استطلاع- حمدان بن هاشل الشرقي -
يشهد نمط الإنفاق في سلطنة عُمان تحولات متعمقة تتجاوز الجانب التقني لتلامس جوهر الثقافة المالية وأساليب إدارة الادخار، حيث أسهم اتساع حضور البيئة الرقمية في حياتنا اليومية واعتمادنا المفرط على حلول الدفع غير النقدي والسداد الرقمي في إعادة تشكيل سلوكنا الاستهلاكي، حيث أصبحت قرارات الشراء اليوم أكثر سرعة وأقل ارتباطًا بالإحساس المباشر بقيمة المال، في وقت تتنامى فيه تأثيرات العوامل النفسية ومنصات التواصل الاجتماعي على توجهات الأفراد الاستهلاكية.
وتشير دراسات حديثة إلى أن استخدام وسائل الدفع الرقمية قد يسهم في رفع معدلات الإنفاق الفردي بنسبة تتراوح بين 10% و30% مقارنة بالدفع النقدي، نتيجة تراجع ما يعرف بـ"ألم الدفع" وتسارع اتخاذ القرار الشرائي.
وفي هذا الاستطلاع نسلط الضوء على آراء مختصين وتجارب واقعية من المجتمع لرصد ومناقشة ملامح هذا التحول وتحليل انعكاساته على سلوك الإنفاق في المجتمع العُماني.
في البداية قالت حمدة الشامسي كاتبة في القضايا الاجتماعية: إن سهولة الدفع الإلكتروني تشكل شعورًا مرتبطًا في جوهره بتراجع الإحساس المباشر بقيمة المال عند استخدام الوسائل الرقمية، فعند الدفع نقدًا، يمر الفرد بتجربة حسية كاملة عند ملامسة الأوراق المالية، حيث يشعر فعليًا بخروجها من يده، مما يخلق لحظة وعي وتردد طبيعية وهو يرى المبلغ يتناقص أمام عينيه.
هذا ما نسميه في سيكولوجية المال "ألم الدفع"، وهي وخزة نفسية تعمل كفرامل فطرية للإنفاق، أما الدفع الرقمي المنتشر هذه الأيام، خاصة بين فئة الشباب، فقد جعل العملية لحظية وسلسة، دون أن يصاحبها ذلك الشعور النفسي بـ"الخسارة"؛ فالعملية أصبحت مجرد "نقرة" أو تمريرة هاتف، مما "يُخدر" الحواس تجاه نقصان الرصيد، وهو ما يعزز الإحساس بسهولة الإنفاق والاندفاع فيه.
وأشارت أن هناك دراسات مستفيضة في علم نفس المال تشير إلى هذا بوضوح؛ فغياب الطابع الملموس للمال الرقمي يؤدي إلى ضعف الارتباط العاطفي بقيمته، ويظهر ذلك جليًا في سلوكيات الاستهلاك اليومية، مثل تكرار الطلبات عبر تطبيقات التوصيل؛ فالفرد قد يطلب وجبة خفيفة أو قهوة بمبالغ تبدو بسيطة في كل مرة، لكن عقله يفشل في تجميع هذه الشظايا المالية ليرى الصورة الكاملة، هذا النمط من "الإنفاق المجزأ" يجعل الشخص أقل وعيًا بحجم مصروفاته الفعلية، لأنه لا يرى المال يغادر محفظته يومًا بعد يوم، وبالتالي لا يشعر بثقله، ولا يدرك حجم التراكم إلا لاحقًا حين يصطدم بكشف الحساب الذي يكشف أن تلك "القطرات" الصغيرة قد شكلت سيلًا استنزف ميزانيته.
أما حول سبب انجذابنا المستمر للعروض والتخفيضات بالرغم من عدم حاجتنا لها فقد أوضحت أن الانجذاب للعروض في الأساس لا يرتبط بالحاجة بقدر ما يرتبط بـ"الإحساس بالفرصة"؛ فالعروض خاصة تلك المرتبطة بزمن محدد أو بنسبة خصم مرتفعة، تخلق لدى الفرد شعورًا بأنه قد "يخسر" إن لم يستفد منها الآن.
ومع انتشار المتاجر الإلكترونية وحسابات التسويق عبر "إنستغرام"، نلاحظ إقبالًا كبيرًا على شراء منتجات كالملابس أو العطور لمجرد أنها ضمن عرض مغرٍ، لا لأنها تلبي حاجة فعلية.
وهنا يتحول القرار من كونه عقلانيًا إلى استجابة لحافز نفسي مؤقت؛ فنحن في الغالب نشتري "التوفير" المتخيل في الخصم لا المنتج نفسه، وببساطة نحن لا نشتري ما نحتاج في الغالب، فقراراتنا المالية تكون مدفوعة بمشاعرنا التي توهمنا بالربح بينما نحن نمارس الإنفاق.
تأثير وسائل التواصل
وفي جانب تأثير وسائل التواصل على قرارات الشراء قالت: لا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا متزايدًا وحاسمًا في تشكيل سلوك المستهلك، خصوصًا في مجتمع شاب ومنفتح كالمجتمع العماني.
فالتعرض المستمر لمحتوى يعرض تجارب استهلاكية متنوعة، من مطاعم جديدة إلى منتجات تجميل، يخلق نوعًا من المقارنة الاجتماعية غير الواعية، ويدفع الأفراد إلى محاكاة ما يرونه ليشعروا بالانتماء لنمط حياة معين.
كما أن توصيات المؤثرين تسهم بشكل مباشر في توجيه قرارات الشراء، حيث قد يتحول منتج أو مكان معين إلى "وجهة رائجة" خلال وقت قصير نتيجة الترويج الرقمي، مما يلغي مرحلة التفكير في "الاحتياج" ويستبدلها برغبة "المواكبة" والظهور بمظهر المتصل بآخر الصيحات.
اندفاع فئة الشباب
وبينت الشامسي، أن نسبة الاندفاع في عمليات الشراء لدى فئة الشباب عادة ما تكون بقدر أكبر نظرًا لعدة عوامل مجتمعة، من بينها سرعة التفاعل مع المحتوى الرقمي، والرغبة المتزايدة في خوض التجارب الجديدة، وسهولة الوصول إلى المنتجات والخدمات بلمسة زر، حيث تشكل الفئة الشابة نسبة كبيرة من المجتمع العماني، ويظهر هذا السلوك بوضوح في الإقبال المتكرر على التجارب الاستهلاكية كزيارة المقاهي الجديدة أو شراء منتجات رائجة عبر الإنترنت دون تخطيط مالي مسبق.
هذا الاندفاع تعززه ثقافة "الآن" وسهولة إتمام عمليات الدفع الإلكترونية التي لم تعد تعطي مساحة زمنية للعقل ليعيد تقييم القرار قبل فوات الأوان.
وفي جانب السلوكيات التي تدل على ضعف التحكم في الإنفاق لدى الأفراد، أوضحت أنه من أبرز المؤشرات التي تستدعي الحذر: تكرار الإنفاق اليومي العفوي دون تخطيط، خصوصًا عبر تطبيقات التوصيل، والشراء بدافع العروض أو التأثر بالمحتوى الرقمي، إضافة إلى تجنب تتبع المصروفات أو الخوف من مواجهة الواقع المالي، كما يظهر ذلك في تراكم مشتريات غير مستخدمة في زوايا المنزل، والشعور المفاجئ بالندم فور انتهاء نشوة الشراء، هذه السلوكيات باتت أكثر وضوحًا في بيئتنا الرقمية المعاصرة، وتعكس حاجة ملحة إلى تعزيز الوعي المالي؛ فاليقظة المالية اليوم لا تعني التوقف عن الاستمتاع، بل تعني استعادة السيطرة الواعية على قراراتنا في ظل التحولات السريعة التي يشهدها نمط الاستهلاك في المجتمع العماني.
تغير بنية الإنفاق
من جانبه أوضح عبدالله العبري، خبير الاقتصاد السلوكي، أن التحول نحو الدفع الرقمي أحدث علامة فارقة في التطورات التقنية في وسائل الدفع، حيث أعاد تشكيل السلوك الاستهلاكي للأفراد بشكل واضح، فالصورة التقليدية التي تفترض أن الإنسان يتخذ قراراته المالية بعقلانية وتأنٍ لم تعد تنسجم مع الواقع اليومي؛ إذ باتت قرارات الإنفاق تُتخذ بسرعة لافتة، مدفوعة بسهولة الإجراء أكثر من كونها نتيجة تفكير اقتصادي واعٍ، وأشار إلى أن اختفاء الاحتكاك المصاحب لعملية الدفع، مثل إخراج النقود ورؤيتها، أسهم في تقليص لحظة التردد التي كانت تسبق القرار، مما جعل الإنفاق يحدث بشكل أكثر سلاسة وأقل إدراكًا.
وبين أن هذا التحول انعكس بشكل مباشر على البنية النفسية للإنفاق، حيث تراجع ما يُعرف في علم الاقتصاد السلوكي بـ"ألم الدفع"، وهو الإحساس الذي كان يشكل رادعًا طبيعيًا أمام الإفراط في الاستهلاك، فمع استخدام البطاقات والمحافظ الرقمية، لم يعد الفرد يشعر بذات الارتباط الحسي بقيمة المال، الأمر الذي يضعف من إدراكه الفعلي لحجم ما ينفقه، وأكدت دراسات متعددة أن هذا التغير ينعكس في زيادة ملحوظة في معدلات الإنفاق مقارنة باستخدام النقد.
