في الأسبوع المنصرم، كتبتُ مقالًا بعنوان: «شكرا لإسبانيا»، ومن قرأ المقال سيجد أنني شكرتُ إسبانيا كونها دولة أوروبية مهمة استطاعت أن تظهر «لاءات» كثيرة أمام الغطرسة الصهيونية.
أواصل في مقال اليوم تذكير أنفسنا بأننا أمام غطرسة صهيونية مستمرة ومتصاعدة، وأن العالم يعيش ألمها بشكل مباشر وغير مباشر؛ فيكفي ما نجده من مآسٍ في فلسطين، وما نجده في لبنان، وما نجده في سوريا، وما نجده في إيران، وما يحدث في المنطقة، وكله مرتبط باليد الصهيونية.
ويكفي أن نرى ونسمع أنين هؤلاء المظلومين والمنكوبين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم؛ ليكون شاهدا على أنهم يعانون من ويلات الصهيونية وفسادها في الأرض، وفي هذا الصدد، من المهم أيضا أن نؤكد أن الصهيونية لا تمثّل اليهود، وإن وُضعت في قالب يهودي، واستُعملت -أو بالأحرى حُرّفت- كثير من مفاهيمها الدينية، واستُغلت استغلالا غير موفق لبلوغ غايات الصهيونية التي -في الأصل- لا تنتمي إلى اليهودية. ومن يبحث في جذور الصهيونية وتأسيسها يجد أن اليهود كانوا كبش فداء، وأن هناك اليوم من اليهود الأحرار من يرفضون الصهيونية رفضا كليا وينتقدونها. لهذا، عندما نقرأ تاريخ التأسيس الصهيوني، نجد أنه كانت تقف خلفه قوى استعمارية كبيرة، وأدخلت لأجله مفاهيم دينية، مثل «الأرض الموعودة»، و«الحروب الكبرى»، و«شعب الله المختار»، وتصب كلها في صالح بناء منظومة استعمارية متجددة، وفي الوقت نفسه تتخلّص من الوجود اليهودي الكبير غير المريح في أوروبا، وتحويل بعضهم إلى مجموعات وظيفية.
تصاعدَ التطرّفُ الصهيوني المتمثّل حاليا في الكيان الإسرائيلي وبلغ مستويات عالية من الإجرام في ظل تحالف من قوى كبرى معه تحت شعار حماية هذا الكيان، وبادعاءات حماية اليهود ودولتهم، وظهرت وهي قديمة في أصلها شعارات، أو لنقل «شماعة» معاداة السامية التي يُراد منها أن تكون حاجزا يمنع أي انتقاد للكيان الصهيوني الإسرائيلي. رغم أن هذا المصطلح أو هذه الشماعة، تفتقر إلى المنطق في أساسها، فإن هناك إشكالات عديدة تكشف ذلك؛ من أبرزها أن صفة «السامية» أوسع من أن تُحصر في اليهود وحدهم، وفي المقابل، نجد أن كثيرا من اليهود -في الأصل- لا ينتسبون إلى الصهيونية ولا يؤيدونها، ولكن العكس صحيح؛ إذ تؤكد السجلات التاريخية أن الصهيونية معادية للأديان بما فيها اليهودية.
في ظل هذا التطرّف، وتحت غطاء شماعة معاداة السامية، تحاول المنظومة الصهيونية مواصلة ممارساتها التي تفتقر إلى أبسط مقوّمات الإنسانية؛ فنرى القتل الموثّق، والافتخار بقتل الأطفال والنساء، والتمثيل بالجثث، وما يُمارَس في السجون بحق الأسرى من تنكيل وتعذيب.
كما تتسرّب عبر وسائل التواصل مشاهد ووقائع صادمة.
من الشواهد على ذلك، ما صدر عن محكمة العدل الدولية من مواقف وإجراءات تتعلّق باتهامات بارتكاب جرائم، طالت قيادات في الكيان الإسرائيلي، على رأسهم «بنيامين نتنياهو»، ولهذا سعت الدراما الصهيونية إلى وصف هذه الاتهامات والأحكام بأنها باطلة، واعتبارها شكلا من أشكال «معاداة السامية».
في الآونة الأخيرة، تكاثرت الأمثلة التي تُظهر هذا النمط من التوظيف؛ من ذلك ما أُثير عقب تداول مقطع فيديو لجنود إسرائيليين يلقون بجثة فلسطيني من مكانٍ مرتفع، في مشهد صادم صُوّر من أحد المباني عام 2024؛ حيث أعاد رئيس وزراء كوريا الجنوبية نشر الفيديو وانتقد العنف الصهيوني الذي شبهه بالهولوكوست، ولم يتأخر الرد الرسمي الإسرائيلي الذي وصف تلك الانتقادات بأنها «معاداة للسامية».
ومثل ذلك ما حدث في إسبانيا أثناء فعالية شعبية سنوية، حين جرى استهداف تمثال يرمز إلى «نتنياهو»؛ فاعتُبر ذلك أيضا ضمن خطاب «معاداة السامية»، وكأن هذا المفهوم يُختزل في شخص أو حكومة تمارس الإجرام المفتوح.
