مـنـذ الأسـبـوع الأول للحـرب الأمـريـكـية- الصـهـيـونــة عـلى إيـران، تـردّدت عـبـارات بـعـيـنـهـا، عـلى نـحـوٍ بـبـغـاوي، فـي واشـنـطـن وتـل أبـيـب عـن تـدمـيـر إيـران وانـهـيـار جـيـشـهـا وقـيـادتـهـا، وعـن فـقـدانـهـا الـتام للـقـدرة عـلى الـرد عـلى الضـربـات الـتي تـتـلـقاهـا.
مـن يـعـود إلـى الـتصـريـحـات الـمـنـشـورة فـي هـذا البـاب، سـيـنـذهـل بـمـا تـنـطـق بـه مـن غـيـر دلـيـل وسـيـصـدمـه أكـثـر مـا بـيـن الـواحـد مـنـها والـثـانـي، وأحـيـانـاً مـن الـمـصـدرِ الـواحـد عـيـنـه، مـن تـنـاقـض!
فـهـا هـي إيـران فـقـدت - فـي الأسـبـوع الأول - مـا بـيـن 90 إلى 95 بـالـمـائـة مـن مـنـصّـات إطـلاق صـواريـخـهـا مـثـلـمـا يـزعـمـون؛ وهـا هـي فـقـدت مـنـظـومـة الـدفـاع الـجـوي مـن رادارات وسـلاحٍ للـدفـاع، بـالكـامـل، واسـتبـيـحـت أجـواؤهـا للـطّـيـران المـعـادي والـصـواريـخ الـقـادمـة مـن بـعـيـد، وهـا هي بـحـريـتهـا أُبـيـدت عـن بـكـرة أبـيـهـا وابـتـلـعـتـهـا المـيـاه فـي الخـلـيـج وبـحـر قـزويـن؛ وهـا هـي مـسـتـودعـات صـواريـخـهـا ومـصـانـع سـلاحـهـا وقـواعـد جـيـشـهـا تـحـت الأنـقـاض؛ ثـم هـا هي مـراكـزهـا العـسـكـرية والأمـنـية عـلى وشـك الـزّوال الـكـامـل... إلـخ.
لـعـلّـهـا أضـخـم صـورة قـيـامـية تـقـدمـهـا أمـريـكـا عـن دولـة مـا مـنـذ تـدمـيـرهـا ألـمـانـيـا واليـابـان فـي الحـرب الـعـالـمـية الـثـانـية... ولـكـن هـذه المـرة تـصـطـنـع ذلـك الـقـول فـي عِـز عـنـفـوان عـصـر الـمـعـلـومـات!
لـكـن الـطـامة الكـبـرى أن المـصـدر الـرئـيـس لـهـذه «الـمـعـلـومـات» لـيـس الإعـلام الأمـريـكـي والـصهـيـونـي، ولا حـتى الـبنـتـاغـون والاسـتـخـبـارات الـعـسـكـرية، وإنّـمـا البـيـت الأبـيـض وحـكـومـة الكـيـان الصـهـيـونـي، بـل إن بـطـلَـيهـا الـرّئـيـسـيْـن هـمـا دونـالد تـرامب وبـنـيـاميـن نـتـنـيـاهـو، فـضـلاً عـن كـومبارس مـكـوَّن مـن مـوظّـفـيـن فـي البـيـت الأبـيـض ووزيـري الحـرب فـي دولـتـيْ الـعـدوان. لـقـد أخـذ هـؤلاء الـكَـذَبـة حـريّـتـهـم فـي اخـتـلاق «المـعـلـومـات» مـع أن وقـائـع الحـرب، فـي تـوالـيـهـا الـزّمـنـي، تـكـذِّب مـا يـقـولـونـه؛ وهـل مـن تـكـذيـب أكـبـر وضـوحـاً وتـدلـيـلاً مـن أن تـظـلّ إيـران - حـتّـى بـعـد مـرور أربـعـيـن يـومـاً عـلى العـدوان الـثـنـائـي عـلـيـهـا - قـادرة عـلى تـوجـيـه ضـربـات مـوجـعـة للـقـوّات الأمـريـكـية وللـعـمـق الصـهـيـونـي، وقـادرة عـلى إسـقـاط أهـداف جـوية مـعـاديـة مـن طـائـرات ومـسـيـرات وصـواريـخ؟ ولأنّ الـكـذّاب كـذّاب، فـلا يـعـنـيـه أن تـدحـض الحـقـيـقـة الـمـادية مـزاعـمَـه بـقـدر مـا يـعـنـيـه أنه أطـلـق كـذبَـه وانـطـلـى أمـره عـلى قـسـم مـن الجـمـهـور فـزاد، بـالـتـالـي، حـظّ سـردية الـنّـصـر فـي خـطـابـه مـن تـرجـيـح كـفة سـيـاسـاتـه وصـورتـه. هـذا، بـلا زيـادة ولا نـقـصـان، مـا يـعـنـي بـطـلـي مـلـحـمـة الأكـاذيـب هـذه!
مـع أنّ الـكـذب مـفـارقـة فـي حـد ذاتـه مـتـى قـوبِـل بـمـعـطـيـات الحـقـيـقـة الـتي تـبـطـلـه، إلا أن هـذا الـنـوع مـن الـكـذب يـجـاوز، بـعـيـداً، حـدود الـمـألـوف وتـتـضـاعـف مـشـكـلاته لاِزدحـامـه بـمـفـارقـات لا حـصـر لـهـا عـاريـة عـن الصـحـة وغـيـرِ قـابـلـة للـتّـصـديـق، عـقـلـياً، أو تـمـيـط عـنـهـا القـنـاع الـوقـائـع الجـاريـة وتـفـضحـهـا.
والأغـرب أنّ وسـائـل الإعـلام الأمـريـكـية والصهـيـونـية الـتي تـتـلـقّـى مـن الـبـيـت الأبـيـض ذلـك الـكـم الـهـائـل مـن «المـعـلـومـات» المـخـتـلَـقـة، لا تـكـلـف نـفـسـهـا أن تـسـأل - فـي لـقـاءاتـهـا رئـيس أمـريـكـا ورئـيـس وزراء الـكـيـان ومـن يـنـطـقـون بـاسـمـهـمـا - عـن سـرّ تـلك الـتـنـاقـضات الـفـاضـحـة فـي تـصـريـحـاتهـما عـن سـيـر العـمـلـيـات الحـربـية الـتي لا تـصـدّقـهـا أجـهـزتهـمـا ولا حـتى أقـرب الـمـقـربـيـن مـنـهـمـا؛ إذْ مـا مـن أحـد يـسـأل أحـداً عـمـا يـكـتـنـف روايـتـه مـن تَـهـالـك؛
لا أحـد سـأل، مـثـلاً، كـيـف كـانـت نـسـبـة الـدمـار الـتي لـحـقـت مـنـظـومـة الـدّفـاع الجـوّي الإيـرانـي كـامـلـةً فـي الأسـبـوع الأوّل مـن الحـرب، فـيـمـا ظـلّ يـسـع هـذا الـدفـاع الجـوي إسـقـاط الـطّـائـرات والمـسـيَّـرات والصّـواريـخ الـمـعـاديـة فـي بـدايـة الشّـهـر الـثّـانـي للـحـرب؟!
ولا أحـد سـأل لـمـاذا قـرر رئـيـس أمـريـكـا وشـريـكـه الصـهـيـونـي أن نـسـبـة الـدمـار الـذي أصـاب مـنـصـات إطـلاق الصّـواريـخ، فـي الأيام الأولـى للحـرب، تـراوحـت بـيـن الـتسـعـيـن والخـمـسـة وتـسـعـيـن بالمـائـة، ولـكـن إيـران ظـلـت تـسـتـطـيـع - بـعـد أزيـد مـن شـهـر عـلى تـلك «المـعـلـومـات» - أن تـطـلـق صـواريـخـهـا عـلى الأهـداف الصـهـيـونـية والأمـريـكـية... وبـدرجـة مـن الإيـلام أعـلـى وأشـدّ؟!
