حسم القرويّ البسيط القرار في قاعة المحكمة؛ فحين راح المدّعي العام يتحدث عن التفاصيل التي وصلته انفعل الشاهد، وقطع الحديث نافيا بتلقائيّة ما يقوله المدعّي، وسأله بثقة فيما إذا كان قد شهد الحادثة، فأجاب بالنفي، فقال الشاهد: أما أنا فكنت هناك، وهذا ما حدث. لم يقطع عليه القاضي كلامه، بل راح يوجّه الحديث لإحساسه بصدق الشاهد، وتلك خبرة القضاة.

هي رواية شفويّة بسيطة، لكنّها تلقي الضوء على قوة الرواية الشفويّة؛ لسبب بسيط هو أن الراوي قد شهد بحواسه ما كان فعلا.

لعل مضمون ملتقى الرواية الشفويّة الطموح يتمحور في أمرين متقاطعين ظهرا في أدبيات الملتقى يندمجان بالوعي ودوره. أما الأول فيتعلّق بالانتقال به من إطار التداول الشعبي إلى العام العلميّ في حين تجلّى الأمر الثاني في رؤيته للتاريخ الشفويّ؛ كونه يغطي نواقص الأحداث.

تحضر فلسطين بقوة في هذا الملتقى يصعب نفيها، ولعل محمود درويش اختصر ذلك كله حين حسم أمر البقاء:

«كانت تسمى فلسطين

صارت تسمى فلسطين»

وهكذا، فإن أجمل الحضور هو حضور الإنسان نفسه في المكان الوحدة ضمن أزمنة أخرى؛ لذلك كانت فلسطين السليبة هي المضمون والهدف في ملتقى الرواية الشفوية التي عقدتها وزارة الثقافة في رام الله بالتعاون مع مؤسسة بيتنا الشبابي التي تعنى بالشباب.

انتظمت جلسات الملتقى ضمن نهج جامع بدءا بأسس وأدوات وإشكاليات الرواية الشفوية؛ كون فهم الوسيلة مرتبطا بفهم الظاهرة والتعبير عنها، ودورها في معركة الوعي لصون السرديّة الفلسطينيّة عبر أساليب تأريخية متنوعة الشكل تتيح للأدباء والكتاب والفنانين البحث عن مقترحات جمالية تشكل الرواية والسرديات المتنوعة أحد أهم تجلياتها، لا في التوثيق فحسب، بل في توظيف التاريخ الشفويّ في بنية السرد.

وتتجلّى الخصوصية الفلسطينية هنا، ليس عبر فترة زمنية محددة تتعلق بنكبة فلسطين عام 1948؛ فما زالت النكبات الواحدة وراء الأخرى مستمرة بمعنى أن التاريخ الشفويّ ما زال مستمرا لا في وصف ما كان، بل ما يكون في فلسطين التاريخية؛ حيث لم ينج الشعب ولا الأرض من الغزاة الذين لهم هدف واحد هو نفي المكان عن أهله، ونفيهم عنه.

إن روايات «الناس» لبعضهم بعضا، ولمن يجمع الشهادات أكانت لتقارير إعلامية أو غيرها، روايات مهمة دوما، لا للتوثيق فقط، بل كي تظل حيوية تقوم بدورها الإنسانيّ: وطنيا وتاريخيا.

وعن هذا الحراك تحدث وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان مطالبا «الانتقال به من إطار التداول الشعبي إلى فضاء التوثيق العلمي والمنهجي بما ينسجم مع المرجعيات الأكاديمية والتاريخية، لتعزيز حضور الرواية الوطنية، وتطوير أدواتها، وتمكينها من الوصول إلى الأجيال الطالعة، وإلى العالم بلغة علمية محكمة، وخطاب قادر على التأثير والإقناع».

وقد دفع وعي الوزير حمدان على وسائل العصر «بضرورة تطوير أدوات توثيق الرواية الشفوية باستخدام الوسائط الحديثة، وبناء أرشيف وطنيّ جامع يحفظ هذه الذاكرة من الضياع؛ لتمكين الباحثين والمهتمين من الوصول إلى مصادر موثوقة، والعمل على تحويل هذه الروايات إلى مواد تعليميّة وثقافيّة وإعلاميّة تعزّز الوعي الوطنيّ، فمسؤولية المؤسسات الثقافية والأكاديمية، الباحثين والمثقفين، تتمثل بتحويل هذه الرواية من ذاكرة مهدّدة بالاندثار إلى معرفة موثّقة، ومصدر قوّة في معركة السردية».

