"العُمانية": "الفيلم الوثائقي ينجح عندما يكون صادقًا في محليته وقادرًا في الوقت نفسه على أن يلامس الإنسان بشكل عام"، بهذه العبارة يصف المخرج العُماني صلاح الحضرمي فلسفته في صناعة الفيلم الوثائقي -وفق تعبيره-.
ويعكس هذا التوجه ما حققته أعماله الوثائقية، من بينها "الزيج" و "بنت الرمل" من جوائز محلية ودولية في مجالات الإخراج والتصوير والسيناريو والمونتاج، وجوائز لجان التحكيم والجمهور في عددٍ من المحافل العربية والعالمية، كما دُشّن فيلمه الوثائقي "المتك" في متحف عُمان عبر الزمان، بما يعكس التقدير النقدي والتفاعل الجماهيري مع أعماله.
ويشير في حديث لوكالة الأنباء العُمانية إلى أن الجوائز تمثل له تقديرًا مهمًّا ومسؤولية لأن كل تجربة ناجحة ترفع سقف التوقعات وتدفعه إلى تقديم أعمال أكثر عمقًا وصدقًا، موضحًا أن القيمة الحقيقية تكمن في الاستمرار لتقديم أعمال تحمل فكرة وتترك أثرًا.
وعن البداية التي شكّلت هويته الإخراجية في تحويل الصورة إلى رؤية بصرية متكاملة وإخراجها كفيلمٍ وثائقي، يقول: "كانت البداية بالنسبة لي مرحلة بحث وتعلم أكثر من كونها وضوحًا كاملاً، ففي المراحل الأولى كنت أتعامل مع الصورة كوسيلة توثيق، لكن مع الوقت أدركت أن الصورة يمكن أن تكون أداة تعبير تحمل معنى ورؤية وليس مجرد نقل للواقع، ومن هنا بدأت تتشكّل ملامح هويتي الإخراجية وخاصة في أفلامي الأخيرة مثل "الزيج" و "بنت الرمل" و "المتك"، عندها أصبح التركيز ليس فقط على جمال اللقطة، بل على صدقها وعلى ما يمكن أن تضيفه داخل سياق متكامل يخدم فكرة الفيلم، فالفيلم الوثائقي في نظري لا يقوم فقط على عرض ما يحدث، بل على فهمه وتقديمه بطريقة تفتح مساحة للتفكير لدى المشاهد.
ويضيف أن البدايات في أي تجربة إبداعية تكون مرتبطة بالتجريب، حيث إن التعثر وارد وطبيعي، وهذه المرحلة مهمة لأنها تسهم في بناء الخبرة وتطوير النظرة وتساعد صانع الفيلم على اكتشاف أسلوبه الخاص، لذلك يمكن القول إن البدايات بما تحمله من تحديات ليست عائقًا أمام النجاح، بل هي جزء أساسي من تكوينه.
وعن اختياره لموضوعاته، ومدى ارتباطها بالمجتمع والبيئة العُمانية مقابل انفتاحها على القضايا الإنسانية الأوسع، يوضح الكيفية التي يصنع بها هذا التقاطع، قائلًا: "في العادة أبدأ من المكان الذي أعرفه ومن القصص التي تنتمي إلى بيئتي، لكنني أحرص على البحث داخلها عن الفكرة الأوسع التي يمكن أن تتقاطع مع الإنسان في أي مكان، وهذا التقاطع يتكون من خلال الصدق في الطرح والاهتمام بالتفاصيل وتقديم الشخصيات والحكايات بشكل حقيقي بعيد عن التكلف، لذا أرى بأن التفاصيل القريبة من المجتمع والبيئة العُمانية تحمل في جوهرها أبعادًا إنسانية يمكن أن يفهمها أي متلقٍ مهما اختلفت خلفيته". موضحًا أنه كلما كانت الحكاية أكثر صدقًا في مكانها، كانت أكثر قدرة على الوصول إلى العالم.
ويرى أن بقاءه كأثر معرفي يرتبط بقدرته على تجاوز فكرة عرض المعلومة ويتجه نحو طرح معنى أعمق يلامس وعي المشاهد، مشيرًا إلى أن هناك عدة عناصر تسهم في ذلك وفي مقدمتها الصدق في الطرح لأن أي معالجة غير صادقة قد تشاهد لكنها لا تبقى، وكذلك بناء سرد بصري متماسك، يجعل الفكرة تتطور بشكل طبيعي ويمنح المشاهد فرصة للتفاعل معها.
ويضيف أنه من المهم أن يطرح الفيلم سؤالاً، لا أن يقدم إجابة جاهزة لأن السؤال هو ما يستمر مع المتلقي بعد انتهاء العرض، وهو ما يحول العمل من تجربة مشاهدة إلى تجربة تفكير، إضافة إلى ذلك فإن الاهتمام بالتفاصيل وربط الموضوع بسياق أوسع سواء كان ثقافيًّا أو إنسانيًّا، يعزز من قيمة الفيلم ويمنحه قابلية للاستمرار، فالوثائقي لا يقاس بمدة عرضه، بل بمدة بقائه في ذهن المشاهد.
ويتطرق إلى التحدي الذي يواجه الفيلم الوثائقي في الحفاظ على عمقه دون أن يفقد قدرته على الوصول والتأثير، خصوصًا وسط التنوع الكبير في المحتوى الرقمي، قائلًا: إن التحدي اليوم ليس في تبسيط الفكرة، بل في طريقة تقديمها لأن الفيلم الوثائقي لا يحتاج أن يتخلى عن عمقه ليصل، بل يحتاج إلى لغة بصرية ذكية تقرب الفكرة دون أن تفرغها من مضمونها.
ويقول الحضرمي: إن المشهد الوثائقي في سلطنة عُمان يشهد حراكًا ملحوظًا، وهناك شغف واضح لدى الشباب خاصة في مجال التصوير وإنتاج المحتوى البصري، وهذا الحضور يعد مؤشرًا إيجابيًّا لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تحد مهم، وهو أن جزءًا كبيرًا من هذا الإنتاج ما يزال يركز على الصورة من جانبها الجمالي، دون أن يُستثمر بالشكل الكافي في بناء الفكرة أو المعالجة السردية، مؤكدًا أن صناعة الفيلم الوثائقي لا تقوم على توفر الكاميرا فقط، بل أيضًا على وجود رؤية ووعي بكيفية تحويل المادة المصوّرة إلى قصة متكاملة تحمل معنى.
ويذكر الحضرمي أن هناك قصصًا ثرية تستحق أن تروى من عُمان، لكنها تحتاج إلى اشتغال أعمق وإلى انتقال حقيقي من مرحلة التصوير إلى مرحلة صناعة الفيلم، مشيرًا إلى أن الحاجة اليوم لا تقتصر على الإنتاج وحده بل على بناء وعي سينمائي يواكب هذا الشغف، من خلال التدريب والتجربة وإيجاد بيئة حاضنة للنقاش والعرض، فعندما يلتقي الشغف بالوعي سوف نرى أعمال وثائقية قادرة على المنافسة وقادرة في الوقت نفسه على أن تترك أثرًا حقيقيًّا، مؤكدا على أهمية المساهمة في دعم المشهد سواء من خلال نقل الخبرة أو المشاركة في إيجاد بيئة تساعد على تطوير هذا المجال، فكل بداية جديدة هي محاولة مستمرة للاقتراب أكثر من الفكرة التي تستحق أن تروى ويمتد أثرها.