ومن الأمثلة على ذلك أيضا ما حدث في إيطاليا مؤخرا، حين نشرت صحيفة إيطالية صورة حقيقية لجندي إسرائيلي يسخر من امرأة فلسطينية محجّبة ويضحك عليها، في موقف كانت فيه تلك المرأة في حالة ضعف، ويبدو أنها تحاول مغادرة منطقة قتال، ومع ذلك، عدّت وزارة الخارجية في الكيان الإسرائيلي هذا النشر نوعا من «معاداة السامية»، وكأن توثيق مثل هذه الممارسات أو نقدها يُصنَّف تلقائيا ضمن هذا الإطار.
تتوالى مثل هذه المشاهد وتتكرّر، ونجدها مرة أخرى في في إيطاليا، عندما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية «جورجيا ميلوني» تعليق اتفاقية التعاون الدفاعي مع الكيان الإسرائيلي، على خلفية الخروقات الإسرائيلية في لبنان والاعتداء على القوات الإيطالية في اليونيفيل، وما سبقها في غزة.
كذلك لا ننسى التصريح الجريء لوزير الدفاع الباكستاني الذي أثار غضب الكيان الإسرائيلي؛ إذ عُدّ -من قِبلهم- نوعا من «معاداة السامية»، وبأنه دعوة إلى إبادة اليهود. غير أن هذا التوصيف الإسرائيلي -في صميمه- غير واقعي وغير دقيق؛ فوجّه الرجل نقده إلى الصهيونية، ولم يهاجم اليهود.
كذلك تتجلّى هذه المواقف داخل البرلمانات الأوروبية؛ فتتصاعد الأصوات المناهضة للغطرسة الصهيونية، ويطالب عدد من البرلمانيين -من داخل الأروقة الرسمية- بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، نظرا لما يرونه من جرائم متوسّعة تُرتكب دون حساب أو عقاب.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما صدر عن أحد البرلمانيين البولنديين، الذي شبّه الكيان الصهيوني الإسرائيلي بالنظام النازي في ألمانيا سابقا، معتبرا أن بعض ممارساته تُحاكي ما ارتكبه «هتلر» من جرائم، وأثار هذا التصريح جدلا واسعا خصوصا مع رفعه علم إسرائيل يتوسطه رمز النازية في تعبير رمزي يعكس موقفه الغاضب.
لهذا يتساءل بعضنا: كيف يُختزل مفهوم «السامية» في كيان سياسي أو شخصية بعينها، في حين أن جذوره التاريخية واللغوية أوسع من ذلك بكثير؟ وكأن هذا المفهوم منحصر في العقدة الأوروبية خصوصا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدا بعد الجرائم التي ارتكبها النظام النازي بحق اليهود، وهو ما أفضى إلى حساسية مفرطة تجاه أي نقد قد يُفهم -أو يُصوَّر- على أنه «معاداة للسامية».
نستطيع أن نفهم أن هذا النهج يعكس محاولة لتحصين الأفعال والممارسات من النقد؛ فيبدو وكأن مساءلتها أو حتى نقلها إلى الرأي العام يُعدّ تجاوزا، وكأن الرسالة الضمنية هي أن هذا الكيان -بما يحمله من أطروحات استثنائية- يقف خارج نطاق المعايير البشرية والقانونية المعتادة؛ فيُمنح وضعا خاصا يبرّر أفعاله أو يقيه من المساءلة نظرا لدراما «المظلومية» التي يستغلها.
لكن هذا التصوّر بات يواجه تآكلا متزايدا؛ إذ بدأ جزء من الرأي العام الغربي يُظهر امتعاضا واضحا من هذه الممارسات؛ وهذا ما انعكس في تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدد من الدول الغربية، اعتراضا على السلوكيات التي تُوصَف بغير الإنسانية، وبدأت تظهر أيضا مواقف رسمية حكومية غربية -وإن جاءت في كثير من الأحيان متحفظة أو حذرة غير قوية- منددة بالتجاوزات الصهيونية.
بكل تأكيد، نحن نستعدّ لعالم جديد أكثر وعيا ونقاء، نتجاوز فيه الغرور الصهيوني وإجرامه، ولا ندرك متى يتحقّق ذلك تحديدا، لكن المؤشرات تدلّ على أن العالم يتجه فعلا نحو مستوى أعلى من الوعي يُدرك فيه أن هذه العقيدة الصهيونية الرافضة للإنسانية لا ينبغي أن تستمر في الهيمنة على مفاصل العالم اقتصاديا، وعسكريا، وسياسيا، وثقافيا.
من هنا، تقع علينا مسؤولية الإسهام في ضخّ هذا الوعي، والعمل على إيصال رسالته، والتحلّي بالشجاعة الكافية لقول الحقيقة؛ فلم يعد العالم من حولنا -بما في ذلك العالم الغربي- يخشى الهرطقات والتهديدات التي تحاول المساس بحريته وكرامته وحقوقه، وبدأ يدرك أن المرحلة الراهنة تتطلّب قدرا أكبر من الوعي، وشجاعةً أوضح في قول «لا» للغرور الصهيوني.
كذلك أصبح من الضروري الفصل بين كثير من المفاهيم التي زُرعت في أذهان الناس، وإدراك أن هناك فرقا كبيرا بين العقيدة الصهيونية وبين مواقف ونوايا كثير من اليهود الأحرار في العالم، ومن المهم تبيين أن الادعاءات المرتبطة بمفهوم «معاداة السامية» -بصيغتها المتداولة سياسيا- باتت موضع تساؤل ونقد، وأن كثيرا من المبررات التي تُساق في هذا السياق فقدت قوّتها وأصبحت واهية، ويمكن القول إنها تمثّل أوراقا أخيرة شارفت على الاحتراق.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني