكانت مثالا للمرأة الخليجية الواثقة، والفنانة المتمكنة، رحلت لتبقى في كل شاشة خليجية، محفوظة في إرشيف الفن الكويتي والخليجي.