كتب - فيصل بن سعيد العلوي
د.عزيزة الطائي: تشكل الهوية يتأسس على تداخل التجربة الفردية مع المحيط الاجتماعي
د فاطمة العلياني: الذاكرة والصدمات تصوغان البنية العميقة لتجربة السرد الذاتي
استضاف النادي الثقافي مساء أمس جلسة حوارية بعنوان "السيدة سالمة: سيرة الألق والوجع المر"، نظمها صالون سعيدة خاطر الثقافي وتناولت "مذكرات الأميرة سالمة" من خلال قراءتين نقديتين، قدمت الأولى الدكتورة عزيزة بنت عبدالله الطائي بورقة بعنوان "تقاطع الذاتي بالجمعي في مذكرات الأميرة سالمة"، فيما قدمت الدكتورة فاطمة بنت راشد العلياني ورقة بعنوان "الذاكرة والصدمة وتجلياتها في الكتابة السردية"، وأدار الجلسة الشاعر عبدالعزيز الغافري.
بدأت الدكتورة عزيزة الطائي مداخلتها بالوقوف عند أهمية "مذكرات الأميرة سالمة"، مشيرة إلى أن هذه التجربة لا يمكن حصرها في إطار محلي ضيق، بل تنفتح على أفق أوسع يتصل بالسير العالمية لما تحمله من ثراء إنساني وتعقيد في التكوين، حيث تتقاطع فيها مسارات النشأة في زنجبار ضمن فضاء سلطاني، مع تحولات لاحقة أعادت تشكيل وعي الكاتبة بذاتها وبالعالم من حولها.
وانطلقت "الطائي" من قراءة تنظر إلى هذه الكتابة بوصفها أقرب إلى المذكرات منها إلى السيرة الذاتية التقليدية، حيث لا تقتصر على تتبع حياة فردية معزولة، وإنما تمتد لتشمل عوالم متعددة، بين الشرق والغرب، في محاولة لفهم الذات وهي تعبر هذه المساحات وتعيد صياغة موقعها داخلها، متوقفة عند سؤال الذاكرة وما تتيحه من استعادة وما تفرضه من انتقاء، في ظل علاقة ملتبسة بين ما نتذكره وما يعيد تشكيلنا من الداخل.
وأشارت إلى أن اختيارها الاعتماد على ترجمة زاهر الهنائي جاء لاعتبارات تتصل بإحساسها بحضور الثقافة العُمانية داخل النص المترجم، إلى جانب ما أضافه من مواد مكملة، خاصة الرسائل التي تكشف جانبًا آخر من التجربة، وتضيء دوافع الكتابة وسياقاتها، لافتة إلى أن هذه الرسائل تمثل امتدادًا للسيرة، وتفتح بابًا لفهم أعمق للتحولات التي مرت بها سالمة.
وتوقفت عند البعد الإنساني في قراءة الشخصية، مؤكدة أن التعامل مع سالمة لا ينبغي أن يظل محكومًا بموقعها كأميرة، بل باعتبارها ذاتًا تواجه أسئلة الوجود والاختيار، في تجربة تتداخل فيها عناصر متعددة، من أصولها الشركسية، إلى علاقتها المعقدة بالأسرة، وما رافقها من شعور بالندم إزاء بعض المواقف، خاصة ما ارتبط بعلاقتها بأخيها، وما تركه ذلك من أثر في وعيها وسردها، كما أن المذكرات تقدم نصا يتشكل من الداخل، حيث تُروى الأحداث من زاوية ذاتية مثقلة بمشاعر متباينة، بين الخوف والتمرد، بين التردد والإقدام، وبين الحنين والانجذاب إلى عالم آخر، وهو ما يجعل الكتابة هنا أقرب إلى اعتراف طويل يتقاطع فيه الشخصي مع العام، ويتحول فيه السرد إلى مساحة لكشف الهشاشة الإنسانية وتعقيداتها.
وأضافت "الطائية": إن هذا النص لا يكتفي بكونه سردا ذاتيا لكنه يتحول إلى وثيقة تاريخية واجتماعية وثقافية، في الوقت الذي يحتفظ فيه بطابعه الأدبي، حيث تتداخل فيه عناصر التخييل مع الوقائع، نتيجة المسافة الزمنية بين الحدث والكتابة، ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التجربة وفق رؤية لاحقة.
