ترجمة: أحمد شافعي -
استضافت واشنطن المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1993 حتى الرابع عشر من أبريل الجاري الذي شهد أحدث الجهود لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية، وتحقيق وقف إطلاق النار.
يأتي هذا اللقاء الذي وصف بـ«الفرصة التاريخية» في غمار اضطرابات إقليمية كبيرة تشمل الشرق الأوسط، ويمثل لبنان إحدى ساحاتها الرئيسية. غير أن جهود التطبيع بين البلدين الشرق أوسطيين ضمن إطار الاتفاقات الإبراهيمية -وإن نجح- لا يحتمل بحال أن يحل الصراع أو القضايا الرئيسية التي تعتري حياة المدنيين ـ وبخاصة اللبنانيين ـ العالقين وسط تبادل إطلاق النار في صراع إسرائيل المستمر مع حزب الله.
افتتح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اللقاء ببيان قصير يصف المحادثات بأنها «عملية» تنطوي على «تعقيدات» معربا عن رجائه في أن يثمر اللقاء نتيجة توفر «لشعب لبنان المستقبل الذي يستحقه، ولشعب إسرائيل أن يعيش دونما خوف التعرض لضربات صاروخية من حزب الله».
ولا شك أن الاعتراف بالصعوبات التي تعتري القضايا القديمة أمر محمود، لكن البيان في جملته يلمح في نهاية المطاف إلى سبب تعثر النهج نفسه.
والبيان الرسمي الصادر بعد المحادثات يبرز هذه الديناميكية؛ إذ إنه لا يكاد يعترف بالحقائق الأساسية الماثلة على الأرض، ويلقي بأكبر اللوم في وضع لبنان اليوم على إيران والحكومة اللبنانية وحزب الله.
وفي حين أن شأن هذه البيانات هو أنها تكون معتدلة نسبيا لتكسب ود الأطراف المتفاوضة فإنه يفرط في تبسيط القضية، ويكرر اللغة المحابية لإسرائيل التي دأب الوسطاء الأمريكيون على تبنيها في المحادثات بين الإسرائيليين وغيرهم من الأطراف، فلا تعترف بدور لإسرائيل بوصفها قوة دافعة في الصراع.
ومثل هذا النص المنحاز يكون دالا على تفكير الأطراف، وكذلك على نجاح هذه الجهود الدبلوماسية أو فشلها. والواجب على الوسطاء -وإن لم يبلغوا الكمال مطلقا- هو أن يتحروا الحياد ضامنين بيئة منصفة للمحادثات بوصفهم الطرف غير المنحاز المعني بالحل. ولكن تأكيدات الولايات المتحدة في صدر البيان تفشل في الوفاء بهذا المعيار، فتردد إلى حد كبير النقاط الإسرائيلية، وتتجاهل الواقع الأليم الذي يسم الجبهة اللبانية في الحرب الإقليمية الكبيرة الجارية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران.
فمن جانب إسرائيل وليس حزب الله هي التي تحتل أراضي لبنانية ذات سيادة، وتغتال مدنيين لبنانيين، وتهاجم مواقع تراثية ثقافية، وتدمر البنية الأساسية اللبنانية في اعتراف صريح بتصدير «أنموذج غزة».
ويواصل الجيش الإسرائيلي دك قرى كاملة في جنوب لبنان منبئا بوضوح باحتلال ممتد مع فرضه الترحيل على الشيعة بصفة خاصة، واقتلاعهم بالترهيب من القرى التي لاذوا إليها في أنحاء البلد. وتمثل هذه التكتيكات انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، وتنطوي على جرائم حرب من قبيل التشريد والتطهير العرقي والعقاب الجماعي.
ومن الواضح أن النموذج الذي تصدّره إسرائيل إلى لبنان من غزة هو نموذج الحرب الشاملة، الذي وصفه المتخصصون بأنه إبادة جماعية. وفي حين أن دولة إسرائيل تزعم أنها تحارب حزب الله فإنها تؤثر محاربة قاعدة أنصاره كاملة، وكذلك أغلب الشعب اللبناني بصفة مباشرة أو غير مباشرة. والحق أن أغلب قاعدة الأنصار لا تشارك في القتال فيصبح التهجير والاستهداف العمديان لهؤلاء المدنيين انتهاكين للقانون الإنساني الدولي فضلا عن انطوائهما على جرائم ضد الإنسانية.
وليس التوصل إلى هذه النتائج دفاعا بأي حال عن حزب الله أو إيران. فالدولة اللبنانية تعاني منذ أمد بعيد من تصارع مصالح أمراء الحرب الذين لا يزالون يحتفظون بقوة اكتسبوها خلال حرب أهلية دامت في لبنان خمسة عشر عاما بين عامي 1975 و1990. فشهد ذلك الصراع صعود حزب الله وميلشيات أخرى غير تابعة للدولة بالتوازي مع فيض من انتهاكات حقوق الإنسان من جانب جميع الأطراف المتورطة. ولم يتصالح لبنان قط مع هذا الماضي، وليس أهون أسباب ذلك أن قادة هذه الفصائل هم الذين يديرون البلد منذ نهاية الحرب.
