ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
بعد أسابيع من القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 2000 لبناني، وتشريد حوالي مليون من السكان، أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار لمدة تصل إلى عشرة أيام، وهو الأمر الذي دفع بالقيادة الإيرانية إلى إعلان فتح مضيق هرمز بالكامل، رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن حصار بلاده على إيران سيظل ساريا إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين.
وفي الجانب الإسرائيلي نجد أن نتنياهو قد أبدى تعهده بأن قواته ستبقى في جنوب لبنان، في محاولة لإنشاء ما يعرف بـ«المنطقة الأمنية» بطول عشرة كيلومترات، وهذا الأمر يدفعنا للتساؤل ما إذا كان وقف إطلاق النار سيوقف هجمات إسرائيل على «حزب الله» أم سيستأنفها؟
بالعودة إلى عام 2024، وبعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، والذي استمر لحوالي 13 شهرا، نجد أن إسرائيل واصلت شن غارات جوية، إضافة إلى تنفيذ عمليات اغتيال ضد مقاتلي حزب الله.
بناء على تاريخ الحروب والقتال في المنطقة، نجد أن الناس اكتسبت معرفة تاريخية جعلتها تميل إلى الرجوع إلى الماضي لقياس سيناريوهات الحروب؛ لأن ذلك يجعلهم يفهمون ما يجري بشكل أسهل!
ولكني شخصيا أرى أن الواقع مختلف، ولا تُقاس السيناريوهات ببعضها، فما يحدث أحيانا يمكن تسميته بـ«فوضى الحروب»؛ وهي حروب ذات تعقيدات ولا تلتزم بالحدود التي وضعها الإنسان، إنما على العكس تماما، فكثيرا ما يحدث اختراق لهدنات وقف إطلاق النار، وتستمر آليات القتل بالتحرك دون توقف، وهنا تأتي المفارقة في مثل هذه الاتفاقيات، فقد تنتهي مرحلة من مراحل الصراع، ولكنها بشكل قطعي تمهد الطريق لمرحلة أخرى.
ولنأخذ حرب إسرائيل على قطاع غزة كمثال؛ حيث انتهت الحرب بعد أن وقعت إسرائيل وغزة «خطة السلام»، وقد تضمنت 20 بندا، وتوسطت فيها الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر من عام 2025.
ورغم أن بنود الاتفاقية عامة وغامضة، فإنها حققت فوائد كثيرة، إذ أدى ذلك إلى تراجع الأرقام الكبيرة من القصف الإسرائيلي على غزة، وكذلك تم تبادل المحتجزين عند كل طرف، المحتجزين الإسرائيليين عند حماس منذ 7 أكتوبر 2023، والفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، إلى جانب ذلك سُمح للمزيد والكثير من المساعدات بالوصول إلى قطاع غزة، مقارنة بفترة إطلاق النار.
ولكن هذا لا يعني خلو الجوانب السلبية؛ فالاتفاقية سمحت باستمرار العديد من المشاكل الناجمة عن الحرب، وعلى سبيل المثال، انصرف العالم، بما فيه الناس ووسائل الإعلام والرأي العام، بعد وقف إطلاق النار عن العنف الذي ترتكبه إسرائيل، فالعالم اتجه إلى أحداث أخرى، وهذا ما مكن إسرائيل من مواصلة بعض أعمال العنف بعيدا عن أنظار العالم، لتشمل أعمال عنف في الضفة الغربية على الفلسطينيين.
وحتى المساعدات التي تصل إلى قطاع غزة، صحيح أنها أكثر مما كان في وقت الحرب، إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب وأقل بكثير من الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع، كما أن مستقبل إدارة غزة، وفق خطة السلام، لا تزال مرفوضة وغير واضحة، والمستقبل مجهول.
وهذا يشير إلى إمكانية رؤية ديناميكيات مماثلة في إيران، بعد أسبوع واحد من توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار الغامضة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
يبدو أن النظام الإيراني قد استغل الفرصة التي أتاحتها فترة «السلام» في محاولة لتعزيز موقفه التفاوضي في أي محادثات سلام مستقبلية.
أما على صعيد وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل، فإنه قد يمنح المدنيين اللبنانيين قدرا من الهدوء المؤقت، غير أنه في المقابل قد يوفر لإسرائيل مساحة زمنية هادئة بعيدا عن الأضواء الإعلامية، لتعزيز وجودها العسكري في جنوب لبنان، كما حدث في غزة!
وفي سبيل إنشاء ما يُعرف بـ«المنطقة الأمنية» صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بأن الجيش سيعمل على هدم المباني في البلدات اللبنانية القريبة من الحدود، إلى جانب منع السكان اللبنانيين النازحين من العودة إلى منازلهم، في حين أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى في مواقعها. وهذا كله يمكن تنفيذه بشكل أكثر سهولة في ظل وجود اتفاق لوقف إطلاق النار!
وعلى المستوى العالمي، تشهد عشرات الدول حاليا نزاعات مسلحة؛ حيث يحرص كثير من الناس على متابعة الأخبار بشكل مستمر، في محاولة لفهم ديناميكيات هذه الحروب، وأعداد الضحايا، وكيف يمكن أن تنتهي.
غير أن هذا المشهد، بما يحمله من مأساوية، يتداخل مع ما يمكن وصفه بثقافة «العناوين»، التي تميل إلى الإثارة وجذب الانتباه والسعي إلى الانتشار، وهو ما يجعل اهتمام الرأي العام بأي صراع لا يرتبط بالضرورة بحجم المعاناة، بقدر ما يرتبط بحجم التغطية الإعلامية.
ومع تطور الإعلام الرقمي، أصبحنا أمام صورة قريبة ومستمرة للمعاناة الإنسانية والموت، لكنها في كثير من الأحيان لا تُترجم إلى اهتمام دائم أو تحرك فعلي.
ورغم أن الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أو توقيع اتفاقية سلام يُعد خبرا مهما وجديرا بالمتابعة، إلا أن الاهتمام الإعلامي والجماهيري غالبا ما ينتقل بعد ذلك إلى صراعات أخرى أكثر «نشاطا»، وهي أيضا لا تقل أهمية، في ظل غياب أي نقص في الحروب حول العالم.
وبمجرد الاعتقاد بأن صراعا ما قد «انتهى» بتوقيع اتفاق، فإن ما يأتي بعد ذلك من تطورات غالبا ما يبقى غامضا أو بعيدا عن التغطية الكافية.
وفي ضوء ذلك، فإن اتفاقيات وقف إطلاق النار واتفاقيات السلام لا يمكن النظر إليها دائما على أنها بداية حقيقية للسلام، أو نهاية واضحة ومكتملة لمسارات الحروب.
بل يمكن القول إن أطراف هذه الاتفاقيات باتت تدرك بشكل متزايد مفارقة «السلام»، وتبني حساباتها السياسية والعسكرية على هذا الأساس.
وإذا ما أردنا فعلا فهم ما تعنيه الحرب والسلام بالنسبة لملايين البشر في عالم يزداد تعقيدا وتقلبا، فإن ذلك يتطلب منا توسيع فهمنا لمفهوم وقف إطلاق النار واتفاقيات السلام، والاستمرار في متابعة ما يحدث بعدها، وعدم الاكتفاء بلحظة الإعلان عنها.
ماريكا سوسنوفسكي باحثة أولى في جامعة ملبورن
نقلا عن آسيا تايمز