أماني جمال ـ مايكل روبنز - ترجمة - نهى مصطفى

تأثر معظم سكان الشرق الأوسط بسلسلة الأحداث التي تلت هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. فقد قتل عشرات الآلاف، معظمهم من غزة، ونزح الملايين، وتكبدت المنطقة خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. لذلك، ليس مستغربًا أن تتبدل نظرة ملايين الناس إلى ما يجري.

أظهر استطلاع «مقياس العرب» (Arab Barometer)، وهو مشروع بحثي يشارك في قيادته كاتبا المقال، تحولًا واضحًا في الرأي العام خلال الأشهر التي تلت أحداث 7 أكتوبر. فمع متابعة الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة، تصاعدت المواقف الرافضة لإسرائيل ولحليفها الرئيسي، الولايات المتحدة. كما بينت استطلاعات أُجريت في مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية وسوريا وتونس بين أغسطس ونوفمبر 2025، أي بعد حرب يونيو وقبل الجولة الأخيرة مع إيران، أن هذا التحول لم يكن عابرًا ولكنه مستمر.

تكشف النتائج تراجعًا حادًا في الثقة بالنظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن، مقابل تحسن نسبي في النظرة إلى الصين وإيران وروسيا، وأحيانًا على حساب أوروبا أيضًا. وينظر إلى الولايات المتحدة وعدد من حلفائها على أنهم منحازون وذوو معايير مزدوجة في الالتزام بالقانون الدولي. وعند سؤال المشاركين عن الدول التي تحمي الحريات وتسهم في الأمن الإقليمي وتدعم القضية الفلسطينية، جاءت الصين وإيران وروسيا في المقدمة مقارنةً بالولايات المتحدة وبعض شركائها.

لا يعني ذلك أن الرأي العام العربي يؤيد سياسات بكين أو طهران أو موسكو على نحو كامل. غير أن مركز الثقة في المنطقة يتغير، ليس لأن هذه القوى قدمت نموذجًا جذابًا، وإنما لأن مكانة الولايات المتحدة، وبدرجة أقل أوروبا، تراجعت بوضوح.

ومن غير المرجح أن تسهم الحرب مع إيران في تحسين هذه الصورة. فقد اندلع الصراع بمبادرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتوسّع ليشمل هجمات على لبنان، فيما تعرضت دول الخليج لقصف بالصواريخ والمسيّرات، دون إحراز تقدم في إعادة إعمار غزة. بل يبدو أن الغضب الشعبي من واشنطن ازداد مقارنة بخريف 2025، وإذا استمر تآكل شعبيتها، فقد ينعكس ذلك على علاقاتها مع الحكومات، التي رغم طابعها السلطوي، تظل حساسة لضغوط الشارع، ما يجعل التعاون العلني مع الولايات المتحدة أكثر كلفة سياسيًا. والحفاظ على الشراكات يتطلب تحركًا سريعًا نحو إنهاء الحرب مع إيران، والعمل على تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وإلا ستخاطر واشنطن بخسارة نفوذها في المنطقة.

تراجعت صورة الولايات المتحدة بشكل ملحوظ منذ حرب غزة، ولم تستعد زخمها. ففي معظم الدول التي شملها الاستطلاع، بقيت النظرة إلى سياسات ترامب الخارجية محدودة الإيجابية، باستثناء المغرب وسوريا، حيث ارتبطت المواقف بعوامل سياسية محددة. ورغم دور ترامب في التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة، فإن سياساته اليوم تعتبر أسوأ مقارنة بإدارة بايدن في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام. أما الاتحاد الأوروبي، فيحظى بتقييمات أفضل نسبيًا، لكنها تختلف من دولة لأخرى بحسب موقفها من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ إذ ترتفع شعبية دول مثل إسبانيا وأيرلندا لدعمهما الفلسطينيين، بينما تتراجع صورة دول أخرى مثل ألمانيا.

في المقابل، سجلت شعبية الصين في عام 2025 مستويات أعلى بكثير، إذ تراوحت بين 37% في سوريا و69% في تونس. ورغم أن روسيا أقل شعبية من الصين، فإنها لا تزال تتفوق في استطلاعات الرأي على الولايات المتحدة وحلفائها في مصر والعراق والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية وتونس. أما إيران، فتتسم صورتها بتباين واضح؛ إذ بلغت أعلى مستويات التأييد في تونس بنسبة 55%، وأدناها في سوريا بنسبة 5% بسبب دعمها السابق لنظام الأسد. ومع ذلك، يظهر اتجاه عام نحو التحسن، فقد ارتفع تأييدها خلال السنوات الخمس الماضية بنحو 20 نقطة في العراق و12 نقطة في الأراضي الفلسطينية، متجاوزة الولايات المتحدة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع.

