لا تحكم سلطة الاحتلال بالقوة وحدها. طموحها الأعمق أن تعيد ترتيب الزمن نفسه، وأن تقرر من يمر في الحياة بحرية، ومن يُدفع إلى العيش في حالة تعليق دائم. إذ يمكن الاستيلاء على الأرض في يوم واحد أما الزمن فيُنتزع من أصحابه على مهل. يُنتزع عبر الحواجز، والإغلاقات، والمنفى، ويبلغ هذا الانتزاع ذروته في السجون. وفي الحالة الفلسطينية، ظلّ الاعتقال واحدا من أكثر أدوات الاحتلال رسوخا لأنه يحبس الأجساد، ويستولي على زمن شعب كامل.
من الصعب الاكتفاء بالنظر إلى الأسير الفلسطيني من خلال لغة الانتهاكات الحقوقية وحدها، على فداحة تلك الانتهاكات ومأساويتها عبر التجربة التاريخية. فالسجن هنا يتجاوز معنى العقوبة القانونية والإجراء الأمني. هو تقنية سياسية، يقطع التسلسل الطبيعي الذي تكتسب عبره الحياة الإنسانية معناها. يُنتزع فيه الأسير من مسار التعليم، والحب، والزواج، والأبوة، والأمومة، والتقدم الطبيعي في العمر، وتراكم الذاكرة. ويغدو السجن أداة تنتزع السنوات التي كان الإنسان سيصير فيها نفسه، ثم تضعها تحت سلطة قوة أخرى.
ومن هنا يتجاوز الجرح حدود الزنزانة؛ فزمن الأسير لا يعيشه وحده. تعيشه أمّ تحسب الأيام بمواعيد المحاكم والزيارات، وتعيشه زوجة تحاول أن تُبقي على الرباط الحميمي للحياة عبر الزجاج والمسافة، ويعيشه أطفال يكبرون حول غياب يتحول مع الوقت إلى جزء من هندسة البيت نفسها. في مثل هذه الظروف، لا يمضي الزمن على نحو طبيعي، يثقل ويتصلّب ويتحول إلى انتظار. وبهذا المعنى، يصبح الأسر في فلسطين سلبا للحرية، ونظاما لتمديد الانتظار من الزنزانة إلى البيت كله.
وهنا تتكشف الخصوصية الأخلاقية القاسية لتجربة الأسر الفلسطينية. ففي مجتمعات كثيرة يظل السجن حالة استثنائية. أما في الحياة الفلسطينية، فقد صار من التكرار ما جعله جزءا من المخيلة الوطنية ذاتها، وتكاد كل أسرة تعرف مفرداته: اعتقال الفجر، والاعتقال الإداري، والعزل الانفرادي، والزيارة المؤجلة، والإفراج الذي يُرحَّل مرة أخرى. لم يعد السجن هامشًا في الحياة السياسية الفلسطينية؛ إنما صار أحد مفاتيح فهمها. ومن خلاله انكشفت العلاقة بين المحتل والواقع تحت الاحتلال في صورتها الأشد قسوة: طرف يحتكر القدرة على تعطيل حياة الطرف الآخر متى شاء.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو إقرار إسرائيل لقانون يجيز عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين الذين يُدانون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية مسألة منفصلة. إنه الامتداد الأقصى لمنطق يحكم هذا النظام منذ زمن. كان السجن قد جعل الزمن موضوعا للهيمنة، وتأتي عقوبة الإعدام لتدفع هذا المنطق خطوة إضافية إلى الأمام. فهي تعلن أن السيطرة على سنوات الأسير لم تعد كافية، وأن السلطة تريد اليوم أن تفرض إرادتها على خاتمته أيضا. ما بدأ سرقة للمدة مهدد بأن ينتهي بمصادرة النهاية ذاتها.
وهذا التحول تتجاوز دلالاته المجال القانوني. فهو يكشف عن بنية سياسية لم تعد تكتفي بإدارة الحركة، وتسعى إلى تحديد كيف تُعاش الحياة الفلسطينية، وكم يظل صاحبها معلقا، وتحت أي شروط يمكن أن تُطفأ. تأخذ العقوبة هنا معنى يتجاوز الجزاء إلى مس الوجود نفسه.
وعند هذه النقطة، يظهر الأسير الفلسطيني بوصفه أحد أكثر وجوه الصراع كشفا. إنه يجسد معركة لم تكن يوما محصورة في الأرض، أو الحدود، أو السيادة، على أهمية هذه القضايا جميعا. هناك أيضا صراع على الزمن، على حق شعب في أن يعيش حياته وفق إيقاعه، وأن يشيخ في بيته، وأن يرى أبناءه يكبرون، وأن يتحرك في العالم من دون أن يستأذن القوة التي تحتله. هذا الحق جرى إنكاره لعقود، والسجن هو الصورة الأكثر وضوحا لهذا الإنكار. أما عقوبة الإعدام، فهي تنقل هذا الإنكار من زمن معطّل إلى نهاية مفروضة.