كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عدة أيام مهددا ومتوعدا: «حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدا»، ثم قال ثانية بنبرة أقسى من الأولى: «سنعيد إيران إلى «العصر الحجري»!
هذه التصريحات واجهتها كلمات حادة من حد المسؤولين الإيرانيين فكان رده: «الولايات المتحدة هي من سترسل جنودها إلى قبورها، وليس أن تعيد إيران إلى العصر الحجري».. و«من السخف المطلق أن تهدد دولة لا يتجاوز تاريخها 250 عاماً أمة تمتد حضارتها لأكثر من 6000 عام».
هذا أحد النماذج التي تم تداولها في وسائل الإعلام المختلفة، تهديد هنا ووعيد هناك، وعلى أرض الواقع ثمة أحداث أخرى تزيد من معاناة البشر.
غالبًا ما تلجأ الدول إلى استخدام نبرة التهديد والوعيد لإبراز قوتها وتعزيز حضورها في سياقات الصراع، وتندرج هذه اللغة ضمن ما يُعرف بالحرب الإعلامية المصاحبة للعمليات العسكرية الميدانية. فالحرب لا تقتصر آثارها على القوة التدميرية للقنابل والانفجارات فحسب، بل تمتد أيضًا إلى إحداث تأثيرات نفسية ومعنوية على الخصوم. ولذلك تتكرر خلال هذه السياقات تصريحات ذات طابع حاد ومخيف تهدف إلى التأثير في الإدراك العام ورفع مستوى الردع. بحسب الخبراء العسكريين والمراقبين الدوليين، فإن الإجابة عن سؤال العنوان هي: نعم، إذ يمكن للحروب والنزاعات المسلحة أن تُعيد عقارب الزمن إلى الوراء بمعنى مجازي. فغالبًا ما تؤدي إلى تدمير البنية التحتية والمرافق الحيوية، بغضّ النظر عن كونها مدنية أو عسكرية، كما تتسبب في انتكاسات عميقة تمسّ مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويمتد أثر القتال المحتدم ليشمل تراجعًا حادًا في قطاعات التعليم والصحة وغيرها من الخدمات الأساسية، فضلًا عن فقدان تراكمات طويلة من التقدم المدني والاجتماعي الذي تحققه الدول عبر سنوات. وفي بعض الحالات، قد تضع هذه الظروف دولًا بأكملها على حافة الانهيار، بما يشبه العودة إلى الوراء بطابع بدائي.
حرب إيران الأولى التي استمرت 12 يوما أثرت سلبا على دول عدة وليست طهران وحدها، أما حرب إيران الثانية التي بدأت في 28 فبراير الماضي، وهي قد تكون الأعنف والأقوى خاصة أن التهديد كان أكبر في دخول دول جديدة إلى ساحة القتال، ولا تزال تداعياتها وتأثيراتها مستمرة حتى هذا اليوم.
بالمقابل لبنان يشهد ساحة أخرى لحربه مع إسرائيل لدرجة لم يعد هناك مكان آمن في بيروت وغيرها من المدن اللبنانية الأخرى التي تقصف يوميا بالأسلحة؛ فالدمار الهائل أجبر السكان على مغادرة أماكنهم والاحتماء بالعراء، أو شاطئ البحر بحثا عن مأوى يقيهم من سقوط القنابل على رؤوسهم.
وشهدنا منذ أيام قليلة الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي جاء قبل دقائق من انتهاء المهلة التي منحها ترامب لإيران وتهديده بتدميرها؛ إذ بدأت الوساطات الدولية تأخذ طريقها نحو البحث عن مخرج آمن، فقادت بعض الدول ومن بينها «باكستان» قطار المفاوضات، واستضافت إسلام أباد لقاءات خاطفة ما بين القطبين المتنازعين أو المتحاربين، وبعد نحو 21 ساعة من «الشد والجذب» لم تكلل المساعي بالنجاح؛ لأن كل الجانبين ثبت على موقفه، والتنازلات أصبحت «غير مطروحة»، والمطالب متمسك بها من الجانبين، وربما حاول الأمريكان تحقيق بعض الانتصارات التفاوضية ليكتبها التاريخ لاحقا. كل ما استحوذوا عليه من تنازلات يراها الآخر أنها حق من حقوقه المشروعة.
لذلك لم يكتب للجولة الأولى أي تقدم يذكر، فغادر الوفدان أرضية مكان المباحثات، وكل منهما لديه مبررات لهذا الانسحاب!
وبعيدا عن تقريب الرؤى التفاوضية هناك وجه قبيح للحرب؛ فالدمار الهائل التي سببته الهجمات على مدى الأسابيع المتتالية وكمية الأهداف التي تم ضربها وإلحاق الضرر بها من الجانب الأمريكي والإسرائيلي، لم يكن لدى طهران سوى ورقة تضييق الخناق على الملاحة البحرية من خلال «مضيق هرمز».
بالمقابل سواء في طهران أو بيروت هناك جرائم حرب ارتكبت ضد السكان الأبرياء، ومع انتهاء الحرب سوف تثبت لنا السجلات والأرقام حجم الكارثة التي حلت بالمكان.
الإعلام الخارجي يصب اهتمامه في صور المباني المهدمة والدمار الهائل التي تحدثه القنابل والصواريخ التي لا تفرق ما بين الأجساد والبنى والمجمعات السكنية والمنشآت الصناعية والمدارس والمستشفيات، ولا يهتم مطلقا بأرواح الأبرياء التي تزهق جراء تلك الهجمات الغاشمة عليهم، والحديث ينصب نحو الأضرار الاقتصادية، ولكن لا أحد يهتم بقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ !
وحتى تضع الحرب أوزارها تظل المعاناة الإنسانية حديثا خافتا بينما يهتم العالم بأنفسهم والأضرار التي تحدث من جانبهم، ويتناسون أن عليهم دورا إنسانيا مفقودا كان يجب أن يتحركوا لوقف إبادة البشر، وكبح تطور الأمور إلى الأسوأ.