إن استخدام وسائل العصر -لا شكّ- سيفيد الأجيال الشابّة بشكل خاص من خلال التعليم المدرسيّ والعالي، ومن خلال وسائل الإعلام التقليدية، ووسائل التواصل الاجتماعيّ.

من هنا نقدّر ما رآه المؤرخ الشاب حسام أبو النصر مدير عام الإدارة العامة للرواية ورئيس الملتقى من دور للرواية الشفويّة «في الحفاظ على الإرث التاريخيّ الوطنيّ». وهو إذ يتحدث عن خصوصيّة ظهور التاريخ الشفويّ بعد عام 1948 «لتوثيق قصص النكبة في خضم النزوح والشتات ليغطي نواقص الأحداث، وألا يكون بديلاً عن كتابة التاريخ، بل جزء مهم منه؛ فقد رأى كيف «استطاع الفلسطينيون استخدامه كقوة فكريّة وثقافية تستطيع أن تواجه الرواية الإسرائيليّة المزيفة من خلال جهود الجامعات والمؤسسات المعنية والأفراد».

وهذا ما دفع الشاب عبد الخالق النجّار ممثل مؤسسة بيتنا الشبابي إلى القول بأن «تمكين الشباب لا يكتمل إلا بربطهم بجذورهم الثقافية، وإعادة المساحات لهم؛ لسرد قصصهم، وصون روايات مجتمعهم، والمساهمة في إنتاج معرفة أصيلة تعبر عنهم».

لقد تناغمت الجلسات الثلاث؛ لتقدّم هويّة الملتقى من جهة، ولتقدم أيضا جهود الفاعلين في هذا المجال البحثيّ والوطنيّ، من جهة أخرى، ثم لترسم خارطة عمل جمعيّ وفرديّ، من منطلق حيوية الروايات الشفوية ومصداقيتها؛ فقد كان لا بدّ من تناول أسس وأدوات وإشكاليات الرواية الشفوية، لتؤكّد عليها، ولتمنح المهتمين آفاقا للتطوير، للانتقال من الاهتمام والشغف إلى المهنية العالية والعالميّة بما ينسجم مع مضمون الروايات التي تشكل قصّة شعب يتعرض للنفي من عقود. وهكذا فإن المعرفة العلمية هي وسيلة الاشتباك مع روايات الغزاة المضللة، التي تسعى لا لنفي الحقائق، بل إلى منع الضحية من الحديث عن روايتها، بل اعتبار ذكر الحقائق تحريضا عليها؛ لذلك تستمرّ الرواية، وتستمر معها لا المطالبة بالحقوق، بل يستمرّ النضال، وهنا يحضر المثل العربيّ «ما يضيع حق وراه مطالب».

لم يتخلّ الفلسطينيون عن تاريخهم الرسميّ المكتوب، ولا عن التاريخ الشفوي الذي تمّ توثيق جزء مهم منه؛ فعلى مدار الأعوام الـ78 من نكبة فلسطين فإن الأجيال المتتابعة التي شهدت وسمعت ما زالت تكتب لنا وللعالم ما كان.

وهكذا كانت جلسة الاختتام التي تحدثت عن التجارب الشخصية في توثيق الرواية الفلسطينية ممثلة في التجارب الأدبيّة بشكل خاص.

وهكذا، فقد صدق الشاعر محمود درويش في نبوءته حين قال: «كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين»؛ إذ إنه من جيل إلى جيل أعاد الفلسطينيون الرواة بناء ما هدم الاحتلال إلى جانب البقاء الإبداعي، أكان ذلك في فلسطين عام 1948، أم في الضفة الغربية لنهر الأردن، أم قطاع غزة الذي تعرضّ لإبادة تقاومها اليوم إرادة البقاء، وإرادة السرد لما يكون، ولعل العالم اليوم الذي يشهد الإبادة انضم فعليا إلى المشاركة في رواية هذا الفصل الأليم في تاريخنا؛ كونه يشاهد الإبادة التي تتم بالبثّ المباشر بوقاحة لا تضاهيها وقاحة من قبل.