وتطرقت إلى سؤال الهوية بوصفه أحد المحاور المركزية في هذه المذكرات، حيث تتجلى سالمة في حالة انقسام بين أكثر من انتماء، فلا تستقر ضمن تعريف واحد، بل تتحرك بين فضاءات ثقافية متعددة، وهو ما ينعكس على لغتها وسردها، وعلى الطريقة التي تعيد بها تقديم ذاتها للآخر، سواء في الشرق أو في الغرب.
كما توقفت عند العلاقة بين الذات والجماعة، مبينة أن الكتابة تشكل جسرًا تعبر من خلاله الكاتبة لتفسير تجربتها، حيث تكتب لتفهم نفسها وتبرر اختياراتها، وفي الوقت نفسه لتقدم روايتها الخاصة أمام مجتمعين مختلفين، في خطاب يتوزع بين الاعتراف والتفسير، ويكشف عن توتر دائم بين الرغبة في البوح والحاجة إلى الدفاع.
وأوضحت الدكتورة عزيزة الطائي أن هذا التقاطع يتجلى كذلك في بنية الخطاب، حيث تتعدد مستوياته بين التوثيق والسرد الشخصي، وبين اللغة العاطفية والنبرة التأملية، بما يعكس ازدواجية التجربة نفسها، ويمنح النص طاقة دلالية تتجاوز حدود الحكاية الفردية. وفي قراءتها لبنية النص أشارت إلى أن الذات تمثل المحرك الأساسي للسرد، حيث تنبثق الحكاية من التجربة الشخصية، لكنها سرعان ما تتسع لتشمل أبعادًا اجتماعية وسياسية، ما يجعل المذكرات فضاءً تتداخل فيه الأصوات، ويتحول فيه الخاص إلى مدخل لفهم العام.
واختتمت الدكتورة عزيزة الطائي مداخلتها بالتأكيد على أن مذكرات الأميرة سالمة تقدم نموذجًا غنيًا لتقاطع الذاتي مع الجمعي، حيث لا تُروى الحياة هنا باعتبارها تجربة فردية مغلقة، بل باعتبارها مرآة لتحولات أوسع تتصل بالمجتمع والتاريخ، وتظل مفتوحة على قراءات متعددة وتتجدد مع كل محاولة للاقتراب منها.
الأدب والفضاء السردي
بعدها قدمت الدكتورة فاطمة العلياني مداخلتها متناولة أدب المذكرات باعتباره فضاءً سرديًا يتجاوز حدود التوثيق الشخصي، ويتحول إلى مجال رحب لتقاطع التجربة الفردية مع التحولات الاجتماعية والثقافية والتاريخية، مشيرة إلى أن هذا الجنس الأدبي أسهم في إعادة تشكيل الوعي، وإتاحة المجال لذات الكاتبة كي تعيد بناء هويتها وتفصح عن رؤيتها للعالم عبر خطاب يجمع بين الصدق والتخييل.
وبدأت الدكتورة فاطمة العلياني من قراءة مذكرات السيدة سالمة ضمن سياقها التاريخي والثقافي وقالت: كُتبت المذكرات في أواخر القرن التاسع عشر في ظل تحولات عميقة شهدتها زنجبار وشرق أفريقيا، في لحظة تماس حضاري مع أوروبا، خاصة بعد انتقال الكاتبة إلى هامبورغ، وهو ما أضفى على النص بعدًا مركبًا يتصل بتجربة العبور بين ثقافتين، وبمحاولة تقديم صورة مغايرة عن الشرق للقارئ الأوروبي.
وأشارت إلى أن هذه المذكرات تكتسب أهميتها من كونها شهادة نادرة تصدر من داخل القصر السلطاني، وتكشف في الوقت ذاته عن تناقضات الهوية والانتماء، في ظل انتقال قاسٍ بين بيئتين، وما يرافق ذلك من أثر صادم يعيد تشكيل الذات ويضعها في مواجهة أسئلة جديدة تتصل بالانتماء والمعنى.
