نوف السعيدي -
من العجيب وخصوصًا في ظل الحروب القائمة، أن يُنظر للعنف بأنه صانع للتقدم. لكن هذا ما يُجادل الدكتور حيدر اللواتي بأن الحروب تفعله في مقاله المنشور في هذا العدد. نعم يُقرّ الكاتب (كثّر خيره) بأن الحروب تؤدي للدمار، لكنه يعتقد بأن الحروب تصنع التقدم العلمي، فيقول إن الصراعات البشرية أجبرت البشر «على تجاوز حدود المعرفة والابتكار» وأدت إلى «قفزات علمية غير مسبوقة»، وهو يصيغ المعضلة كالآتي:
«مع ذلك، وعلى الجانب الآخر من هذه المعادلة، تأتي الحروب حاملة معها أثقالًا بيئية مدمرة تترك آثارًا طويلة الأمد على كوكبنا، هذه الفجوة بين التقدم العلمي والتدمير البيئي تطرح سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن يكون للعنف والحرب دور في دفع العلم نحو الأمام بينما يدفع الأرض إلى هاوية الدمار؟ في هذا المقال، نستعرض كيف كانت الحروب محركات للعلم، وفي الوقت نفسه، مدمرة للبيئة التي نعيش فيها». لا يوجد في هذا الاقتباس ما يحمل أدنى إدانة للحروب أو العنف من حيث المبدأ. ولو أن المقال يعالج أي مجال معرفي آخر لما تجرأ على تصوير الأمور وكأنها معضلة: الحرب مفيدة فهي تصنع تقدمًا علميا وتقنيًا؛ لكنها للأسف تأتي بأضرار جانبية كأن تقتل وتلوث. يشبه هذا أن يُجادل خبير في الاقتصاد بأن للحرب منافع، وأنها تصنع التنمية والازدهار؛ فهي تزيد تصنيع وبيع الأسلحة، وبهذا المعنى فهي تعزز الاقتصاد.
رأي الكاتب -للأسف- ليس شاذًا بالكامل، بل هو متوافق مع قيم وأفكار الكثيرين من ممارسي العلم؛ لهذا لن نجد رأيه مستهجنًا. على العكس قد يُقبل ويُستحسن في كثير من الدوائر العلمية. الحقيقة أنني أشعر بشيء من الخجل وأنا أعمل على نص يُجادل حول البديهيات، حول ما يفترض أنه واضح كالماء: أن الحرب جريمة، وأنها ضد التقدم البشري. والسؤال هو، كيف وصلنا إلى هنا، إلى أن يُجادل أستاذ جامعي، يعمل بواحدة من المؤسسات الأكاديمية المرموقة في البلاد، وكيف له أن يضع ادعاءات حول كون الحروب محركات للعلم ومدرات للمعرفة والابتكار وصانعات للتقدم.
على عكس ما يُدّعى، فالتدريب العلمي أسير عقيدة علمية غير ناقدة. تدعي المؤسسة العلمية بأنها قائمة على الإثبات ومحاولات الدحض لمقاربة الحقيقة قدر الإمكان، لكنها في الممارسة الواقعية، وفي صفوف الدراسة، وفي المختبرات، تحتكم إلى قواعد صارمة، وتُقاد بنظريات لا يُسمح بالتشكيك فيها؛ فالتشكيك مضيعة للوقت، والتشكيك مُكلف، والتشكيك يُعرقل التقدم. كأي موضوع يُطرح اليوم، لا يُمكن الحديث عن العلم والتكنولوجيا دون الحديث عن زواجهما بالرأسمالية. تأتي الرأسمالية بمجموعة قناعات: التريث وإمعان النظر هدر، كثرة التفكر بالآثار السلبية المحتملة لمشروع ما تعطل العمل. لهذا تحديدًا يُنظر للفلسفة والأخلاق بأنها لا تقدم الكثير للبشرية، فهي تنشغل بالمصلحة البشرية (مصلحة ورفاه كل البشر وليس المجموعة الأقوى والمهيمنة فقط) على المدى البعيد، وهذا الانشغال لا يصنع «التنمية» و«الازدهار» الفوري. فالازدهار يعني في خطاب اليوم الإنتاج المجنون بغض النظر عن التبعات. لهذا يُهاجم الناشطون في مجالات البيئة والمساواة الاجتماعية ونقض الاستعمار باعتبارهم أعداءً للتنمية.
لا يُدين الكاتب سوء النوايا، ويُبرر الغاية والوسيلة في سبيل نتيجة إيجابية قد تظهر عرضًا في المستقبل. بمعنى أنه لا يدين البحث بهدف تطوير أسلحة فتاكة؛ لأن هذا السعي قد ينتج «معارف» وأدوات يُمكن استغلالها لاحقًا في أمور نافعة. يقول: «ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، استُخدمت الاكتشافات العلمية التي تم تطويرها أثناء الحرب، كأساس لتطورات صناعية وطبية هائلة في فترات السلام»، ويقول في موقع آخر: «بعد انتهاء الحرب، تحولت التقنيات النووية من أدوات دمار إلى مصادر للطاقة السلمية؛ حيث استُخدمت في توليد الكهرباء وتطوير الطب النووي».
