حين عادت إيران إلى تشديد السيطرة على مضيق هرمز بعد أيام قليلة من الحديث عن استئناف الملاحة فيه، لم تكن تضيف حادثة جديدة إلى سجل التوتر. كانت تكشف المأزق الحقيقي الذي يحيط بمفاوضات السلام بين واشنطن وطهران. المشكلة الحقيقية تبدأ قبل التفاوض نفسه: في الطريقة التي تفهم بها واشنطن ما ينبغي للسياسة أن تفعله بعد الحرب، فهي تتصرف وكأن على المفاوضات أن تستكمل ما بدأته القوة.

تدخل واشنطن هذا المسار وهي تتصرف على أساس أن الحرب منحتها ما يكفي من التفوق لفرض شكل النهاية. غير أن ما يُنتزع بالقوة لا يكتسب -لمجرد انتزاعه- مقومات القبول السياسي. تستطيع القوة أن تفرض وقفا للنار، وأن تدفع الخصم إلى التفاوض، وأن تضيق عليه مجال المناورة. لكنها لا تنتج، بهذه الصفة وحدها، تسوية قابلة للاستقرار.

ما تزال واشنطن تتحرك من داخل تصور ملتبس للسلام. فهي تريد من التفاوض أن يفضي إلى استقرار طويل، لكنها تتصرف وكأن هذا الاستقرار يمكن أن يُستخرج من إنهاك الخصم، أو من اقتناعه بأن اختلال موازين القوى يحسم سلفا ما يجوز له قبوله وما يتعين عليه التسليم به. وهذه قراءة قاصرة في أصلها، لأنها تخطئ في فهم الكيفية التي تنتقل بها الدول من الحرب إلى التفاوض من غير أن تتخلى عن تصورها لسيادتها ومصالحها.

وفي هذا السياق تحديدا يكتسب هرمز معناه السياسي. فإيران ترى في هرمز نقطة النفوذ التي تؤكد من خلالها أنها ما تزال قادرة على التأثير في تعريف الأزمة، لا في التكيف مع نتائجها فقط. وكلما شعرت بأن التفاوض يُدار ضمن شروط مغلقة، عادت إلى هذا الموضع لتقول إن الحرب لم تحسم بعد المعنى السياسي للنهاية.

غير أن هذه اللغة السياسية باهظة الكلفة تتجاوز الطرفين معا؛ فهرمز ليس مجرد ورقة ضغط في نزاع ثنائي، إنه عقدة يتصل بها أمن الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، وثقة النظام التجاري العالمي نفسه. وعند هذه النقطة يتجاوز الخطر مسألة الملاحة والطاقة، ليمس الفكرة التي تنظم الإقليم كله؛ لأن السلام لا يستقر حين يُدار بوصفه امتدادا مؤجلا لنتائج القوة.

لهذا فإن أي مسار جاد بين واشنطن وطهران يحتاج إلى مراجعة أعمق من تحسين النبرة أو تنشيط الوساطات. إنه يحتاج إلى تصحيح الفرضية المؤسسة له. على الولايات المتحدة أن تتخلى عن الاعتقاد بأن إيران جاءت إلى التفاوض لتصادق على نتائج الحرب بصيغة دبلوماسية. وعلى إيران أن تدرك أن تحويل الممرات الاستراتيجية إلى أدوات مساومة مفتوحة يدمر ما تبقى من الثقة ويزيد كلفة العودة إلى الاستقرار، ومن هنا فقط يمكن أن يكتسب الحديث عن التسوية أي معنى سياسي قابل للحياة ولا تحتمل المنطقة والعالم الكثير من التسويف أو المناورات الدبلوماسية من الطرفين.

ما يكشفه هرمز اليوم يتجاوز المضيق نفسه. فالعطب قائم في تصور للسلام ما يزال أسير وهم الغلبة، وكأن نقل موازين الحرب إلى طاولة التفاوض يكفي لتحويلها إلى أساس صالح للاستقرار. والسياسة لا تستقر عند النقطة التي تبلغ فيها القوة ذروتها إنما عند النقطة التي تعترف فيها بحدودها.