وصلتني كثير من المداخلات على مقال الأسبوع المنصرم، ولامستُ في بعضها تلك الغصة التي حلت محل الفرحة الغامرة التي عمتنا جميعا عند صدور القانون لأول مرة.
لكن الخيبة لم تكن بحجم الخسارة بكل تأكيد؛ فبالنسبة للبعض منا، لم يكن المبلغ متوقعا من الأساس، لكن ما حدث هو أننا تأقلمنا على وجوده، وما كان أمرا غير متوقع تحول إلى «حق مكتسب»، فصارت الخيبة أكبر من الفرحة الأولى. وهو أمر طبيعي جدًا كما كشفت لنا الدراسات في علم النفس، وقبلها طبعا ما كشفه لنا القرآن المجيد من أسرار النفس البشرية قبل ذلك بعدة قرون؛ إذ تناول كل تفاصيل علاقتنا بالمال، من خوف الفقر إلى طغيان الغنى. يقول تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤوسٌ كَفُورٌ).
استوقفتني بالذات كلمة «أذقنا»؛ فهي تصف ما حدث بدقة متناهية لحال الكثيرين ممن لم يكادوا يستلمون المنفعة حتى تغيرت ضوابطها، فكانت كالمذاق العابر.
و«النزع» هنا، كما تصفه الآية، يأتي سريعا ليختبر مدى قدرة نفوسنا -التي جُبلت على حب الخير- على استيعاب التغيير المفاجئ. لذا، فمن المفهوم جدا أن تفوق حدة «الامتعاض» لذة الفرحة الأولى؛ فهكذا نحن البشر، نتمسك بما نملك بقوة تفوق تصورنا.
يُسمى هذا في علم النفس المالي «بتجنب الخسار»؛ حيث يشعر المرء بألم فقدان ما في يده بضعف اللذة التي يشعر بها عند كسبه. وما يراه البعض «عدم إنصاف» نتيجة بناء خططهم وتكييف حياتهم على ذاك المبلغ، هو في الحقيقة نتاج ما يسمى «فخ التكيف»؛ فنحن نرفع سقف طموحاتنا بسرعة، لتصبح «الإضافة» في وعينا وكأنها «ركن أساسي» لا نتصور العيش دونه.
نحن كثيرا ما نذهب بعيدا لنبحث عن تفسيرات لمشاعرنا في العلوم الحديثة، بينما المفاتيح الحقيقية للطمأنينة والاتزان موجودة بين أيدينا، نحتاج فقط أن نعيد قراءة كتاب الله بعين المتأمل والمتدبر.
علينا أن نكون أكثر رحمة مع ذواتنا؛ فنحن لسنا استثناء، وما نشعر به أمر لا يجب أن نخجل منه لأنها الفطرة التي جبلنا عليها، التي تجعلنا نتمسك بالأمان الذي قد نفسره أحيانًا بالمال. لكن الأمان ليس في المال، الأمان عند «اللطيف الخبير»، الذي قد لا نستوعب حكمته في حينها، لكنها دائما وأبدا هي الخير كله.
لأننا لو توقفنا لحظة لنتأمل لاكتشفنا أن ما ظننا أنه «أخذ منا» قد عاد على شكل منافع أخرى لا أكثر، وهذا هو قمة العدالة الإلهية.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية