ترجمة: أحمد شافعي -
تستنزف الحروب والأزمات اقتصاداتنا، وإحساسنا بالأمن، وسلامتنا النفسية، وتؤثر على حياتنا اليومية؛ فنصبح أقل قدرة على الثقة في سلاسل الإمداد، وترتفع أسعار الطاقة ارتفاعا صاروخيا.
ويمثل اعتماد التجارة على الوقود الأحفوري والمعادن الحيوية مخاطر على الأمن الوطني. وتتعرض الوظائف والازدهار للخطر من الرسوم الجمركية وفوائض الطاقة الإنتاجية وقيود التصدير. وكل هذه الأمور مجتمعة تفضح ضعف أوروبا وهشاشتها.
ولقد أظهرنا، في الوقت نفسه، أن تقوية تحالفاتنا وقدراتنا الاقتصادية والعسكرية قد تزيد من نطاق العمل الذي نتحرك فيه؛ فتشكيل جبهة سياسية أوروبية موحدة يساعد في تأمين سيادة جرينلاند على سبيل المثال. وعلى الرغم من كل الاضطرابات الأخيرة، تبقى أوروبا من أكثر الأماكن في العالم جاذبية للحياة وللعمل.
ولنا نحن أن نقرر هل نحافظ على قوة أوروبا. فنحن من يقرر، لا البيت الأبيض ولا قاعة الشعب الكبرى في الكرملين. وإنني أريد ألمانيا، وأريد أوروبا، وأوروبا بالنسبة لي تتضمن تماما المملكة المتحدة بوصفها حليفا أساسيا وشريكا، أريدها جميعا أن تبلغ من القوة ما يجعلنا محصنين من الابتزاز.
والحل هو أن نصبح أكثر سيادة، وللإيضاح أقول إن السيادة لا تعني القومية.
السيادة شرط مسبق للقوة السياسية والقوة الاقتصادية. ولكننا لا يمكن أن نعزز سيادتنا إلا مجتمعين بوصفنا أوروبيين. فأوروبا القوية ذات السيادة هي القادرة على حماية مواطنينا من التهديدات، سواء كانت التهديدات من الداخل أم من الخارج.
والحكومة الألمانية تعمل حاليا على أجندة إصلاح، لا لتكون برنامج تقشف بل مشروع سيادة. فلا بد لنا من إصلاح ألمانيا إن كنا راغبين في تأمين وتعزيز القدرة الأوروبية على العمل.
ولأن السيادة الاقتصادية والعسكرية هي الأولوية التي ينصب عليها التركيز في ألمانيا، فقد استحدثنا صندوقا استثماريا بخمسمائة مليار يورو لتحديث بنيتنا الأساسية والاستثمار في الخدمات العامة عالية الجودة.
وقد أصلحنا بالفعل آلية كبح الدين الألماني ليتسنى لنا تحديث جيشنا وتزويده بالمعدات وتعزيز مشاركتنا في حلف الشمال الأطلسي (ناتو).
ولكننا نحن الأوروبيين لم نرتق بعد إلى حدود قدراتنا؛ فالبحث والتنمية لدينا يبلغ مقام المستوى العالمي لكننا نرى في كثير من الأحيان أن الشركات الناشئة لدينا في أوروبا تنتقل إلى الولايات المتحدة؛ لأنها لا تستطيع العثور على رأس المال اللازم للنمو هنا.
ولهذا السبب فإنني أضغط من أجل تقوية الاتحاد الأوروبي الواحد لأسواق رأس المال.
في ألمانيا، يمثل نظام التفاوض الذي يربط بين النقابات والموظفين والدولة في «عقد اجتماعي» ميزة استراتيجية في أوقات الأزمات والإصلاح. ولسوف نتحمل مجتمعين مسؤولية ضخمة في الشهور القادمة، ونحن نعمل على تحديث نموذجنا في الأعمال وعلى تجديد عقدنا الاجتماعي.
ومن أجل أن تؤتي هذه الجهود ثمارها، فنحن نسعى إلى استحداث إصلاح ضريبي يزيد من دخل 95% من الشعب، مع مطالبتنا لأصحاب الدخول العليا وللأفراد الأشد ثراء بالإسهام بقدر أكبر قليلا.
تبلغ نسبة العمل لبعض الوقت [part-time] في ألمانيا 40%، وهي من أعلى النسب في أوروبا؛ إذ تكاد واحدة من كل امرأتين تكون عاملة لبعض الوقت.
ولهذا السبب فإن ثاني أولوياتنا هي تقليص العوائق الهيكلية في سوق العمل؛ فبعض التدابير الحالية لدينا في الضرائب وفي الإنفاق الاجتماعي، من قبيل تقسيم دخل الأزواج، تشجع على التقاعس عن العمل. فبالنسبة لأسرة ذات طفلين، لا يكاد يوجد فارق يذكر سواء كان دخلها الشهري ثلاثة آلاف يورو أم أربعة آلاف وخمسمائة يورو؛ لأن إجمالي الدخل المشترك الكلي يبقى واحدا، بسبب ما يعرف بمعدلات استقطاعات التقاعد.
وبالإضافة إلى الإصلاحات الهيكلية، فإننا نستثمر في البنية الأساسية لرعاية الأطفال وتوسيع جميع مدارسنا النهارية لتيسير حياة الأسر.
وسوف نطرح برنامجا لتعزيز القدرة على تحمل التكاليف. ويتضمن هذا تخفيض تكاليف الطاقة والنقل والإيجارات مع تحسين خدمات رعاية الأطفال والتعليم.
غير أن حرب إيران تبين لنا أنه لزام علينا أن نحافظ على مسار واضح نحو تقليل الانبعاثات الكربونية في اقتصاداتنا. فنحن بحاجة إلى المزيد من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، إضافة إلى توسيع منشآت تخزين الكهرباء وتحديث شبكاتنا.
والذين يسعون إلى إبطاء نقل الطاقة أو يعيشون في أوهام الانبعاث النووي، إنما يمثلون تهديدا لسيادة ألمانيا.
على أوروبا أن تنضج، وتظهر أنها لا تزال منفتحة على التبادل التجاري والتعاون. واتفاقية التبادل التجاري المبرمة حديثا بين الاتحاد الأوروبي وأستراليا ودول ميركوسور والهند تظهر قدر قوتنا، ولكن إذا لم يلعب الآخرون وفقا للقواعد، فلا ينبغي أن نكون حمقى.
ومن أجل الوقاية من المنافسة المجحفة، على أوروبا أن تنفذ متطلبات المحتوى المحلي وقواعد «شراء المنتجات الأوروبية» في القطاعات الاستراتيجية. ويجب أن نعزز كثيرا قواعدنا لحماية الاستثمار بحيث نربط عمليات الاستحواذ الأجنبية بالقيمة المضافة التكنولوجية والاقتصادية في الاتحاد الأوروبي.
وإذا كان ينبغي لممثلي الشعوب أن يأخذوا زمام المبادرة فلا بد أن تلتزم الشركات أيضا تجاه أوروبا؛ ولذلك فإنني أريد من المديرين أن يركزوا على المجتمعات المحلية والموظفين بصورة أكبر من تركيزهم على هوامش الربح قصيرة الآجال.
وليس السعي إلى الإصلاح على المستوى الداخلي بأجندة منفصلة عن إقامة التحالفات على المستوى الخارجي. وإنما هما رهان واحد: فالمجتمعات الديمقراطية، حينما تكون عازمة على تحري الأمانة بشأن ضعفها وتحري الجرأة بشأن التغيير، تكون قادرة على أن تفرض شروطها، ولكم في المجر مثال يحتذى.
وفي لقاء القادة التقدميين من شتى أرجاء العالم في برشلونة فرصة لهذا الرهان الجماعي، إذا ما رفض القادة التنازل عن مستقبلنا لصالح اليمين القومي أو للأسواق غير الخاضعة للحساب.
إن الإصلاحات التي عرضتها في ما سبق من هذا المقال تمثل إسهامنا الألماني في ذلك الجهد الأوسع لجعل عام 2026 عاما للإصلاح. وبالطبع لا يمثل عمل ألمانيا منفردة إلا جزءا من الحل، برغم أن إصلاح ألمانيا وزيادة قوتها شرط لقوة أوروبا.
وقوتنا هي الحل في مواجهة الاضطرابات. وللإيجاز أقول إن: القوة هي الحرية. والسيادة لا تكون بإقامة الأسوار وإنما بامتلاك القوة لتخفيض هذه الأسوار.
لارس كلينجبيل وزير المالية ونائب المستشار الألماني
الترجمة عن ذي جارديان