وفي مقاربتها وضحّت "العلياني" أن السيدة سالمة لا تنقل الوقائع كما حدثت بل تعيد تشكيلها من موقع لاحق، تتحكم فيه المسافة الزمنية والنفسية، وهو ما يجعل الذاكرة انتقائية وتفسيرية في آن، حيث تتحرك بين زمن التجربة وزمن الحكي، وتعيد ترتيب الأحداث وفق رؤية تعيد إنتاج المعنى، كما أن حضور الحنين كقوة دافعة للسرد، حيث يُعاد تشكيل الماضي في صورة أكثر صفاء، في مقابل حاضر يثقل بالاغتراب، ما يمنح النص بعدًا وجدانيًا واضحًا، ويكشف عن محاولة مستمرة لترميم الانكسار عبر استعادة عالم أول ظل حاضرًا في الذاكرة، كما أشارت إلى أن الذاكرة في هذه المذكرات تؤدي وظيفة تفسيرية موجهة، خاصة في خطابها للقارئ الأوروبي، حيث تسعى الكاتبة إلى شرح عادات مجتمعها وتقديم ذاتها ضمن سياق ثقافي مختلف، وهو ما يجعل النص مساحة لحوار حضاري يتجاوز حدود التجربة الفردية.
وفي حديثها عن الصدمة أوضحت "العلياني" أن هذه التجربة تتجلى كلحظة مفصلية أعادت تشكيل هوية الكاتبة، حيث لم يكن الانتقال إلى أوروبا مجرد تحول مكاني بل تجربة وجودية قاسية، أدت إلى انقسام الهوية وتعدد مرجعياتها، لتتشكل ذات هجينة تتأرجح بين الانتماء الأول ومتطلبات الواقع الجديد.
وأضافت أن الصدمة تظهر في مستويات متعددة من بينها الصدمة الحضارية الناتجة عن الاحتكاك بثقافة مختلفة، والصدمة العاطفية المرتبطة بالانفصال عن الأسرة والبيئة الأولى، وهو ما انعكس في خطاب مشبع بالحنين والافتقاد، يقابله شعور دائم بالاغتراب، وأن السرد في هذه المذكرات يتحول إلى أداة لاستيعاب هذا الانكسار، حيث تعيد الكاتبة تنظيم تجربتها عبر الكتابة، محاولة بناء توازن بين ما فقدته وما تحاول اكتسابه، في مسار لا يخلو من التوتر، ويكشف عن صراع مستمر داخل الذات، كما أن النص يتأرجح بين نبرة وصفية هادئة تخفي توترًا داخليًا، ولحظات يضيق فيها التعبير أمام ثقل التجربة، في مقابل اتساع السرد عند استعادة لحظات الطفولة والاستقرار، وهو ما يعكس علاقة غير متوازنة بين الذاكرة واللغة.
كما لفتت إلى أن البنية الزمنية للنص تقوم على التقطع والاسترجاع، حيث لا يسير السرد في خط متصل، بل يتشكل عبر عودة متكررة إلى لحظات مفصلية في محاولة لاستيعاب ما لم يُفهم في حينه، وهو ما يمنح النص طابعًا مفتوحًا، ويجعل التجربة الصادمة حاضرة في صور متفرقة لا تكتمل دفعة واحدة.
واختتمت الدكتورة فاطمة العلياني ورقتها بالتأكيد على أن مذكرات السيدة سالمة تمثل محاولة لاستعادة الذات وإعادة بنائها، حيث تتحول الكتابة إلى فعل استشفاء تسعى من خلاله الكاتبة إلى ترميم هويتها، وتقديم روايتها لأبنائها وللعالم في نص يكشف عن تعقيدات التجربة الإنسانية في لحظة الترحال والتحول.
مداخلات مثرية
وفي ختام الجلسة ركزت المداخلات حول تجربة السيدة سالمة على إشكالات الهوية والاختيار والذاكرة، بين قراءة تميل إلى الحكم وأخرى تنفتح على البعد الإنساني، وتوزعت الآراء بين محاولة فهم دوافع التحول، وبين التأكيد أن النص لا يقدم إجابات مباشرة، بل يترك للقارئ بناء تأويله في كتابة تتسم بالتشظي والانفتاح، كما حضرت أسئلة حول الحنين والاغتراب ومحاولات العودة، ودور الكتابة بين الاعتراف وإعادة بناء الذات، في تجربة منقسمة بين عالمين، وتطرقت المداخلات إلى اختلاف الترجمات وصور السيرة في الكتابات الأخرى، إلى جانب بعدها المرتبط بتاريخ زنجبار وامتداد الحضور العُماني.
وأكدت المداخلات في ختامها إلى أن مذكرات السيدة سالمة تظل نصا مفتوحا، يستعصي على القراءة الواحدة، ويستدعي العودة إليه من زوايا متعددة، لما يختزنه من طبقات سردية وإنسانية تتجاوز حدود السيرة إلى أسئلة أوسع تتصل بالهوية والذاكرة والتحول.