كما شهدت شعبية قادة الصين وإيران وروسيا ارتفاعًا ملحوظًا في العالم العربي. زاد تأييد سياسات الرئيس الصيني شي جين بينج تجاه المنطقة بمعدلات كبيرة، لتصل نسب دعمه حاليًا إلى 61% في تونس، و51% في الأردن والأراضي الفلسطينية، و43% في المغرب، و58% في سوريا، و53% في العراق. وعلى الرغم من غزو أوكرانيا، ارتفعت أيضًا شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث زادت بنحو 33 نقطة في المغرب، و20 نقطة في الأردن، و17 نقطة في تونس، و14 نقطة في الأراضي الفلسطينية. ويحظى اليوم بدعم يفوق 40% في تونس والعراق، بينما يعبر 57% من المغاربة عن مواقف إيجابية تجاهه.

لعل أبرز النتائج يتمثل في الارتفاع اللافت في تأييد السياسات الخارجية للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي اغتيل في غارات أمريكية إسرائيلية في فبراير. فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورته بدعم وكلاء إقليميين وبرنامج نووي مثير للجدل، ما جعل شعبيته متدنية. إلا أن المزاج العام تغير مؤخرًا من سلبية حادة إلى مواقف أكثر توازنًا في عدد من الدول. فبينما لا تزال نسب الرفض مرتفعة في سوريا ولبنان والأردن والمغرب، تتقدم نسب التأييد بشكل ملحوظ في تونس والعراق والأراضي الفلسطينية. كما ارتفعت مكانته الشخصية خلال السنوات الخمس الماضية في جميع الدول التي تتوفر عنها بيانات، دون تسجيل أي تراجع.

ولا يعني هذا التحول تجاهل المخاوف المرتبطة بإيران؛ إذ لا يزال البعض يرى في برنامجها النووي تهديدًا، كما يُنظر إلى نفوذها الإقليمي باعتباره مصدر قلق في عدة دول. غير أن هذه المخاوف تتراجع أمام اعتبار الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية التهديد الأبرز للأمن القومي. وفي هذا السياق، تستفيد إيران من تبنيها خطاب دعم القضية الفلسطينية، ما يمنحها قدرًا من التعاطف.

في المقابل، تتراجع شعبية الولايات المتحدة بسبب موقعها في هذا الصراع، إذ يرى أغلب الرأي العام العربي أنها منحازة لإسرائيل على حساب الفلسطينيين، بنسب مرتفعة في معظم الدول. أما الاتحاد الأوروبي، فصورته أقل حدة، لكنها لا تخلو من الاتهام بالانحياز. وتختلف التقييمات بين دوله؛ إذ تعد ألمانيا، على سبيل المثال، الأكثر ارتباطًا بدعم إسرائيل في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام في المنطقة.

ويرى الرأي العام العربي أن إسبانيا أقل انحيازًا في موقفها من الصراع. ففي المغرب والعراق، تقاربت النسب بين من يرونها أقرب للدفاع عن الفلسطينيين (27%) ومن يعتبرونها أقرب إلى إسرائيل (29%)، وفي سوريا 21% مقابل 24%. في المقابل، يسود اعتقاد واسع بأن الأمم المتحدة منحازة لإسرائيل. فقد رأى عدد محدود فقط أنها أقرب للدفاع عن الفلسطينيين، تراوح بين 11% و25% بحسب الدولة، فيما اعتبر ما بين 40 و50% من المستطلعين أنها تميل إلى إسرائيل. وتعكس هذه النتائج شعورًا أوسع بأن المشكلة لم تعد تقتصر على ازدواجية المعايير الأمريكية، بل تمتد إلى تآكل مصداقية النظام القانوني والإنساني الدولي.

ولا تزال إسرائيل الدولة الأقل قبولًا لدى الرأي العام العربي؛ إذ لا تتجاوز نسبة النظرة الإيجابية تجاهها 5% في معظم الدول، باستثناء المغرب، حيث تصل إلى 13%. كما تظل المواقف تجاه التطبيع ثابتة عند مستويات متدنية، فلا تتجاوز نسبة المؤيدين ربع السكان في أي دولة، وتنخفض إلى 4% في مصر والأردن. ومع ذلك، ترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ إذا اقترنت باعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية، بزيادات تتراوح بين 17 و27 نقطة مئوية في عدد من الدول. وفي المقابل، يحظى المقترح العربي لإعادة إعمار غزة، الذي طرح في مارس 2025، بتأييد واسع في مختلف أنحاء المنطقة.

لكن سلوك إسرائيل في ظل حكومتها الحالية يجعل أي تحسن في المواقف أمرًا مستبعدًا. ففي معظم الدول التي شملها الاستطلاع، باستثناء المغرب، ترى أغلبية واضحة أن حل الدولتين هو الخيار الأفضل، بنسب تصل إلى 67% في الأردن و64% في مصر وسوريا و60% في العراق و59% في الأراضي الفلسطينية و51% في لبنان. غير أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة أفرغ هذا الخيار من مضمونه، مع تقطع أوصال الأراضي الفلسطينية.

ولا تقتصر النظرة السلبية إلى الولايات المتحدة على موقفها من القضية الفلسطينية، بل تمتد إلى تراجع صورتها كطرف يحترم قواعد النظام الدولي. فعند سؤال المشاركين عن الدول التي تطبق القانون الدولي، حظيت الصين بثقة أكبر من واشنطن في معظم الدول، بما في ذلك مصر، حيث أشار 25% فقط إلى الولايات المتحدة مقابل 58% للصين. ولم تتفوق واشنطن إلا في المغرب. ويعكس هذا الاتجاه تآكل الثقة في التزامها بالنظام القائم على القواعد، وهو ما ينسحب أيضًا على الاتحاد الأوروبي الذي ينظر إليه في الغالب على أنه أقل التزامًا من الصين، وبمستوى قريب من روسيا.

ورغم أن الصين لا تعد قوة ليبرالية في نظر الرأي العام العربي، فإنها تبرز كطرف أكثر فاعلية. فعند المقارنة بين السياسات الأمريكية والصينية في حماية الحقوق، فضل عدد محدود السياسات الأمريكية، مقابل نسب أعلى اختارت الصين، بينما رأى آخرون أن الفارق غير واضح. ويتكرر هذا النمط في قضايا الأمن، حيث تميل الكفة بوضوح لصالح الصين في تقييم قدرتها على حفظ الاستقرار الإقليمي. وفي ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني تحديدًا، تتراجع أفضلية السياسات الأمريكية إلى أدنى مستوياتها، ما يعكس فجوة متزايدة في الثقة بدور واشنطن في المنطقة.

تشير أحدث بيانات مقياس الرأي العربي بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تفقدان فقط تأييد الشارع، بل أيضًا صورتهما كمدافعين عن حقوق الإنسان. فقد ترسخ خلال السنوات الأخيرة اعتقاد واسع بأنهما خذلتا الفلسطينيين، وأخفقتا في تطبيق القانون الدولي، وعجزتا عن ترسيخ نظام عادل قائم على القواعد. ومن المرجح أن تزيد الحرب مع إيران من تآكل سمعة الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما قد تتأثر صورة الدول الأوروبية بدرجة أقل، رغم عدم مشاركتها المباشرة في القتال.

وما دامت غزة المعيار الأبرز للحكم الأخلاقي لدى الرأي العام العربي، ستظل الصين وإيران وروسيا تحظى بمكانة أفضل نسبيًا. ويزداد هذا الاتجاه مع تراجع ثقة العرب في التزام واشنطن بالنظام الدولي. ورغم أن بكين وموسكو كانتا أقل انخراطًا تاريخيًا في المنطقة، فإن قطاعات واسعة باتت تميل إلى تأييد دورهما مقارنة بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة.

ربما ينعكس هذا التحول على سياسات الحكومات العربية، عبر توسيع التعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا، أو تعزيز الشراكات الدفاعية معهما، أو الانخراط في أطر متعددة الأطراف تقودانها. وبالفعل، بدأت بعض الدول في إعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن أو تقليل ظهور هذا التعاون. وقبيل الحرب مع إيران، حذرت عواصم خليجية من التصعيد، لكن مخاوفها لم تؤخذ في الحسبان.

بالرغم من ذلك، لا يزال مستقبل الولايات المتحدة وأوروبا في الشرق الأوسط مفتوحًا. فبإمكانهما استعادة جزء من مكانتهما إذا غيرتا نهجهما. وقد قدمت فرنسا مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تحسنت صورتها لدى الرأي العام العربي بعد تراجعها عقب أحداث 7 أكتوبر. ففي أواخر 2025، ارتفعت نسب التأييد لها بنحو 11 نقطة في تونس، و10 في المغرب، و7 في لبنان مقارنة بالعامين السابقين، ويعود ذلك أساسًا إلى اعترافها الرسمي بدولة فلسطينية في سبتمبر 2025. ورغم الطابع الرمزي لهذه الخطوة، فإن أثرها على الرأي العام كان ملموسًا.

وعليه، يبقى مسار شعبية واشنطن مرهونًا بقراراتها. فطريقة إدارتها للحرب مع إيران، وتعاملها مع غزة، وقدرتها على الدفع نحو تسوية عادلة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ستكون عوامل حاسمة في السنوات المقبلة. وأفضل ما يمكن أن تفعله هو إنهاء الحرب سريعًا، والضغط على إسرائيل لضمان الحقوق الأساسية للفلسطينيين وصولًا إلى السيادة. وبعبارة أبسط، لا يمكن للولايات المتحدة تحسين صورتها إلا إذا واءمت أفعالها مع المبادئ التي تعلنها: احترام القانون الدولي، ودعم حقوق الإنسان، وتعزيز نظام قائم على قواعد تطبق على الجميع، لا وفق اعتبارات انتقائية.