ولا أحـد سـأل رئيـس البـيـت الأبـيـض مع مـن مـن قـادة إيـران يجـري «مـفـاوضـاتـه» الـتي زعَـمَـهـا وردَّد الـزعـم، لـمـرّات عـدّة، فـيـمـا تـنـفـي الـقـيـادة الإيـرانـية - رئـيـسـاً ووزيـر خـارجـية ومـجـلـسَ أمـن قـومـي وحرس ثـورة ورئـيـس سـلـطـة قـضـائـية...- حـصـول أيّ نـوع مـن الـتّـواصـل فـكـيـف بـالـتّـفـاوض؟!
ولا أحـد سـأل الـرجـل مـن هـذا الـذي طـلـب مـنـه، مـن قـادة إيـران، (أو، بـعـبـارتـه، «تـوسّـل إلـيـه») وقـف إطـلاق الـنـار فـيـمـا لـم يـتـوقف وزيـر خـارجـية إيـران عـن تـأكـيـد الـقـول إن بـلاده لا تـقـبـل بـاتـفـاق لـوقـف إطـلاق الـنـار، بـل لـن تـرضـى بـأقـل مـن اتـفـاق لإنـهـاء حـالـة الحـرب وتـقـديـم ضـمـانـات بـعـدم اللجـوء إلـيـهـا ثـانـيةً!
كـمـا أن أحـداً لـم يـسـألـه مـا هـذا الـنظـام «الجـديـد» الـذي أعـلـن هـو عـن أنه قـام فـي إيـران، بـعـد أن «سـقَـط» الـنـظـام «السـابـق»؛ مَـن هـم قـادته ورمـوزه الـذيـن «يـتـواصـل» مـعـهـم، والـذيـن وصـفـهـم بـأنّـهـم عـقـلانـيّـون ومـعـتـدلـون...؟!
ومـا أكـثـر مـا كـان يـنـبـغـي أن يُـسـأل عـنـه تـرامـب مـن «إفـادات» و«مـعـلـومـات» قـدّمـهـا للأمـريـكـيين وللـعـالـم أمـام وسـائـل الإعـلام مـن غـيـر أن يُـسْـأَلَ عـن ذلـك أو، قُـلْ، مـن غـيـر أن يـجـتـرئ أحـد عـلى سـؤالـه.
كـأنّ الإعـلام فـي عـصـر تـرامـب دخـل غـمـده أو أُدْخِـل: مـن بـاب تـواطـؤ مـتـفـاهَـم عـلـيـه، أو مـن بـاب الخـشـيـة والمـخـافـة! فـي الحـالـيـن، وحـيـث إمـكـان المـسـاءلـةِ يـبـدو شـبـهَ مـمـتـنـع عـبـر الكـونـغـرس - لـتـركـيـب فـي غـرفـتـيْـه تـثـقـل بـه كـفّـة الـرئيـس فـي مـيـزان الـقـوى الـتمـثـيـلـي - يـضـيـف صـمـت الإعـلام إلـى «بـيـانـات» الـرئـيس دليـلاً جـديـداً عـلى حـالـة الاسـتـهـتـار بـالـرأي الـعـام السـائـدة، الـيـوم، فـي أمـريـكـا دونـالـد تـرامـب! هـذه الحـال، بـالـذّات، هـي مـا يبـرِّر لـرئـيـس أمـريـكـا ونـائـبِـه ومـسـتـشـاريـه أن يـقـدمـوا روايـتَـهـم عـن فـشـل مـفـاوضـات إسـلام أبـاد بـوصـفـهـا الـروايـة الـرسـمـية والـمـوثـوقـة؛ الـروايـة الـتي تُـحـمِّـل إيـران المـسـؤولـيّـة الحـصـرية عـن ذلـك الـفـشـل!
نـعـم، قـد يـكـون الـكـذبُ مـن عُـدَّة الشّـغـل فـي السّـيـاسـة ولـدى السـيـاسـييـن، بـل هـو كـذلـك كـان وكـذلـك سـيـسـتـمـر؛ لأنّ السـيـاسـة تـدور عـلى المـصـالـح لا عـلى الحـقـائـق. ولـكـن أن يـتـحـوّل الـكـذب إلـى عـقـيـدة سـيـاسية واسـتـراتـيـجـيـة سـيـاسية، فـشـيءٌ آخـر يـعـتـاز تـفـسـيـراً !.