هذا النمط من التفكير الحتمي خطير على المستوى الأخلاقي والمنطقي أيضًا. فماذا عن السيناريو الآخر؛ حيث لا تتورط البشرية بحروب مدمرة ومستنزفة؟ يفترض هذا الرأي أن حالات السلم لا تُحفز الابتكار وإنتاج معارف جديدة. وفي هذا دعوة ضمنية للتسامح مع من يشنون الحروب ويُجرمون بحق الإنسانية بحجة أن طيشهم يُنتج الإبداع، والخروق الأخلاقية تصنع بيئة حرّة من أي قيد أخلاقي وقانوني. يُمكن لهذه العقلية أن تُبرر أسوأ الشرور، عبر ادعاء أن الفوضى بالضرورة خلّاقة ولا جدال في ذلك. بل وأن الفوضى هي شيء لا غنى عنه للخلق والإبداع. ترى هذه العقلية في كل كشف علمي تقدمًا، وتتسامح مع النوايا غير الأخلاقية التي تُحرك البحث العلمي، كما تتسامح مع الأزمات التي يضعنا فيها العلم الطائش. تتسامح مع تحول طبيعة العلم إلى نشاط غير مسؤول، وأداة إضرار قيمتها في قدرتها على التعامل مع الضرر الذي تسببه. تُسلّم هذه العقلية بأن أي ابتكار على الإطلاق يصنع التقدم، دون أن تشترط أن تنقلنا هذه الابتكارات لحال أفضل.
يُمكن القول إن الحروب تغير العلم، ولكن التقدم شيء آخر تماما تعرقله الحروب. يرتبط التقدم بتحقيق الرفاه الإنساني، ويرتبط التقدم العلمي الواعي بإنتاج المعرفة التي تؤدي لهذا الرفاه. بالتالي، فإنتاج أداة دقيقة ومذهلة وباهظة الثمن قادرة على شطر الشعرة لنصفين متساويين أمر لا معنى له، ولا يعد تطويرها تلقائيًا إسهامًا في التقدم مهما بلغ أداؤها من دقة، لكننا سنتسامح مع تطوير أداة كهذه، فنقول إن التمويل كان يجب أن يذهب عوض ذلك لأبحاث اللوكيميا مثلا، لكن نقدنا لشاطر الشعرة سيقف عند هذا الحد على الأغلب. على عكس ذلك، سيختلف موقفنا لو أن هذا الجهاز كان لتهشيم العظام، ولو أننا رأينا إنتاجه في تزايد، ورأيناه يُحمل لمستعمرات العالم وسجونه ليوضع تحت الخدمة.
يقول الكاتب إن سباق تطوير الغازات السامة كسلاح فتاك «دفع إلى تطوير علوم الكيمياء التحليلية والعضوية لفهم تركيب هذه المواد وتأثيرها، وكذلك للبحث عن وسائل وسبل الحماية والوقاية من هذه الأسلحة الفتاكة». يُدخلنا البحث العلمي غير المسؤول في دائرة مفرغة من تطوير شيء ما، التسبب في أزمة بسبب التعجل، أو التطبيق الضار له، ما يجعلنا محتاجين لجهود بحثية مخصصة للتعامل مع آثاره، بدل أن يكون البحث العلمي متروّيًا، وذا بصيرة، ومدروسًا يضمن ألا يسفر عن آثار سلبية، ويقدم حزمة من الإجراءات الاحترازية وآليات التعامل مسبقة التصميم. هذا الزواج بين العلم وجشع الربح والهيمنة أنتج لنا مؤسسة علمية لا تكترث -بما يكفي- بالتبعات، ما دام البحث سيصنع أسواقًا جديدة، ويُحقق ربحًا سريعًا.
نمط التفكير هذا يتكرر في مناسبات أخرى عبر المقال؛ إذ يقول: «إضافة إلى ذلك، دفع الضغط الحربي إلى تحسين طرق تصنيع الأدوية والمواد الطبية، خصوصًا المضادات الحيوية التي بدأت تظهر في أواخر الحرب العالمية الأولى، والتي أحدثت ثورة في علاج الإصابات والعدوى بين الجنود». يُركز هذا المنظور الانتقائي على التعامل الإيجابي مع نتائج العنف، دون التفكير بأنها ما كانت يجب أن تكون من الأساس. الحروب والصراعات العنيفة هي التهديد الأهم للصحة والمسؤولة المباشرة عن أعداد لا تحصى من الضحايا. وها نحن، بدل القول إن النشاط العلمي أضاع البوصلة وضلّ الطريق، ننشغل بإحصاء القفزات الفتاكة التي تؤدي إلى وضع مأزوم، يأتي العلم لحل الأزمات التي تسبب بها، ونُدعى للتصفيق له لاستجابته لأزمة هو صانعها. هل علينا أن نُصفق للوسيلة التي منحت طفلًا مبتور الساق رِجلًا صناعية يمشي بها، بعد أن تكون تلك الوسيلة نفسها هي من حدده كهدف، وطوّرت المتفجرات القادرة على اختراق الإسمنت، والمواد الحارقة التي اخترقت لحمه؟
ثمة خطر آخر -لا يُستهان به- يخص البحث العلمي الحربي. فالحروب تصنع حاجات تلتغي بانتهائها، ليبقى لدى صاحب المال أصول وموارد لا يُمكن أن يرضى بهدرها. فيأتي الحل غالبًا بصناعة حاجات تضمن أن يبقى المصنع نشطًا، والمنتج مطلوبًا، والمال متدفقًا. كما حدث عند تحول الكثير من مصانع تصنيع المتفجرات بعد الحربين العالميتين إلى إنتاج الأسمدة الاصطناعية، وترويجها كبديل عن الأسمدة العضوية، متسببة بآثار بيئية تدميرية، وحوادث في المصانع إثر تسرب الغازات مودية بحياة الآلاف.
نوف السعيدي كاتبة في مجال فلسفة العلوم