غير أن الواقع في لبنان هو أن حزب الله أيضا فاعل سياسي مهم له أربعة عشر عضوا في البرلمان، وائتلاف يضم ما يصل إلى واحد وستين عضوا، وكتلته السياسية قادرة على فرض السياسة في البلد. وفي حين أنه فقد أغلبيته في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2022 فقد نال الحزب وحلفاؤه السياسيون أكثر من ستمائة ألف صوت انتخابي في قوائم مشتركة أو مؤلفة بالكامل من أعضاء في حزب الله. وهؤلاء الناخبون جزء لا يتجزأ من الشعب اللبناني، وهذا واقع لا يمكن التغاضي عنه أو طمسه.
وها هنا يكمن الخطأ الأساسي في المحادثات المباشرة بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية، وهي أن جزءا كبيرا من لبنان يدعم حزب الله والمقاومة المسلحة دعما مباشرا، ولا نجاح لمحادثات تتجاهل هذه الديناميكية. وفي واقع الأمر فإن حملة إسرائيل العسكرية الجارية والمستهدفة لما يبدو أنه القاعدة الراسخة لحزب الله إنما هي أرجح ترسيخا لمبرر وجود الجماعة المتمثل في المقاومة، وأرجح تدميرا للبلد الذي لم يبرأ بعد من حربه الأهلية قبل ثلاثة عقود لا أكثر.
وقد يفسر هذا الواقع التباين الواضح في مصالح الدول المنخرطة في هذه المحادثات؛ فالتركيز بالنسبة للبنان يوشك أن ينصب كله على تحقيق وقف لإطلاق النار. وبرغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن في السادس عشر من أبريل عن وقف إطلاق للنار لمدة عشرة أيام؛ فإن الهدف الإسرائيلي المتمثل في القضاء على حزب الله -مهما كانت الطريقة- سيكون سبب السقوط النهائي لوقف إطلاق النار.
وفي الوقت نفسه ترجو واشنطن أن توسع الاتفاقات الإبراهيمية؛ لأنها في أمس الحاجة إلى ذلك انتصارا لترامب.
والمرجح أن واشنطن تفهم هذا التباين، لكنها تختار مرة أخرى أن تقف في صف أهداف إسرائيل القصوى في ضوء مصالحها مثلما فعلت في ما عرف بوقف إطلاق النار سنة 2024 بين حزب الله وإسرائيل الذي أسفر عن خمسة عشر ألف انتهاك إسرائيلي حتى الآن.
وترجع جذور هذا النهج إلى العلاقة «الحديدية» بين الدولتين، لكنه في الوقت نفسه نتاج فهم مشترك مفاده أن بيروت غير قادرة على نزع سلاح حزب الله اليوم.
وتشير الحجج القائلة بأن حزب الله وأنصاره «يحتلون» البلد بحسب ما قال السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر بعد اجتماع الرابع عشر من أبريل إلى احتمال أن يكون هذا هو تقييم العاصمتين. والأشد إثارة للقلق هو أن ذلك التفكير قد يتقبل أن يكون نشوب حرب أهلية في لبنان أمرًا لازمًا ومقبولًا لتحقيق هدف نزع سلاح حزب الله.
وهذا منطق معيب. وعلى سبيل المقارنة؛ لم يكن يؤمن إلا القليلون بأن الجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت (PIRA) «يحتل» أيرلندا الشمالية خلال «الاضطرابات» حينما كانت الجماعة تحارب الجيش البريطاني بهدف إنهاء الحكم البريطاني في أيرلندا. والمهم أن تلك الجماعة كان لها ذراع سياسي ـ هو حزب شين فين ـ يحظى بدعم واسع النطاق من الشعب المحلي، ولا يزال ذلك الحزب قائما حتى يومنا هذا.
وقد كان الحل الوحيد لها الصراع المماثل -والمختلف في الآن نفسه- هو السعي الدبلوماسي الحقيقي المعترف بالواقع القائم على الأرض، لا على رغبات لا تمت بصلة للواقع، وتقوم على أوهام طرف ومطالبه القصوى.
والحق أن أي نتاج قائم على العنف وكفيل بإطلاق شرارة حرب أهلية لا يجب أن يكون مقبولا من أي مسؤول يعمل على الملف اللبناني؛ فلقد شهد الشرق الأوسط ما يكفيه من الشقاء والحرب. ولن يتحقق سلام حقيقي من خلال الإمعان في ما سبق عمله، بل إن هذا لن يفضي إلا إلى صدمة تمهد الجولة القادمة من القتال.
ألكسندر لانجلويس محلل الشؤون الخارجية وكبير المحررين في (DAWN) وزميل مشارك في مركز (أولويات الدفاع) البحثي
الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست