شهد العالم اليوم واحدة من أعقد أزمات الطاقة في تاريخه الحديث؛ إذ لم تقتصر تداعياتها على ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات، وإنما أعادت تشكيل خريطة الطاقة العالمية بشكل جذري.
ووفقا لتقارير وكالة الطاقة الدولية، أسهمت التوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط، في حدوث اضطرابات غير مسبوقة في إمدادات النفط، مع تأثر نحو 20% من تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، ووصف المدير التنفيذي للوكالة الوضع بأنه "أعظم تحدٍّ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ".
وأدت الأزمة إلى تقليص الإمدادات العالمية بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، وارتفاع الأسعار إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، إضافة إلى تصاعد الضغوط التضخمية عالميا، مما دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات طارئة، شملت السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وإعادة صياغة سياسات الطاقة لتعزيز الأمن الطاقي.
وفي خضم هذه التحولات، تسارع توجه الدول نحو مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، باعتبارها أقل تأثرا بالتقلبات الجيوسياسية، وأكثر قدرة على تحقيق الاستقلالية وحماية الاقتصادات من صدمات الأسعار.
وأكد عدد من مؤسسي شركات الطاقة المتجددة والمختصين في سلطنة عُمان في استطلاع صحفي أجرته "عُمان" ارتفاع الطلب على حلول الطاقة النظيفة خلال الفترة الأخيرة، مدفوعا بتزايد المشاريع والاستثمارات، إلى جانب تنامي الاهتمام بأنظمة تخزين الطاقة والبنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية. مشيرين إلى أن هذا الحراك يعكس تحولا واضحا في السوق من مرحلة الاهتمام إلى التنفيذ الفعلي، موضحين أن الطاقة المتجددة أصبحت ركيزة استراتيجية طويلة الأمد مدفوعة باعتبارات اقتصادية وأمن الطاقة.
وقال المهندس حاتم بن ناصر القاسمي مؤسس شركة أوتاد الأطلس لحلول الطاقة الذكية وهي شركة متخصصة في الطاقة المتجددة: إن أزمة الطاقة العالمية شهدت تحولا واضحا في طريقة تفكير الشركات والمؤسسات تجاه مصادر الطاقة؛ حيث أصبح التركيز أكبر على الاستقلالية والكفاءة والاستدامة.
ارتفاع المشاريع
واستطرد بقوله: "بالنسبة لنا كشركة متخصصة في حلول الطاقة، سرّعت الأزمة من وتيرة تبنّي الحلول المتجددة، وعززت توجهنا نحو تقديم أنظمة متكاملة تشمل الطاقة الشمسية، وحلول التخزين بالبطاريات، والبنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية، بما يلبي احتياجات السوق المتنامية ويمنح عملاءنا استقرارا أكبر في التكاليف على المدى الطويل".
وأشار القاسمي إلى تزايد الإقبال على حلول الطاقة المتجددة خلال الفترة الأخيرة، سواء من القطاع التجاري أو السكني، مشيرا إلى أنه يمكن قياس هذا التغير من خلال ارتفاع عدد المشاريع المنفذة، وزيادة الاستفسارات والدراسات الفنية المطلوبة، إلى جانب توجه العملاء للاستثمار في أنظمة التخزين وشواحن المركبات الكهربائية، ما يعكس تحولا من مجرد الاهتمام إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
أما فيما يتعلق باستدامة هذا التوجه في سلطنة عُمان، فيرى القاسمي أنه توجه طويل الأمد وليس مرتبطا بظروف الأزمة فقط، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها توجه الحكومة نحو تنويع مصادر الطاقة، وارتفاع الوعي بأهمية الاستدامة، إضافة إلى الجدوى الاقتصادية المتزايدة للحلول المتجددة مع تطور التقنيات وانخفاض تكلفتها، وكل هذه المؤشرات تشير إلى أن الطاقة المتجددة أصبحت خيارا استراتيجيا، وليست مجرد بديل مؤقت.
أمن طاقي
من ناحيته قال صالح السيابي مهندس مرافق أول بجامعة الشرقية ويدير مشاريع الطاقة المتجددة بالجامعة: إن أزمة الطاقة العالمية كانت نقطة تحول حقيقية جعلت شركات الطاقة خصوصا في سلطنة عُمان تعيد ترتيب أولوياتها بشكل أسرع، مشيرا إلى أنه في السابق كان التحول للطاقة المتجددة يُنظر له كخيار استراتيجي طويل المدى، لكن بعد الأزمة أصبح ضرورة اقتصادية وأمنا طاقيا.
وبين السيابي أن على مستوى الاستراتيجية تمثلت أبرز التغيرات في تسريع الاستثمار في المشاريع المتجددة بدل الانتظار، وتنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والدخول في مشاريع جديدة مثل الهيدروجين الأخضر، وتعزيز الشراكات الدولية لتقليل المخاطر وتسريع التنفيذ، مثل مجموعة أوكيو التي وقّعت استثمارات تتجاوز ملياري دولار في مشاريع الطاقة المتجددة لتعزيز التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وتابع السيابي بقوله: "تمثلت أبرز الفرص التي ظهرت نتيجة أزمة الطاقة العالمية في ارتفاع الطلب على الكهرباء النظيفة من الشركات الصناعية، وفرص تصدير الطاقة خصوصا الهيدروجين الأخضر، وجذب استثمارات أجنبية ضخمة، وتطوير سلاسل إمداد محلية مما يوفر وظائف جديدة ويخلق قيمة مضافة".
وأشار السيابي إلى زيادة واضحة وملموسة في الإقبال على الطاقة المتجددة في الآونة الأخيرة، وتُقاس بعدة مؤشرات على أرض الواقع مثل حجم المشاريع الجديدة، ومشاريع الطاقة الشمسية والرياح بقدرات كبيرة مثل مشاريع 300 ميجاوات بين الطاقة الشمسية والرياح، وزيادة طلب الشركات (B2B)، وشركات النفط والصناعة نفسها أصبحت تعتمد على الطاقة المتجددة لتقليل التكاليف والانبعاثات، وتوسّع البنية التحتية مثل محطات شحن السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، وهو مؤشر على تحول السوق، ودخول لاعبين جدد للسوق مثل إطلاق منصات جديدة للطاقة النظيفة مثل "O-Green" لتطوير مشاريع ضخمة في المنطقة، ومؤشرات التمويل والاستثمار، وزيادة الاتفاقيات والشراكات الدولية، وهو أهم دليل على ثقة السوق.
ويرى السيابي أن توجه سلطنة عُمان نحو الطاقة المتجددة يعد توجها مستداما وذا رؤية طويلة المدى؛ حيث تستهدف سلطنة عُمان تحقيق الحياد الصفري بحلول 2050، إضافة إلى وجود استراتيجية وطنية للهيدروجين الأخضر، والميزة التنافسية الطبيعية لسلطنة عُمان التي تتضمن توفر الشمس والرياح، والذي يجعل تكلفة الإنتاج منخفضة مما يعطي سلطنة عُمان فرصة لتكون مركزا إقليميا للطاقة النظيفة.
وأفاد السيابي أن التحول إلى الطاقة المتجددة هو تحول عالمي ووصفه قائلا: "لا رجعة فيه"، فالأسواق العالمية خصوصا أوروبا تتجه للطاقة النظيفة مما يخلق طلبا طويل الأمد على صادرات مثل الهيدروجين الأخضر، وهو منطق اقتصادي بحت؛ حيث أصبحت الطاقة المتجددة في كثير من الحالات أقل تكلفة من الوقود التقليدي على المدى الطويل، لكن التحدي الحقيقي في سرعة التنفيذ، وبناء البنية التحتية، وضمان وجود طلب مستقر خصوصا للهيدروجين.
وأنهى السيابي حديثه بقوله: إن أزمة الطاقة لم تكن فقط تحديا، ولكنها كانت مسرّعا حقيقيا دفع شركات الطاقة في سلطنة عُمان للتحول من التفكير في المستقبل إلى تنفيذه فعليا.
فرص جديدة
وفي سياق متصل، قال المهندس أشرف بن ناصر التوبي من شركة إنيرجيتس للطاقة المتجددة: أثرت أزمة الطاقة العالمية وتقلبات أسعار النفط والغاز على قطاع الطاقة المتجددة؛ حيث ارتفعت أسعار المكونات الأساسية لمحطات الطاقة المتجددة بسبب زيادة الطلب، وفي المقابل ظهرت فرص جديدة مثل التوجه لمشاريع التشغيل والصيانة، وتسريع التوجه نحو الطاقة المتجددة والتركيز على المحتوى المحلي.
ولفت التوبي إلى زيادة واضحة في الإقبال على الطاقة المتجددة، ويظهر ذلك في ارتفاع الطلب على مكونات المحطات، وذلك من خلال زيادة عدد مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، وارتفاع حجم الاستثمارات والعقود في هذا المجال.
وأفاد التوبي أن توجه سلطنة عُمان نحو الطاقة المتجددة يعد توجها مستداما على المدى الطويل وليس مرتبطا بالأزمة فقط، وذلك نتيجة وجود توجه حكومي وخطط وطنية واضحة تهدف إلى زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في قطاع الطاقة.