وأضاف العبري: إن هناك مجموعة من العوامل غير المرئية التي أسهمت في توجيه القرار المالي للأفراد، مثل تقليل الخطوات اللازمة لإتمام عملية الدفع، وتسارع الاستجابة بين الرغبة والتنفيذ، إلى جانب التحول الاجتماعي الذي جعل الدفع الرقمي هو الخيار الافتراضي، هذه العوامل مجتمعة تسهم فيما يعرف بـ"هندسة الاختيار"، حيث لا يُفرض على الفرد قرار معين، لكنه يُدفع بشكل غير مباشر نحو الخيار الأسهل والأسرع، وهو في الغالب خيار الإنفاق.
استهلاك دون تخطيط
وأشار العبري إلى أن الكفاءة التي يوفرها الدفع الرقمي، رغم أهميتها، تخفي جانبًا آخر يتمثل في زيادة الاستهلاك غير المخطط له، فسهولة العمليات وسرعتها تميز القرارات المالية الرشيدة وتتيح لكليهما المرور بذات السلاسة، وهذا ما يفسر ارتفاع معدلات الإنفاق التقديري في البيئات التي تعتمد بشكل كبير على الوسائل الرقمية، نتيجة غياب الإشارات التحذيرية التي كان يوفرها التعامل النقدي.
أما فيما يتعلق بالادخار، فقد أوضح العبري، أن البيئة الرقمية، رغم ما توفره من أدوات لإدارة الأموال، تضعف في كثير من الأحيان من قدرة الأفراد على الادخار، نظرًا لسهولة الإنفاق وتكراره، فكلما أصبحت عملية الدفع أكثر بساطة، تقلصت المساحة المتبقية للتفكير طويل الأمد، وهو ما ينعكس على تراجع السلوك الادخاري، خاصة لدى فئة الشباب التي تتفاعل بشكل أكبر مع هذا النمط من المعاملات.
ولفت إلى أن الفروقات بين الأجيال في هذا السياق بدأت تتلاشى تدريجيًا؛ فالشباب يتبنون السلوك الرقمي بشكل طبيعي وسريع، بينما يتكيف الجيل الأكبر معه بشكل تدريجي، مما يؤدي في النهاية إلى تقارب في أنماط الإنفاق، وإن اختلفت نقطة البداية. وأكد أن هذا التقارب يعكس تحولًا أعمق في الثقافة المالية، يتجه نحو الاعتماد الكامل على الأنظمة الرقمية.
ونوه العبري إلى ضرورة إحكام سيطرة الأفراد على قراراتهم المالية في ظل هذا الواقع، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تراكم قرارات صغيرة تتم بسهولة ودون وعي كافٍ، فالدفع الرقمي رغم ما يقدمه من سهولة وراحة، قد يوهم الفرد بأن إدارته المالية في حالة طبيعية بينما الواقع يشير إلى بعثرة مالية في الإنفاق دون أن يشعر بذلك، في حين تكشف البيانات لاحقًا صورة مختلفة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي المالي للحد من الإنفاق وضمان أن تبقى القرارات نابعة من وعي حقيقي، لا مجرد استجابة لسهولة النظام.
واقع الأفراد
وعلى مستوى الأفراد، قدم إبراهيم الرويضي قراءة مختلفة لهذا التحول، حيث أشار إلى أن استخدامه لوسائل الدفع الإلكتروني ساهم في تقليل إنفاقه العشوائي مقارنة بالنقد، وأوضح أن الدفع الرقمي مكنه من تحديد احتياجاته بشكل أدق، على عكس التعامل النقدي الذي كان يؤدي إلى صرف مبالغ صغيرة على أشياء غير ضرورية.
وأضاف: إنه أصبح يعتمد بشكل أكبر على الدفع الإلكتروني لمراقبة مصروفاته ومعرفة أوجه إنفاقه، بدلًا من ضياع الأموال دون ملاحظة، وفي المقابل تحدث بأن سهولة الشراء إلى جانب تأثير الإعلانات قد تدفع إلى زيادة الإنفاق في بعض الأحيان لديه، خاصة عند غياب التخطيط المالي الواضح لمصروفاته الشهرية.
وأكد أن الحاجة تظل الدافع الأساسي لقرارات الشراء مع إمكانية الاستفادة من العروض إذا كانت تخدم هذا الاحتياج، لافتًا إلى أنه من خلال تجاربه في الآونة الأخيرة مرّ بتجارب شراء شعر بالندم تجاهها، مما يؤكد على ضرورة وضع ميزانية شهرية لضبط الإنفاق.